حــــــــــــوار
الدكتور العربي بوعياد ل""الحروف":
مرجعية العمارة عندنا مرجعية نصية

الدكتور العربي بوعياد أستاذ تاريخ ونظرية العمارة في المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بالرباط، ومن المنظرين القلائل للهندسة المعمارية في بلدنا، معروف بمواقفه الثابتة تجاه الهوية والتراث، شأنه في ذلك شأن والده المرحوم الحاج حسن بوعياد الذي كان من بين المقاومين للإستعمار الفرنسي وأحد الموقعين على وثيقة المطالبة بالإستقلال، زرناه في منزله بالمدينة العتيقة في فاس وكان لنا معه هذا الحوار حول العمارة والفنون والجمال وماضي وحاضر ومستقبل العمارة في المغرب.
* نود لو قدمت لنا تعريفا للعمارة الاسلامية ؟
** ينبغي أولا أن نوضح الفرق بين مفهومي عمارة المسلمين architecture des musulmans والعمارة الإسلامية architecture islamique ، فالعمارة التي نراها في مدننا العتيقة اليوم هي عمارة مسلمين وليست عمارة إسلامية، لو كان المسلمون في مستوى يعكس مبادئهم في واقعهم بشكل كامل لكان لها وضع آخر، أما العمارة الإسلامية فهي التي تنبثق من المبادئ والتوجيهات الربانية، ولهذا فإن مقاصد الشريعة هي التي كانت وراء إنتاج العمارة في المجتمع الإسلامي.
* كيف ؟
** خذ مثلا فضاء الساحة، لن تجد في مدننا ساحة عامة بدون وظيفة أو جدوى، ستجد ساحات الفنادق والمدارس والمساجد تؤدي وظيفتها المبدئية بشكل واضح. ففي عهد الإستعمار كان فناء القرويين هنا بفاس، يلعب دور ساحة الفوروم Forum الرومانية أو الأغورا اليونانية Agora، وذلك باحتضان النقاشات السياسية والاجتماعات الهامة، وكل فناءات المساجد كانت مثل القرويين بفاس. فالعمارة ما هي إلا انعكاس لواقع مجتمع معين في فترة تاريخية معينة على فضائه. فإذا كانت العمارة في فترة ما لا تحترم التوجيهات العقائدية فلماذا سنسميها عمارة إسلامية؟ إنها مجرد عمارة المسلمين وهم في مستوى من المستويات.
* لا شك أن العمارة في البلاد الاسلامية تأثرت بشكل أو بآخر بعمارة حضارات أخرى وفنونها.
** قبل أن أعطي مثالا، أود أن أشير إلى أن المسلمين مجتهدون، ليس على مستوى التلقي فحسب ولكن على مستوى العطاء والإنتاج أيضا. بعد وفاة الرسول (ص) استمرت الفتوحات الاسلامية في الانتشار، ووجد المسلمون أنفسهم أمام حضارة الساسانيين في فارس، وحضارة البيزنطيين في الغرب (الروم)، وطرحت لأول مرة على الخليفة عمر بن الخطاب (ض) إشكالية بناء مدن جديدة لكون المناخ الرطب للمدن المنتشرة حول الرافدين لا يلائم الفاتحين للإستقرار بالمنطقة، فأمر ببناء البصرة والكوفة، ويروي الطبري عن مدى التكامل والإنسجام بين القرار السياسي والقاعدة الشعبية في البناء، وقد حلل هشام جعيط كيفية مساهمة القبائل في إنجاز وتخطيط الكوفة، ومن توجيهات الفاروق قولته: "ابنوا ما يكفيكم ولا تزيدوا على ثلاثة أبيات، الزموا السنة تلزمكم الدولة" في تنبيه واضح على ضرورة التشبت بالمبادئ، طبعا هذا لا ينفي أنهم استفادوا من تقنيات وفنون الحضارات الإخرى، خصوصا وأنهم رحل ليس من فنونهم البناء والنحت، ولكن احتكاكهم بالمسلمين الجدد من الحضر والذين كانت تلك الفنون من خصائصهم جعلهم يأخذون عنهم تقنيات وفنون البناء، مع احترام التوجيهات الإسلامية. وممن خططوا لبناء الكوفة مهندس اسمه الهياج بن مالك اتبع المبادئ التي أمر بها الرسول (ص) حتى في الأزقة والشوارع، فكان أوسع شارع لا يزيد على 42 ذراعا كما لم يكن أضيق زقاق يقل عن سبعة أذرع، وهنا سأعود إلى نقطة البدء فأقول: إذا وجدنا زقاقا يقل عن سبعة أذرع فهل سنعتبره عمارة إسلامية؟ بينما هو مجرد تهاون من المسلمين لسبب أو لآخر، فمرجعية العمارة عندنا هي مرجعية نصية، بحيث ننطلق من النص القرآني أولا، والحديث النبوي ثانيا، وأقوال الخلفاء الراشدين وأعمالهم ثالثا. ومن القرآن مثلا جاء مبدأ الحرمة في البيوت (أنظر سورة النور)، وهذا الاجتهاد الذي تحدثت عنه قام به المسلمون في جميع المجالات وليس في العمارة وحدها، بغاية تبليغ الرسالة مع احترام الأعراف التي هي لكل شعب إذا لم تتضارب مع مبادئه، ودون أن تنمحي خصوصياته.
* هو تهذيب إذاً !
** أجل، هو تهذيب ما لم يتناقض مع المبادئ، مثلا الجلباب الذي نرتديه لا يشبه في شيء الجلباب الباكستاني الفضفاض من حيث الثوب أو الخياطة، ولكن مبدأ الستر هـو ما تم احترامه في المغرب والباكستان. إننا نجتهد انطلاقا من مبادئنا، ومن عصرنا كذلك، وما يقع لمسلمي اليوم هو أنهم فقدوا معاصرتهم، يستهلكون فقط ما ينتجه عصرهم دون مراعاة خصوصياتهم، إنهم بذلك ينسلخون عن هويتهم.
* وماذا عن الهاجس الجمالي في عملية البناء والتشييد الذي أنتج آثارا معمارية عظيمة؟
** في كتابه "الظاهرة الجمالية" يحلل أحمد صالح الشامي كيف يتحول الجمال إلى انحراف إذا كان هو المقصد الرئيسي، بينما يكون رائعا عندما يأتي بشكل طبيعي منسجما مع واقعه، فالمقاصد بالترتيب هي الضروريات والكماليات والتحسينيات، والجمال يأتي في مستوى التحسينيات. في بعض النوادي في لندن ستجد عقودا وأقواسا من خصوصيات العمارة عندنا حاضرة هناك، ولكنها خاصة بالفاحشة، فأين الجمال وقد تم خرق المبادئ الضرورية؟ وعندنا نحن هذه الأشكال هي انعكاس لمبادئنا، بينما يتصورها الأوربيون انعكاسا لحكايات ألف ليلة وليلة، ومن الأمثلة التي تحضرني الآن "تاج محل" في الهند الذي يعتبر من الإبداعات العظمى في الحضارة الإنسانية، فهومن الناحية الشكلية رائع التوازن، أما من الناحية الوظيفية فهو مجرد مقبرة بناها امبراطور لملكة أحبها وبنى لنفسه قبالتها قبرا بالرخام البني، ولدينا حديث للنبي (ص) :"لاتتخذوا قبري مسجدا"، هذه أمور لا تعطى لها الأهمية إلا عند الانحطاط الفكري، فيعكس البناء حالة التخلف التي عاشها مسلمو الهند بالنسبة للتوجيهات الربانية، ونفس الشيء يمكن أن يقال عن حالة المسلمين في الأندلس بقصر الحمراء في غرناطة، فلقد دخلوا الأندلس ذوي رسالة ومبادئ ما إن تخلوا عنها حتى طردوا منها، لهذا الدين تبعات، إذا لم نكن في مستواها، كان علينا أن نؤدي الثمن..الثمن الباهظ.
* ولكن، ألا يمكن اعتبار انحطاط الحضارات بعد ازدهارها، ومواكبة التقدم الفني للانحطاط السياسي من سنن الحضارات؟ لأن أي حضارة وجدت، لا تضمحل إلا وقد ازدهرت فيها الفنون؟
** لاأختلف معك، وقد تحدث ابن خلدون عن هذه الظاهرة، ولكن الشأن يختلف بالنسبة للحضارة الإسلامية لوجود عوامل جوهرية فوق-إنسانية، وهي التي تضمن لها الصيرورة ومنها هذه الآية"إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، فيمكن لحضارتنا أن تضمحل ولكنها لا تندثر، لأن هذه العوامل الجوهرية تحميها، وتبقى شاهدة عليها.
* عرف التاريخ الاسلامي بناء عدة مدن وفضاءات معمارية، كيف كانت تتم عملية التشييد والبناء حتى أعطتنا الشكل الذي نراه اليوم؟
** بخصوص العمارة عند المسلمين هناك تجربة تزيد على عشرة قرون منذ بناء الكوفة إلى بناء الصويرة في عهد محمد الثالث العلوي، وقد كان للقاعدة الشعبية دور كبير في البناء في تكامل بين المؤسسات وذوي القرار والقاعدة الشعبية، فعندما يتهدم جزء من حي سكني يعاد بناؤه بشكل طبيعي بدون انتظار قرارات الدولة وفي انسجام كامل تعود المياه إلى مجاريها، ودور المهندس المعماري هو التدخل التقني فقط، ثم إن تعاقب الأجيال هو الذي يعطي قيمة لهذه المدن ويصحح أخطاءها، يحضرني مثال "الجزارين" بفاس، لقد كانت هذه المهنة تزاول في حي "الرصيف" بفاس قبل أن يغطى وادي الجواهر (الذي أصبح اسمه واد بوخرارب)، فلاحظ الناس أن اللحم ينتن بفعل الرطوبة لقربه من الوادي وانعدام وسائل التبريد والحفظ آنذاك، فقرروا نقل "الجزارين" إلى موضع آخر، وفي نوع من أنواع التجربة العلمية قاموا بتوزيع قطع اللحم على عدة أماكن بالمدينة، ووقع الإختيار على موضع قرب "العطارين" فنقلوا "الجزارين" إلى هناك. لقد كانوا يحترمون تراثهم ويحبونه، ولكنهم كانوا يسارعون إلى تصحيح أخطاء أسلافهم.
* يصححونها اعتمادا على المبادئ الشرعية؟ هلا أعطيتمونا مثالا على هذا التصحيح.
** في البحوث التي نعدها في الجامعات الأوروبية يطلبون منا القيام ببحوث تحليلية لمدننا العتيقة لكي يؤخذ نموذجها كأساس، ونحاول أن نشرح لهم أن هذه المدن لا تمثل المرجعية الصحيحة التي تكمن في النصوص، لأنهم يأخذون تراثهم المعماري كأساس في مرجعياتهم، ونحاول أن نشرح لهم أن من بنى المدن العتيقة هم بشر مثلنا وأنهم انطلقوا من مرجعيات لا بد أن ننطلق منها نحن أيضا. لقد وجدت مدينة فاس حظا في التصحيح أكثر من جارتها مكناس نظرا لتعاقب أجيال أكثر سارعوا إلى تصحيح أخطاء من سبقوهم، فمهنة اللباطين (غسل الصوف) مهنة غير نظيفة ولا يستحسن أن تكون في وسط المدينة، وربما كان فندق اللباطين في وقت من الأوقات لا يمثل إزعاجا للمدينة لبعده عن الدور، ولكن توسع البناء في فاس جعل القاعدة تراجع فضاءها وتبعد الفندق إلى الأطراف ولا تزال الفنادق حسب المهن تقترب من المدينة من الكتانين إلى الصباغين وحتى أين يصنع السجاد في توزيع فضائي متناسق لا يؤذي صحة السكان وحياتهم، من أبواب المدينة إلى مركزها. هذا التخطيط الذكي والمحكم لم يكن وليد لحظته ولكنه تعاقب أجيال.
*ألا يرجع ذلك إلى مراقبة المؤسسات المختصة؟
** كانت ممارسة الرقابة من اختصاص مؤسسة المحتسب، ولكن الروح الموجودة لدى الجميع هي العمل الجماعي والتصحيح. ففي مرحلة معينة من التاريخ في فن الزليج مثلا، كان اللون الأحمر أغلى
* يقول حسن فتحي:"في منزل أبي كل خطوة لها معني، وفي منزل العم سام كل خطوة ثمنها دولار"، كيف يمكن لنا أن نقوم تجربة الغرب في العمارة وبالتالي مسايرتنا له وتقليدنا إياه؟
** للغرب تجربته الخاصة في العمارة، لقد كانت القاعدة الشعبية هناك دائما تابعة للكنيسة، وعندما ألغيت الكنيسة كجهاز ظل موجها لعشرة قرون. وبالاحتكاك مع المسلمين، أخذوا العلوم التجريبية وعوضوا بها الكنيسة، فحل العقل في عصر النهضة عندهم محل الوحي. ومع الثورة الصناعية والتقدم التكنولوجي بدأت دورة الإستعمار، واعتقدوا أن الحضارة هي ما ينطلق من فكر الإنسان ليعود إلى الإنسان، وليس ما ينطلق من الهوية الثقافية التي تأخذ المرجعية الربانية أساسا، ثم انطلقوا في محاولة لتوحيد العالم وخلق مركزية لأنفسهم، تضغط ثقافيا على غيرهم، ضغط رضخ له المسلمون كمستعمَرين ولكن كما قال مالك بن نبي: لايوجد مستعمرcolonisateur ، حتى يوجد قوم قابلون للإستعمار colonisable، إضافة إلى أنهم (المسلمون) لم تكن لهم رؤية وفهم لماهية دينهم ومبادئهم، وهو ما أسميه:"التخلف الأصيل" فازداد الطين بلة،وطبعا وقعت انتفاضة لأجيال لا بأس بها، ويحضرني اسم "محمد إقبال" برؤيته الخاصة للنهضة، والحركات الوطنية التي حاولت صد الهجمة العسكرية والسياسية منذ القرن التاسع عشر، ولكننا نجد أن قابلية الإستعمار ما زالت فينا. وكرس ذلك تبني بعض الأطروحات التي خلفها المستعمرون، والقضية بالنسبة إلينا أشد تعقيدا من الغرب، لأن هناك رؤية نابعة من الداخل، ورؤية من الخارج. لقد حولنا من نوايانا فانعكس ذلك في فضاءاتنا المعمارية. وعندما دخل المستعمر، وجد مدنا جامدة وكأنها في العصر الوسيط، بينما كان هو في أوج تقدمه، وقد كانت ماديته هي جوهر قوته، فبنى بالقرب من مدننا العتيقة مدنا جديدة بهرت السكان المحليين، وتحدثت عدة نصوص تاريخية عن هذا الإنبهار، ولكن الفرنسيين بنوها عندنا قبل أن يبنوها عندهم وهو ما لم يكن قرارا اعتباطيا، فقانون التعمير 16 يونيو 1914، هو نفسه الذي سيصدر في فرنسا سنة 1919، مع نزع الإطار طبعا حيث استثنيت القاعدة الشعبية من المشاركة في المغرب لأنهم مجرد أهالي indigènes بسياسة كل من المارشال ليوطيLyautey والمهندس بروست Prost بعد خمس سنوات فقط، وبناء عشرة مدن جديدة في المغرب، لقد استفاد الفرنسيون من الفضاء المغربي قبل تطبيق ذلك عندهم وكان فضاء المغرب مجرد مكان جاهز للتجربة.
وفي الغرب بدأت الحركة العصرانية moderne تأخذ مكانتها في مابين الحربين العالميتين، وما بعدهما نحو إحكام المواد الصناعية في البناء على حساب هوية مدنهم، وكما قال ابن خلدون: "اقتداء المغلوب بالغالب" قمنا بتقليد الغرب في البناء وغير البناء، بالإضافة إلى فقداننا لهويتنا وهو ما أسميه "المشكل الأصيل"
* وماذا عن تطور القانون حول التعمير في المغرب؟
** قبيل الإستقلال، وفي سنة 1952 قام الفرنسيون بإصدار قانون ثان حول التعمير، دقق أكثر معطيات قانون 1914، واعتبروا المدينتين القديمة والجديدة مدينة واحدة تخضعان لتوجيه واحد وهو التوجيه العصراني، وثوابته أن البناءات بدون هوية أصيلة باعتبارات مادية محضة وجامدة ليس لها علاقة بالمبادئ الأصيلة، وبعد الإستقلال صدر قانون 1992 الذي لم يغير شيئا، ومازالت قابلية الإستعمار قائمة بالنسبة للعمارة. وتدارسنا مع الحكومة الجديدة عدة نقاط لإصدار مشروع قانون يكون على الأقل في المستوى المطلوب هذه المرة، ومازال قيد الدرس.
وفيما كان القانون حول التعمير في المغرب يصدر كل أربعين سنة قام الفرنسيون بتغيير القوانين في فرنسا في إطارهم اليعقوبي Jacobin مرة كل عشر سنوات، ويمكن تفسير ذلك من خلال انعدام الأطر في التعمير لدينا بعد الإستقلال، ولكن في ميدان التعليم المغربي مثلا حرم الكثير من الأطر من تطبيق برامجهم القاضية بإصلاح التعليم انطلاقا من الهوية الثقافية بدعوى كونهم رجعيين. أما في التعمير فوقع تغيير جذري حيث كان التخطيط بيد القاعدة الشعبية فصار بين أيدي مؤسسات وأطر حديثة ووقع التعثر.
* ألا يرجع ذلك إلى ظهور مهنة المهندس المعماري وهي مهنة حديثة لم تكن من قبل؟
** لقد كان المهندس المعماري دائما عضوا في القاعدة الشعبية وهو "المعلم البناي"، وإذا اطلعت على كتاب ابن الرامي اللخمي التونسي"الإعلان بأحكام البنيان" ستجد أن دور "المعلم البناي" هو التدخل التقني لفض النزاعات وإعطاء المشورة للقاضي، فإذا أراد أحدهم توسعة بيته على حساب جزء من منزل جاره بموافقة هذا الأخير بالمقابل أو بالمجان ووقع التراضي فلا داعي لحكم القاضي أو أية مؤسسة أخرى وإذا لم يقع الإتفاق يتم الاحتكام إلى القاضي، و يتشاورهذا الأخير مع "المعلم البناي" (المهندس المعماري) فيعطيه تقويما للعملية، و حلا يرضي الجميع.
* أنتم تدرسون بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بالرباط، كيف تقيمون عمل هذه المدرسة من خلال ما أنجبته من مهندسين، وما هي رؤيتكم لمستقبلها؟
** هناك عدة مدارس للعمارة في فرنسا يدرس بها مغاربة، والمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية إن لم تكن في مستواها فهي أفضل منها، لدينا طلبة درسوا سنتين أو ثلاثا بالخارج، وهم يستكملون تكوينهم في المدرسة بالرباط وانطباعهم عنها حسن للغاية، لأن تكوين المهندس في وطنه يدفعه إلى القيام بتداريب تهيئه للإطار الذي سيعمل فيه فيما بعد بينما يدخل المعماري الذي درس في الخارج بدون فكرة عن واقعه وعن الإطار الذي سيعمل به مباشرة بعد تكوينه، كما أن الجو العام الطلابي يدفع إلى تلاقح الأفكار. وقد تم إنشاء فرع السلك الثالث للدراسات المعمقة لما بعد التخرج وأسميناه "الهندسة المعمارية والسكن وتخطيط المدن urbanisation du territoire"، بمساعدة أساتذة أجانب من فرنسا وكندا، كما أن ثلثي المدرسين مغاربة، معطين الفرصة لبعض المهندسين لإنجاز بحوث على مستوى الدكتوراه، ونحن في أمس الحاجة إلى أطر عالية للتدريس العام من هذا النوع فمن مجموع 70 أستاذا بالمدرسة، هناك فقط 10 أساتذة ينتمون إلى المصلحة العمومية وثلاثة فقط حاصلون على الدكتوراه، ما ينقصنا هو الخرجات التكوينية الملائمة والمكتبات الكافية لإنجاز بحوث في المستوى، كما يعاني طلبتنا نقصا في ملكة القراءة والمطالعة.
* لا شك أنكم اطلعتم على مشروع الخزانة الوطنية الذي تبنته وزارة الثقافة، ما رأيكم في المشروع ؟
** لقد كنت عضوا مقررا في لجنة التحكيم الخاصة بهذا المشروع، وكان يرأسها محمد الأشعري وزير الثقافة والإتصال، من بين الأعضاء أيضا أساتذة أجانب، (أحدهم وهو بول شينيتوف الذي درسني في فرنسا وكان معروفا بصرامته سواء في التدريس أو التحكيم)، كان هناك أكثر من ستين مشاركا، وأخذت اللجنة أزيد من عشرين مشروعا لتدرسها، ثم اختير ستة مشاركين الأوائل ليكافأوا على مجهوداتهم، وتم تبني المشروع الفائز الأول. ومن بين الصعوبات في هذا المشروع كونه سيبنى في وسط مدينة الرباط على أرضية قرب ملعب الفتح غير بعيد عن حديقة البيل فيدير، والحقيقة أنه من بين المشاريع العشرين نجد أن مشروعا واحدا فقط كان يحاول إضفاء نوع من الهوية على المبنى، وجل المشاريع تأخذ مرجعية غربية معاصرة او تأخذ بعض الأشكال التي تذكر بالموقع الجغرافي للمغرب كالقصور والقصبات في الجنوب، وهناك مشروع حاول التشبت بالهوية ولكن من الصعب جدا إنجازه، أما المشروع الفائز لكل من المنتصر والأندلسي فكان مشروعا معاصرا، وحاول الإجابة عن عدة متطلبات.
* وماهي المعايير التي كانت حاسمة في إعطاء الأولوية للمشروع الفائز؟
** كانت هناك طبعا معايير تقنية، لأن المكتبة لابد أن تشتغل بشكل وظيفي، ومعايير جمالية، وطبعا لا يمكن أن ننتظر من مشروع مثل هذا العودة إلى المبادئ التي تحدثنا عنها، لأن الإطار الشامل لموقع المشروع هو إطار متغرب رغم وجوده في قلب مدينة الرباط، لأنه من الثوابت عند الغرب تشيئ العمارة chosification، ولا بد من أن نحوم حولها ونراها من كل جوانبها وتكون هي المعبر و perspective أما عند المسلمين فهي عمارة اجتماعية قبل كل شيء، عندما تتجول في المدن القديمة - ونحن لا نريد بناء مدن شبيهة بها، ولكن بناء شيء آخر جديد - فإنك على الأقل لن تحس بهذا التشيئ، ستحس بالروابط الإجتماعية، وتلسير مشغولا بما حولك حتى ينفجر أمامك فضاء صحن مثلا فيجلبك إليه ، وهوما يسمى الحدث العمراني événement architectural ، وهذا كله طبعا لا يوفر الإطار لمشروع مثل المكتبة الكبيرة للمملكة المغربية في حين توفر إطار يشبه الأكربول acropole عند الغرب، فالغرب مازال يحكمه هذا الهاجس بوجود مكان يرى من أي موقع في المدينة وهذا الإطار طبعا لا يمكن أن يتلاءم مع ما تحدثنا عنه من مبادئ ، من الناحية الشكلية حاول مشروع أحد خريجي مدرستنا "شقور" أن يعطي تصميما للمدخل الرئيسي شبيها بقبة ضريح محمد الخامس، فكانت المدرسة لا ترى منها إلا هذه القبة، وكان شكله جميلا جدا ولكنه لم يفز ولم يستحسنه أعضاء اللجنة لعدم إجابته عن بعض المتطلبات.
* لكل فضاء معماري فلسفة يمكن أن نستشفها من خلال قراءته؟ ماذا يمكن لنا أن نستشف من المشروع الفائز؟
** ما يمكن أن نستشفه من المشروع الفائز، هو أن هذه المكتبة معاصرة وتحاول أن تكون في مستوى العصر الذي نعيشه، هنا برج وضع في الزاوية اليمنى من البيلفدير، ويمكن أن يكون هـو ما يجمع الحديقة التجريبية بالبيلفدير، هذا البرج له شبه بصومعة حسان المبتورة، وحسب ما أخبرني به المهندس أنه بعد استشارة مع عاهل المملكة تم اقتراح صبغة نوع من الخط العربي لإضفاء مسحة من الجمال على المكتبة الكبيرة، وطبعا فإن الرسالة التاريخية التي ستحملها هذه المكتبة هي أننا نتطلع إلى أن نكون في مستوى الغرب بوسائل الغرب، وأن لدينا نحن أيضا مكتبة كبيرة. لا شك أننا سنحافظ على الكثير من الكتب وستقدم خدمات كبيرة جدا، وسيتبين أن المسلمين ليسوا في مستوى مخاطبة عصرهم انطلاقا من هويتهم، لأن الإطارالعام الذي يتموقع فيه مشروع مثل هذا يفرض عليك أن تتكلم وتخاطب بالخطاب الغربي.
* وبالنسبة للمتحف الوطني؟
** تقريبا يمكن تطبيق نفس الرؤية لعدة مشاريع تنوي وزارة الثقافة القيام بها.
* من خلال تجربتكم في التدريس والعمل، لاشك أنكم ترسمون صورة لمستقبل العمارة والمعماريين في بلدنا.
** أعود مرة أخرى فأتحدث عن الإطار العام الذي يجب أن يتغير، أعرف عدة مهندسين نزهاء ذوي مبادئ وأخلاق طيبة، ولكنهم يعيشون تهميشا يوميا وأزمات مادية، بينما يستولي على جل المشاريع أبناء الأثرياء ومن بيدهم القرار ومن فضل الدخول في شبكة الاتصالات و.. و ..الخ، دون أن يكون لهم جزء من المستوى التكويني للمهندسين النزهاء. لأن مجتمعنا لا ينظر بمقاييس الكفاءة، لأنه يستعمل تخلفه"الأصيل" وتخلفه الفكري. وهذه السنة ستتخرج إن شاء الله الدفعة السادسة عشرة من المهندسين المعماريين، ومن أصل 2400 مهندس معماري بالمغرب، حوالي الثلث من خريجي المدرسة، ومن هؤلاء الثمانملئة حوالي ثمانون طيبون بمعنى الكلمة، فمن كان له منهم مكتبه الخاص يفكر في الإلتحاق بالوظيفة العمومية لأن ضمائرهم لا تسمح لهم بالدخول في لعبة الرشاوي. وبما أنني عضو في الهيئة العامة للمهندسين المعماريين بالمغرب فأنا أعايش هذه المشاكل عن كثب، وللإستفادة من خريجي مدرستنا لا بد أن يتغير المجتمع وأخلاقه ، ويتهيأ الإطار الشامل الذي يمكنه أن يستوعبهم ويستفيد منهم.
حـاوره منتصر لوكيلي