الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
عرفت أوروبا الظلم على يد الكنيسة لاسيما في العصور الوسطى، حيث طغى رجال الكنيسة وتدخلوا في شئون المجتمعات، وسيطروا على رجال الحكم، وأرادوا السيطرة حتى على حقائق العلم، فنفوا منها ما خالف تصوراتهم وتفسيراتهم، وما زعموا أنه يخالف ما بأيديهم من الكتب المحرفة، وأتبعوا ذلك بما عرف بمحاكم التفتيش، حيث أخذوا الناس بالشبهات، وانتزعوا اعترافاتهم تحت وطأة التعذيب، وأقيمت مذابح دموية قتل فيها النساء والرجال بالآلاف بتهم الهرطقة وغيرها.
ومما يذكر من آلات التعذيب آلاتُ كسر العظام، وتقطيع الأطراف، وانتزاع أثداء النساء، وخلع الأظفار، والحبس للبعض نائمين وآخرين مقرفصين، وكلاليب التعليق وقطع الألسنة.
يتخرج بعد ذلك من ابتـُلي بهذا كبقايا إنسان وحطام جسد، أما من أرادوا عقابه بالقتل فإنهم يتفننون في ذلك، فبعضهم يتركونه ليعانق صورة امرأة في تابوت يطلقون عليها (العروس)، ثم يغلقون عليه باباً يبرز منه خناجر تمزقه إرباً في الداخل، وبعضهم يعاقبونه بالحرق حتى الموت، وحدث ذلك للعلماء.
ولئن كان هذا فعلوه مع أبناء ديانتهم، فكيف كان فعلهم مع المسلمين في الأندلس مثلاً!!
وقد صاحب هذا فسادٌ في أحوالهم الدينية، فصكوا صكوك الغفران، وباعوها وكثَّروا الذهب والفضة، واستباحوا أعراض النساء.
وكل هذه الممارسات كان يُضفىَ عليها قداسة يستمدونها -بزعمهم- من كونهم خلفاء الله في أرضه، وأنه حلَّت فيهم بركته، وأنهم الواسطة بين الخلق والخالق، فلا تقبل عبادة العباد إلا من خلالهم.
ورويداً رويداً بدا التململ، ثم التذمر الذي انتهى بالثورة، والتي من أبرزها الثورة الفرنسية التي آلت على نفسها محاربة الملكية وتسلط القساوسة معاً بتطرف يلخصه شعارُها (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس)!!
وحصر ذلك التغلب الكنسي؛ وقاموا بفرض حصار على الدين في شعائر تعبدية فقط لا علاقة لها بالحياة، ولم يكن اليهود من تلك الثورة ببعيد، ومن ثم فقد تحررت -في نظرهم- حياتهم من السيطرة الكنسية لتقع في براثن الأفكار والفلسفات المتلاطمة، والتي لا مرجع لها في الحقيقة إلا للعقل، وهو يتفاوت بالطبع بين شخص وآخر، وبين مفكر وآخر، وبين بيئة فكرية وأخرى. وليس للقوم ضابط شرعي كمثل تراث أمة الإسلام العظيم الذي يمثل المرجعية للفكر الإسلامي، ولكن الحال آل إلى وضعٍ أفضل مما كان على العموم في ظنهم.
وبدت نهضة عملية آزرت طموحاً متنامياً يسعى لاهتبال لذات الحياة؛ إذ الصلة منقطعة بأي دين أو وازع ضمير، مما أدى إلى الطمع في خيرات الشعوب الأخرى ومن ثم لاحتلالها كما مر بنا. ليبدأ مسلسل جديد من الظلم والفساد غير المنضبط أيضاً بأي دين.
فبعد امتصاص خيرات الشعوب بدءوا باختيار خلفاء لهم بثوهم في كل مكان؛ ليراعوا مصالحهم، وليضمنوا التبعية الدائمة لهم، وليعمل هؤلاء على وأد كل منهج وفكر يخالف منهج السادة؛ ولتعمل سفاراتهم كذلك كمراكز تجسس، وانتقاء عملاء، وتوزيع أدوار، وليبقوا هم خلف ستار مزعوم من الحرية وعدم التدخل في شئون الآخرين، وكل ذلك بسبب تلك (العلمانية) التي أقصت الدين المحرف ومعه كل قيم حقيقية من آثار دين الحق.
أما نحن فلو أنصفنا لعلمنا أن مشكلاتنا في بلاد الإسلام تعود -في كثير من الأحيان- إلى تبنِّي الغرب وأذيالهم في بلادنا لتلك العلمانية.
والسؤال الذي يطرحه هؤلاء الآن: إن كان نبذ الدين، وتحجيم دور الكنيسة أدى إلى ذلك التقدم والرقي في البلاد الغربية، فلمَ لا نفعل مثل ما فعلوا؛ ليكون لنا تقدم كتقدمهم ورقي كرقيهم؟
والإجابة: ليس في الإسلام أيُ شَبَهٍ بوضعية الكنسية، ولا علماء الإسلام يشبهون رجال الكنيسة في شيء، وإنما العكس هو الصحيح؛ إذ الإسلام حالَ تطبيقِهِ يرفع شأن الأمة، ويُعلي قدرها؛ ففي الإسلام يحق لمن ترقى في العلم أن يبرز بين العلماء، وأن يُفتِي، وأن يجتهد اجتهاداً، وإن أخطأ فيه لا يلزم الأمة ولا غيره من العلماء، وإنما التفاضل بين الناس بالتقوى، وليس لأحد الادعاء بقدسية آرائه كمثل إدعاء اليهود والنصارى الذين قال -تعالى- فيهم (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ)(التوبة:31).
وتلك كلماتُ الصِّديقِ شاهدةٌ: "إني وُليت عليكم ولستُ بخيركم، فإن رأيتم خيراً فأعينوني، وإن وجدتم شراً فقوموني. أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم"
ومن أمثلة ذلك أيضاً:
رفضُ الإمامِ مالكٍ اقتراحَ الخليفة بحمل الناس على كتابه الموطأ وحرق أو إهمال غيره من الكتب. فقال: "لا تفعل فإن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد تفرقوا في الأمصار، ونقل عنهم غيرهم..."
إلى مثل ذلك تشير مقولة البخاري: "ليس كل صحيح عندي أوْدَعْته هذا الكتاب، ولكن وضعت فيه ما أجمعوا عليه". فلم يدَّعِ احتكارَ الحديث الصحيح بحيث يكون ما أخرجه غيره ليس صحيح".
أما الإمام أحمد فقد ضرب مثلاً رائعاً في العفو عن أهل البدع الذين آذوه وأساءوا إليه في فتنة القول بخلق القرآن، حيث راودوه عن قوله فأبى، وثبت، وانتصر لعقيدة أهل السنة، ومع ذلك لم يكفـِّرْهم، ودعا للخليفة وعفا عمن آذوه.
يقول ابن تيمية -رحمه الله- (مجموع الفتاوى جزء5): ثم إن الإمام أحمد -رحمه الله- دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحسبه، واستغفر لهم، وحلَّلَهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع. وهذه الأقوال منه ومن غيره ومن الأئمة: صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين ومن الجهة الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، إن الله لا يرى في الآخرة..).
فتراث الإسلام -من نصوص شرعية وتاريخ- شاهد يعطينا المثال واضحاً بأن الأمة لم تعاني أبداً من تلك المشكلة التي عانى منها الغرب ألا وهي: الحكمُ بالحقِّ الإلهي.
ويمضى تاريخ الأمة على ذلك النحو إلى يومنا هذا: ليس لأحد الإدعاء بأن قوله هو بذاته الحق، وأن ما يلفظه من قول أو يراه من رأي هو حكم الله.
وهذا بالطبع لا يدخل فيه نقل إجماع الأمة على لسان أحد العلماء، فعندئذ لا يجوز لمسلم الخروج عن هذا القول، ليس اتباعاً لإنسان بعينه، بل اتباعاً للشرع المنزَّل الذي لا تجوز مخالفته، وقد قال -تعالى-: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)(النساء:115).
فلا يجوز لمسلم الخروج على النصوص القطعية، ولا يحل له كذلك مخالفة إجماع الأمة "سَبِيل الْمُؤْمِنِينَ" المذكور في الآية