مقدمة:
يتأثر مختلف أنواع الأبنية من جراء نشوب الحرائق فيها. وقد يكون الضرر كبيراً، شاملاً أو جزئياً للمبنى، وفي كثير من الأحيان قد يكون من الضروري هدم المبنى جزئياً أو كلياً. وفي مطلق الأحوال فإن مقدار الضرر الناجم عن أي حريق يتعلق إلى حد كبير بدرجة الحرارة التي وصل إليها الحريق وبالتالي درجة تسخين المنشأ ككل أو بعض عناصره الانشائية.
وإن الشعور باليأس والرعب لمقدار الضرر الحاصل هو أول ما نشعر به على الأغلب لدى مشاهدتنا بناءً متضرراً بالحريق. ويتوقف هذا الوضع على مقدار الحطام المتناثر حول المبنى مع وجود الرائحة الواخزة الناتجة عن الأشياء العديدة المحترقة. وفي أغلب الحالات وإن كان الضرر ليس خطيراً أو كبيراً كما يظن في البداية غير أنه من الضروري التفكير بقرارات فورية من الواجب اتخاذها لتأمين المنشأ لفترة قصيرة سواء أكان من الضروري القيام بأعمال تدعيم مؤقتة أو تهديم للأجزاء المتضررة كثيراً والتي تشكل خطراً.
وعلى الأرجح فإنه سيكون من الضروري في بعض الحالات تقرير ذلك بسرعة كبيرة وبعد الحريق مباشرة استناداً إلى المشاهد العينية وإلى ملكة التمييز المتوفةر لدى المهندس الخبير. وتجدر الإشارة إلى أن عملية تقييم أضرار المباني من جراء الحريق يطلق عليها اسم الفن الأسود (Black Art) وهي تعتمد بصورة أساسية على الخبرة الشخصية. وتجدر ملاحظة أن شركات التأمين في انكلترا سواء الخاصة بالمالكين أو المستأجرين يلزمها إضافة إلى ذلك معرفة ما إذا كان من الممكن الحفاظ على المبنى. وهذا أمر يجب مناقشته اقتصادياً. فهل من الواجب إصلاح المبنى أم تدميره وإعادة بنائه؟ ولا يمكننا الإجابة على هذا السؤال إلا بعد إجراء المشاهد أو المعاينة البصرية للمبنى.

المعاينة البصرية:
تهدف المعاينة البصرية إلى تحديد الأمرين التاليين:
1-1-استقرار المنشأ:في هذه المرحلة من الضروري الحصول على المخططات الأصلية للمبنى-إن كان ذلك ممكناً- فهذا يسمح لنا بتقييم أو تخمين كيفية قيام المنشأ بنقل الحمولات المطبقة عليه. كما يمكن تعيين أو تمييز العناصر الحاملة للحمل الرئيسي بالإضافة إلى معرفة احتياطات ثبات وأمان المنشأ. وتحتاج المراقبة والمعاينة لتفحص أي زيادة في التشوهات أو السهوم أو التشقق في العناصر الرئيسية الحاملة وتفحص تكامل عمل نقاط الاتصال بين العناصر الانشائية الرئيسية. ومن الضروري أيضاً لاعتبارات ثبات المنشأ التأكد من لحظ وجود تقوس زائد في أي جزء من الجدران الداخلية أو في جدران مبنية مكسوة. وفي حال كان المنشأ بيتونياً يجب الانتباه جيداً إلى الضرر الناجم عن وجود شظايا متكسرة أو متقشرة من الجوائز أو من الأعمدة لأن ذلك يؤدي إلى انقاص قدرة تحمل هذه العناصر تحت تأثير الحمولات وذلك بفعل ازدياد الحرارة في العناصر المسلحة.
وفي حال كان تأثير النار منحصراً في جزء من المنشأ فإنه من الضروري امتداد المعاينة وشمولها أيضاً لأجزاء أخرى من المنشأ لم تتعرض لخطر النيران مباشرة لأنه من الممكن حدوث إعادة توزيع حقيقي للحمولات (تحميل زائد) على هذه العناصر الغير متأثرة مباشةر أو بشكل مخالف لما هي مصممة عليه. فقد يتعرض عنصر إنشائي ما لقوى الشد في حين أنه مصمم على الضغط فقط. وقد تم رصد هذه الظاهرة في أعمال 1984 لدى دراسة الإطارات البيتونية التي من الواجب زيادة الاهتمام بها. ففي حريق Broadgate fire لوحظ أن المنشأ قد تصرف خلال النيران أو الحريق بطريقة مخالفة تماماًلما هو مصمم عليه. ذلك أن القوى قد توزعت (إعادة انحلال وتوزيع للحمولات) في العناصر البعيدة عن أماكن الحريق بواسطة الأعمدة المشدودة مؤقتاً. وتم نقل الحمولات إلى القسم العلوي من المنشأ والبارد نسبياً.

تقدير خطورة النيران:
الطريقة الأولى:
للحصول على تقدير أولي لخطر الحريق يمكن الرجوع إلى سجلات فرق مكافحة الحريق. واصطلاحياً هو عدد مرات تطبيق النداء لمكافحة الحريق. وهو المدة التي تستغرقها فرق المكافحة لمقاومة الحريق. أي المدة بين لحظة مشاهدة الحريق وحتى وصول فرقة مكافحة الحريق أو تشغيل أي نظام حماية أوتوماتيكي أو أي تجهيز آخر مقاوم للحريق. أو هو مقدار الجهد اللازم الذي تتطلبه مقاومة الحريق.
الطريقة الثانية:
تكون بتقدير درجة الحرارة التي وصل إليها الحريق وذلك بدراسة الحطام الناتج بسبب الحريق. ومن المهم الإشارة إلى أنه يجب عدم رفع الأنقاض أو الحطام قبل تنفيذ هذه الدراسة.
بكلام آخر هذا الدليل الحيوي يمكن أن يكون قد فقد بشرط أن تكون المواد (المادة) الموحدة لهذه الشظايا مميزة ومحددة. هذه المعرفة يمكن أن تستخدم لإعطاء دليل أو إشارة إلى درجة الحرارة التي تم الوصول إليها خلال الحريق خاصة أن أغلب المواد ذات مواصفات حرارية معروفة كدرجة الذوبان أو الليونة.
يبين الجدول التالي بعض المعلومات النموذجية عن نقاط ذوبان بعض المواد بفعل الحرارة:
اسم المادة وسلوكها ---------- درجة الحرارة التقريبية (درجة سيليسيوس)

تلين أو انهيار البوليسترين ---------- 120
تلين أو ذبول البوثيلين ---------- 120
نقطة ذوبان البوليثين ---------- 150
نقطة ذوبان البوليسترين ---------- 250
اسوداد السيلولوز ---------- 200-300
سيلان لحام أمابيب المياه ---------- 250
تلين أو ذوبان الرصاص ---------- 300-350
نقطة تلين الألومنيوم ---------- 400
نقطة ذوبان الألومنيوم ----------650
تلين الزجاج ----------700-800
نقطة ذوبان الفضة ---------- 950
نقطة ذوبان النحاس الأصفر ---------- 800-1000
نقطة ذوبان النحاس ---------- 1100
نقطة ذوبنا حديد الصب ---------- 1100-1200


وفي جميع الأحوال من الواجب استخدام هذه المعلومات بحذر كاف إذ تختلف درجة الحرارة الواردة لمادة معينة بشكل منفصل عن درجة حرارة الحريق. مع ذلك فإن هذه الطرق تعطي مؤشرات أولية من الدرجة التي تكون قد وصلت إليها الحرارة الخاصة وليس خلال مدة التعرض لمثل هذه الحرارة.
الطريقة الثالثة:
تعطينا تقييماً أو تقديراً لمدة اختبار الحرق أو الاحتراق أو كما هو معروف بالنار. ويكون بقياس عمق تفحم قطعة حقيقية من مادة معلومة كالخشب وذلك بتعريضها للحريق لفترة محددة منذ بداية الحريق أو النار. ويتعلق عمق التفحم بمدة الاحتراق النظامي للمادة المعلومة أو كما هو معلوم بالنسبة للخشب فإن كثافة المادة يمكن تقديرها من خلال عملية التفحم إذ تتراوح من معدل ثابت بين 30 و90 دقيقة للتعرض النظامي للنار. في هذه الحالة يجب ملاحظة وضعية نموذج المادة (الخشب) بصورة مستقلة أيضاً.
الطريقة الرابعة:
تستخدم لحساب خطر النار من خلال تخمين حجم القسم (العزل) وكثافة حمل النيران ومساحة الفتحات (عامل التهوية) ويكون باستخدام معادلة تجريبية خاصة بذلك.

في الواقع أياً من الطرق المذكورة أعلاه غير واقعية بشكل كامل. ولا يمكن الاعتماد على طريقة واحدة في التقييم. ولذلك فإنه من الواجب استخدام أكثر من طريقة معاً للحصول على جواب معقول ومنطقي. وعلى المراقبة البصرية تعيين أو تمييز ذلك المساحات التي يجب فوراً تدميرها وتحطيمها (حيث الضرر الحاصل كبير ولا يمكن إصلاحه). وتلك التي من الممكن إعادة إصلاحها إذا كان بالإمكان الوصول إلى المقاومة الكافية والمطلوبة. وبالمراقبة البصرية أيضاً يجب تمييز المساحات غير المتضررة أو التي ضررها سطحي وهذه الحالة الأخيرة لن نتعرض لها بالمزيد من المناقشة ويمكن أن تنشأ المشاكل عندما يكون تدمير بعض الأجزاء ضورياً وإذا ما استقر الرأي على الترميم أو الإصلاح فإنه يجب إجراء المزيد من الاستقصاء أو البحث للتأكد من امتداد الخطر الحقيقي الدقيق للأضرار وما هي المقاومة المتبقية في المنشأ وإذا لزم ذلك من الضروري أولاً تنظيف جميع الحطام ورفع الأنقاض من المنشأ وتنظيف الأجزاء المتضررة بالدخان قدر الإمكان من أجل تفحص جميع أجزاء السطح المتضرر.
تقييم الأضرار وتقديرها:يمر تقييم الأضرار وتقديرها بمرحلتين:
المرحلة الأولى: تستلزم المسح التفصيلي الكامل للمنشأ ومعاينته.
المرحلة الثانية: التأكد من المقاومة المتبقية في كل من عناصر المنشأ ومن مقاومة المنشأ كله.

2-1- المسح الإنشائي (معاينة المنشأ):
في المرحلة الأولى، من المناسب معاينة جميع خطوط ومستويات المنشأ ونحتاج إلى ذلك لتقدير التشوهات والسهوم المتبقية في المنشأ وملاحظتها ويجب أن تقارن السهوم المقيسة مع تلك السهوم التي تم حسابها أثناء تصميم المنشأ. ويجب الانتباه جيداً إلى وجود أية حركات أفقية بسبب الحرارة الناتجة عن الحريق.
وغالباً ما يظهر مثل هذه التأثيرات للحركة الأفقية في مكان بعيد عن مكان وجود النار.
كما نحتاج إلى ملاحظات ومعاينات أخرى تتوقف على مواد البناء الرئيسية: الفولاذ – البيتون – البناء الحجري.
في المنشآت البيتونية:
من الضروري ملاحظة وجود شظايا من المنشأ. وكذلك تلك التي تعرض لها التسليح. وتجدر ملاحظة أنه ليس بالضرورة أن تتضمن الشظايا قطعاً من التسليح أو من المنشأ. إن انفصال شظايا من المبنى يمكن أن يحدث متأخراً بفعل التبريد الناتج عن إخماد الحريق وبالتالي يضعف المنشأ ضعفاً حقيقياً. في الأمكنة المسودة بفعل الدخان يكون التشظي قد حصل على الأغلب أثناء اشتعال النيران. ومن المفيد أن نذكر هنا بأن لون الوجه البيتوني المعرض للحريق يمكن أن يعطينا مؤشراً عن درجة الحرارة التي تعرض لها العنصر الإنشائي. هنا يجب الانتباه جيداً إلى أن التشظية يمكن أن تلغي أو تبطل المراقبة أو المعاينة وذلك لأن بعض الحصويات لا توضح التغييرات الكافية في اللون.
ويجب الانتباه أيضاً إلى تشكل الشقوق إذ من الواضح أن التشقق غير ضار في منطقة الشد من الجوائز ولكن له دلالة على وجود مشاكل حقيقية وخطيرة قد تحدث في مناطق الضغط من الجائز أو البلاطة أو العمود.
بالنسبة للمنشآت المعدنية:
إن أغلب المنشآت الفولاذية تسترد معظم متانتها ومقاومتها بفعل التبريد غير أنها تفقد جزءاً من هذه المقاومة مهما يكن من أمر فإنها ونتيجة التشوهات الناتجة عن الحرارة هي على الأغلب مؤشر لحالة المنشأ. في هذه الحالة من المهم تقدير وتخمين تكامل عمل الوصلات فمن الممكن أن تكون البراغي والوصلات قد تعرضت لضعف معين داخل الوصلة أو أصبحت على نحو ما غير ملائمة نظراً لتشوهها بشكل واضح. وفي الأرضيات أو السطوح التي تشمل أو تتضمن صفائح ومقاطع معدنية وبيتون مصبوب بالمكان من الواجب تفحص وملاحظة وجود أي انفصال بين السطح والجائز (مقاطع مركبة). يمكن أن يحصل الانفصال أيضاً ما بين ظهر الجائز وصفائح التغطية ضمن خط اللحام المستعمل. ويمكن أن يحدث الانهيار على القص للوصلة ما بين خط السطح المعدني والبيتون المصبوب.
بالنسبة للمنشآت الحجرية:
يستعمل البناء الحجري (الطوب) إما في حال الحمل التصميمي للبناء منخفضاً أو في الأبنية المنخفضة الارتفاع أو كتبطن لهيكل المنشأ ويعود السبب الرئيسي لخطر الجدران الحجرية (الطوب) إلى التوسع (الامتداد) أو الحركة في المنشأ وذلك بسبب الفعل الحراري على الهيكل أو الأرضية. ويكون حدوث ذلك أقل احتمالاً بالنسبة للمنشآت القليلة الارتفاع والتي –أي المواد الحجرية- من المحتمل استخدامها بكميات إضافية لأعمال الإكساء.
إذن يجب اانتباه إلى أية مساحات فيها إشارات أو علائم انهيار الثقوب (ثقوب انهيار) أو أية زيادة في السهوم على النوافذ الخارجية أو فجوات الجدران.
وإذا كان الضرر محصوراً بالنافذة (الإطار) الداخلية فمن الممكن الحفاظ على النافذة الخارجية وإعادة بناء الداخلية فقط شريطة أن تستعمل ثانية وصلة للجدران.
يجب الانتباه جيداً أثناء إجراء المعاينة البصرية للمنشأ لضرورة إجراء بعض الاختبارات لمواد بناء المنشأ وذلك لتقدير وتأكيد المقاومات المتبقية في المنشأ ويمكن أن تكون طرق الاختبار المستعملة طرقاً غير مخربة أو مخربة تتضمن أخذ عينات من الأجزاء غير المتضررة في المنشأ وكذلك عينات من القسم غير المتضرر من المنشأ لضرورة المقارنة والمراقبة.
وفي النهاية يجب تخمين الأضرار بدقة كافية لتقرير هل يجب تدمير البناء أم لا؟
----------------------------------------------------------------------------
المراجع:
-Hopkinsonm J.S (1984) fire spread in building paper
-Malhorta, H.L (1993) fire
ترجمة الدكتور المهندس: محمد شعبان – جامعة البعث / حلب-سوريا