مساجد مصر /العمارة الإسلامية بمصر وتطورها/
5- عصر المماليك سنة 648-923 هجرية = 1250-1517م. عندما ولى الملك الصالح نجم الدين الأيوبى الحكم فى أواخر الدولة الأيوبية أكثر من شراء المماليك الأتراك، وأسكنهم قلعة الروضة التى أنشأها بجزيرة الروضة سنة 638 هجرية ولذلك سموا بالمماليك البحرية، وقربهم إليه، وولاهم المناصب الكبيرة، ووصلوا إلى مرتبة الأمراء فعظم شأنهم وقوى نفوذهم، فما وافت سنة 648 هجرية = 1250م حتى ولى أحدهم - عز الدين أيبك التركمانى - ملك مصر، ومنذ ذلك التاريخ بدأ حكم المماليك لمصر واستمر إلى سنة 923 هجرية = 1517م أى 275 سنة. قضى منها المماليك البحرية 136 سنة من 648 إلى 784 هجرية = 1250-1382م، وأعقبهم المماليك الجراكسة الذين حكموا من سنة 784 إلى سنة 923 هجرية = 1382-1517م أى 139 سنة. فى هذا العصر الذى طال عهداه، تنافس سلاطين المماليك فى إنشاء الجوامع والمدارس، وإقامة الأضرحة والأسبلة وبناء القصور والوكالات وتجلت عظمة العصر المملوكى فيما أبدعوه من روائع المنشأت التى تبدو للناظر شامخة فى غير تبرج، وتزهو بنفسها فى غير خيلاء، فى جمال غير متكلف يستثير إعجاب كل من يراه وينتزع ثناءه انتزاعا. وفى هذا العصر استقر فن العمارة المصرى وأصبح ذا طابع خاص به له مقوماته وتقاليده، يتوارثها المعماريون والفنيون، تظهر واضحة فى تخطيط المساجد وتصميم الوجهات، وفى المداخل الشاهقة بمقرنصاتها الجميلة. وتمشى مع هذا الاستقرار رقى دائم فى صناعة الجص، وتنوع فى زخارفه، يثبت ذلك ما نشاهده فى أبنية النصف الثانى من القرن السابع الهجرى - القرن الثالث عشر الميلادى - إلا أن الرخام انتزع من الجص مركز الصدارة، فصارت المحاريب وأسفال الجدارن الداخلية مكتسية بالرخام المتعدد الألوان متفرد بتصميمات بديعة، يزيد فى بهائها دقة الصناعة وتجانس الألوان، وتبع كل ذلك تطور فى أشغال النجارة وإبداع فى تكوين زخارفها، فسايرت أعمال التطعيم بالسن والآبنوس والزرنشان جنبا لجنب مع الأويمة الدقيقة فى المنابر والأبواب والشبابيك، وخطت أعمال الخراطة خطوات واسعة كما تنوعت تصميمات الأسقف الخشبية، وزاد فى روعتها ما حوته من نقوش جميلة مموهة بالذهب. هذا وتتجلى دقة صناعة التعدين فى الأبواب المصفحة بالنحاس فتظهر فيها براعة الحفر والتفريغ فى النحاس إلى دقة التكفيت فيه. وللعصر المملوكى أن يزهو على غيره من العصور بقبابه ومآذنه فقد أخذت القباب تبنى بالحجر بدلا من الطوب وأصبحت قواعدها تأخذ أشكالا مختلفة، كما ظهر القاشانى مغلفا ببعض رقابها. أما أسطحها الخارجية فقد تدرجت زخرفتها من تضليع إلى خطوط متعرجة ودالات متداخلة، ثم بلغت فى عصر المماليك الجراكسة شأوا عظيما، فازدانت بأشكال هندسية وأخرى زخرفية. وسايرت المنارات القباب فنراها تعلو فى الفضاء فى تيه وإعجاب، تطل على ما حولها فى رشاقة ودلال، يسترعى الانتباه طابعها الخاص - وإن كان بعضها قد خرج عنه - ويبهر الرائى رونقها وزخرفها، فالبعض كسيت خوذته العليا بالقاشانى كما فى خانقاه بيبرس الجاشنكير وجامع الناصر محمد بالقلعة، والبعض الآخر حليت دورته الوسطى بتلابيس من الرخام كما يشاهد فى منارة مسجد برقوق ومنارة مسجد القاضى يحيى، هذا وقد تنوعت زخرفها وكثرت فى أواخر عصر المماليك الجراكسة. وأنشئت فى العصر المملوكى المدارس ذات التخطيط المتعامد، التى تتكون من صحن مكشوف تحيط به أربعة إيوانات متقابلة، وألحق بها أضرحة لمنشئيها، كما ألحق ببعضها الأسبلة والكتاتيب وفى أواخر عصر المماليك الجراكسة، أخذت هذه المدارس تبنى بأحجام صغيرة بالنسبة لمثيلاتها المنشأة فى عصر المماليك البحرية، وصارت أصحنها تغطى بأسقف خشبية بولغ فى نقشها وزخرفتها. وقد أنشئت هذه المدارس فى الأصل لتكون أماكن تدرس فيها المذاهب الإسلامية إلى جانب إقامة الشعائر الدينية فكانت بذلك تجمع بين الغرضين، أما الآن فهى مستعملة كمساجد فقط لا يدرس فيها.