الحلقة الأولى في سلسلة عمالقة العمارة ( جعفر طوقان1)
بسم الله الرحمن الرحيم اخترت ان تكون اول حلقة عن مهندس معماري مشهور مغمور اتمنى تقرأو بتمعن وتعطوني رأيكم حكتب المعلومات عنه في اكتر من مرة لان معلوماتي عنه غزيرة وهذا الجزء 1 اتحدث عن حياته الشخصية اما مصدر المعلومات فهو مراسلته شخصيا على مدى اكثر من 3 اشهر وقد اعطاني معلومات كثيرة اشكره عليها من هذا الموقع جعفر طوقان ولدت بالقدس في 19/1/1938. نشأت في مدينة نابلس، حيث تلقيت دراستي الابتدائية والثانوية في كلية النجاح الوطنية – اليوم أصبحت جامعة النجاح الوطنية. حصلت على درجة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من الجامعة الأميركية في بيروت عام 1960. متزوج من إحسان ديباجه ولي ولدان إبراهيم ورندة. كانت البيئة العائلية التي نشأت فيها ذات تأثيرات خاصة، فوالدي إبراهيم طوقان رحمه الله كان شاعراً فلسطينياً معروفاً، توفي وأنا لم أتجاوز الثلاث سنوات من العمر. غير أن ذكراه وسيرته وأفكاره كانت دائماً تحيط بي، وكان حضوره في حياتي عظيماً. والدتي سامية عبد الهادي أحاطتني وشقيقتي الوحيدة بحب ودفء كبيرين. كانت تحرص بأسلوب تربيتها المباشر وبالممارسة والقدوة الحسنة على بث المثل والأفكار التي كان أبي يؤمن بها ويكتب عنها. أما بيت العائلة القديم في نابلس الذي كنت أعيش فيه، فقد سادته أحوال ومفاهيم رسخت في نفسي قيماً وأفكاراً لا زلت أهتدي بها في كل مسعى ودرب. فالجو الأدبي والفكري الذي ساد في "الدار الكبيرة" كما نسميها جعل التميز بالإنجازات أسمى القيم عندنا. وصار الإبداع متقدماً على الكسب المادي، ولا يكتفي بالنجاح الآني بل، تبقى دائماً إمكانية الإنجاز الأفضل قائمة، ويبقى على الإنسان أن يتعلم ويتقدم مهما بلغ من العمر أو المكانة. أما في التعامل مع الغير، فالمفهوم السائد يقوم على احترام الإنسان أولاً و أخرا والتواصل معه في نطاق من المودة والتعاون والاحترام بغض النظر عن الاعتبارات المادية أو الاجتماعية. التحقت بالجامعة الأميركية في بيروت سنة 1955 وتخرجت منها حاملاً درجة البكالوريوس في الهندسة المعمارية عام 1960. كانت فترة دراستي في الجامعة خلال العصر الذهبي لحركة العمارة الحديثة. التي خرج بها و أرسى قواعدها معماريون مثل لوكوربوزييه بنظرته إلى العمارة ونظرياته فيها، وأساتذة واتباع باو هاوس – والتر غروبيوس، ميز فان در رو ، نويترا ، بروير … وغيرهم. كذلك كان فرانك لويد رايت بالرغم من اختلاف اتجاهه عن الباو هاوس – يطرح عطاءه الغزير المميز المشترك مع تيار العمارة الحديثة في ابتعاده عن المفاهيم الكلاسيكية للعمارة. كانت هذه الفترة أعمق من مجرد طرح وتداول لطراز معماري جديد. كانت فترة تفاعل نشط ومستمر بين الفكر الاجتماعي بشكل عام والمعماريين. تأثرت بذلك وأصبحت أؤمن بضرورة تفاعل المصمم والمصمم له واستقبال الأول لأفكار الثاني وفهمه لتفكيره. هناك إذن عملية تطوع وعملية تطويع: دور المصمم أن يطوع نفسه لأفكار المصمم له ومن ثم عليه تطويع هذه الأفكار إلى التصميم الذي يريد. ولئن كنت حينئذ لا إدراك بالوعي هذا المفهوم غير أني أحسست به … وهذه خاصية تلازمني في مهنتي (أحس بالأشياء أكثر مما أستطيع تفسيرها). كان تركيزي منصباً عل الاهتمام بالنظرية ومتابعة التطورات في تطبيقها في شتى بقاع الأرض. على صعيد آخر، كان لأستاذي في الجامعة المهندس ريمون غصن رحمه الله أثر كبير ومباشر على تكويني كمعماري. كان غصن قد تلقى تعليمه في معهد ماستشوستس للتكنولوجيا M I T الشهير. وعمل مع والتر غربيوس الذي كان أيضاً عميداً لكلية التصميم في هارفرد. فتشبع بأفكار الباو هاوس وصار من اتباعها المخلصين. وتفانى في إخلاصه لأهم ما يميز هذه المدرسة المعمارية في التطبيق – دقة التفاصيل وإتقان تنفيذها، كذلك التجريدية في التعبير. لقد انتقلت مفاهيمه هذه إلي أو بالأحرى إلى أسس مفاهيم العمارة لدى وساعد على ذلك إعجابي بشخصيته إذ كان دمث الخلق، شديد التواضع، على الرغم مما يتمتع به من مكانة اجتماعية وأكاديمية. فكنت أجد فيه استمرارية لما نشأت عليه في نابلس، ولا زلت حتى اليوم أجد فيه القدوة الحسنة والمثال الذي يحتذي به. في تلك الفترة كانت بيروت تعمق مكانتها كمركز حضاري متفجر بالحيوية والطاقة في منطقة الشرق الأوسط وكانت تلك الفترة أيضاً بداية عصر النفط في الجزيرة العربية وأصبحت بيروت تستقطب العرب الباحثين عن مصادر المعرفة الفنية والعلمية والإدارية من جهة وكذلك تستقطب المؤسسات والأفراد الوافدين من الغرب للاستفادة من الفرص التي أتاحتها ثروات البلاد النفطية التي كانت متعطشة لشتى أنواع المشاريع الإنشائية وشبكات البنية التحتية والصناعة والعلوم والإدارة والخدمات وغيرها. وأصبحت بيروت تمثل الأفضل في منطقة الشرق الأوسط ومن ضمن ذلك العمارة. وبالفعل تقدمت العمارة في لبنان في تلك الفترة عن كل بلد سواها في منطقة الشرق الأوسط. واحتكت فيها الحضارة الغربية بالحضارة الشرقية ونشأ من هذا الاحتكاك نتاج فريد من العمارة، التي وان لم تكن في غالبيتها ذات مستوى رفيع إلا أنها أفسحت مجالاً غير متناه للإبداع المعماري، كان من نتائجه أن ظهر في لبنان عدد كبير نسبياً من المهندسين المعماريين اللامعين مع ما يتبعهم في هذا المجال من الاختصاصيين والفنيين والحرفيين الذين توسعت شبكة صلاتهم فغطت المنطقة بكاملها. وظهرت في لبنان أروع النماذج المعمارية في الشرق الأوسط، وقد ساعد جو الحرية الفكرية والسياسية الذي ساد في لبنان في تلك الفترة على ازدهار الحركة الفنية والأدبية من مسرح وموسيقى ونحت وغيرها وكان باب الحوار الفكري مفتوحاً على مصراعيه فأصبحت كعبة يؤمها المفكرون والفنانون والمعماريون عرباً وغير عرب مما فتح لطالب المعمارية والمعماري الناشئ مجالاً كبيراً لتوسيع الأفق، وتنمية الخيال والمعرفة التقنية. عند تخرجي وعودتي إلى عمان عام 1960 لم يكن الجو السياسي والاقتصادي العام يتسع لما يجيش في نفسي من طموحات مهنية وفنية وبعد أقل من عام لاحت لي فرصة للعمل في بيروت مع دار الهندسة إحدى دور الاستشارات الهندسية القليلة في المنطقة في حينها. فلم أضيع الفرصة والتحقت بدار الهندسة التي كانت لا تزال في تلك الفترة ذات حجم معقول بالنسبة لعدد العاملين فيها فكانت إمكانية التواصل والاحتكاك والنقاش والعمل مع كبار مهندسيها لا تزال متوفرة. وكانت الخبرة التي استطعت الحصول عليها خلال فترة عملي مع الدار لا تقدر بثمن، حيث أنني تعرضت لكافة الخطوات التي يمر فيها المشروع المعماري من مرحلة التفاوض المبدئي مع صاحب العمل إلى إنجاز المشروع مروراً بكافة الخطوات الفنية والإدارية التعاقدية والإشراف الفني على الموقع, ولم أقتصد في ممارسة الحياة الفنية والفكرية المنطلقة في بيروت خلال كل هذه الفترة، وأتيحت لي في هذه الفترة أيضاً فرصة مقابلة بعض المعماريين العالميين البارزين في تلك الفترة مثل اوسكار نماير (برازيليا) يورن اوتزن (ايرا سدني)، فيلكس كاندلا (الهياكل الخرسانية القشرية S hells) ومن خلال قربي من الجامعة وغزارة المواد الإعلامية المتوفرة في بيروت من كتب ومجلات ومعارض ومحاضرات، أتيحت لي فرصة التعرف على الاتجاهات المعمارية المختلفة، البريطانية والفرنسية، والإيطالية والألمانية والسويسرية والأوربية الأخرى، كذلك أمريكا الجنوبية واليابان بالإضافة إلى التعرف الكثيف إلى العمارة الأمريكية. ومن أبرز المعماريين الذين عملت معهم في دار الهندسة وكان له أثر كبير على تكوين تفكيري المعماري في تلك الفترة كان غسان كلنك الذي كان ببساطته وعمقه ذو نظرة ثاقبة وحس مرهف وإدراك صادق بطبيعته الإنسان ولا سيما العربي. وتركز عملي في تلك الفترة على مشاريع (الدار) في منطقة الخليج العربي ولا سيما الكويت والسعودية. ثم سنحت لي عام 1968 فرصة الحصول على مشاريع خاصة بي في أبو ظبي والكويت فاستقلت من وظيفتي وباشرت عملي الحر من خلال مكتبي الصغير في بيروت. كان عملي خلال هذه الفترة من الناحية الفنية استمراراً للسابق إلا إنني كنت بطبيعة الحال مضطراً لمتابعة الأمور المالية والإدارية بدرجة اعمق بكثير مما كنت قد مارست سابقاً. وانطلاقاً من رغبتي المستمرة في الاستزادة من الخبرة والارتقاء بمستوى إدراكي الفني والتقني كنت أبحث باستمرار عن التعاون مع من سبقوني في المهنة واثبتوا على الأرض قدره وإبداعا معماريين. وقد لاحظت في بيروت عدة مبان كانت تتميز عن غيرها بصورة واضحة نسبها تخطيطها إتقان تفاصيلها هدوئها وعدم الافتعال فيها، ولدى التقصي عرفت ان المعماري جورج ريس هو مصمم هذه المباني وسعيت للتعرف به وتوثقت علاقتنا، وعرفت فيه شخصاً متميزاً إنسانيا ومعمارياً واسع الاطلاع بالفنون والموسيقى متفان في مهنته يعشق التفاصيل الدقيقة الجيدة ذو حس وذوق معماري رفيع وأسسنا معاً ريس وطوقان-مهندسون معماريون مركزها بيروت. بالرغم من فارق السن، حيث كان يكبرني بما لا يقل عن عشرين عاماً، إلا انه كان بيننا تفاهم وتقارب كبيرين وعلى الرغم من بعده الكبير عن الأمور الإدارية والمالية إلا انه كان فنياً متميزاً وقد تعلمت منه الكثير الكثير، و لا سيما تقنية البناء والإحساس بخصائص المواد. لم تدم شراكتي مع جورج ريس أكثر من أربع سنوات اضطررنا بعدها بسبب الحرب اللبنانية واختلاف النظرة إلى المستقبل بسبب فارق السن إلى فك الشراكة وانتقلت إلى عمان لأسس فيها (جعفر طوقان وشركاه-مهندسون استشاريون). من أبرز معالم الفترة التي عملت فيها في بيروت أنني لم أقم بتنفيذ إلا عدد قليل جداً من المشاريع هنالك لا يتجاوز عددها أربعة وذلك خلال خمسة عشر عاماً، أبرزها مسجد عائشة بكار. فقد تركزت غالبية أعمالي في الجزيرة العربية، الإمارات العربية المتحدة، الكويت، قطر، السعودية، ولم أستطع على الإطلاق اختراق السوق اللبنانية الشائكة. خلال السنوات الأخيرة في لبنان بالتحديد عام 1973 سنحت لي فرصة التعرف على المعماري العالمي الكبير الياباني كنزو تانغي. وزرته في طوكيو وزرت مشاريعه المختلفة هنالك وتم بيننا تفاهم على التعاون في المستقبل على مشاريع كبيرة في المنطقة العربية. بعد ذلك بعامين تقريباً زرت الولايات المتحدة وتجولت فيها وزرت معالمها المعمارية الشهيرة وكذلك سعيت خلال هذه المرحلة للتعرف على أي.إم.بي المهندس الأمريكي المعروف الصيني الأصل وزرته في مكتبه زيارة قصيرة ولكنها كانت هامة جداً بالنسبة لي. كذلك زرت مكتب (ذي اركتكس كلابراتيف) في كمبريدج – ماستشوستس. لقد كانت اعلق أهمية كبرى على كل هذه الزيارات والعلاقات. فهي تغني المخزون المعماري وتعطي بعداً إنسانياً جديداً لهؤلاء العمالقة. كذلك خلال هذه الفترة أتيحت لي فرصة التعرف على المعماري الكبير حسن فتحي خلال إحدى الندوات في تونس. لقد كانت تجربة عظيمة أن أتحدث معه واستمع إليه عن كثب، كذلك كانت لي لقاءات عابرة مع كبار المعماريين العراقيين –الجادرجي ومكيه وقحطان عوني والمدفعي الذين كانوا رواد عمارة حديثة متميزة في العراق. لقد كانت هذه السنوات الستة عشر التي تلت تخرجي من الجامعة، هي سنوات التكوين المعماري بالنسبة لي، أصبحت أشعر بعدها أنني أقف على قاعدة صلبه أستطيع الانطلاق منها قدماً. محصلة تجربتي هذه كانت أنه لا توجد مسلمات في العمارة، فالعمارة في حالة تغير دائمة، والسبب في ذلك يعود إلى التجاوب الانفعالي مع الحالة المعمارية المعينة لترجمتها، إلى كيان مادي في إطار عقلاني ومنطقي ومن خلال ظروف اقتصادية وعملية معينة تتغير مع كل حالة معمارية جديدة، وبالتالي فإنني لا أستطيع أن أبدأ أية فكرة معمارية ألا من صفحة بيضاء وأرفض البداية من أفكار مسبقة ثابتة. كل حالة معمارية لها خصائصها الجديدة، وهذا ما يجعل العملية المعمارية بالنسبة لي عملية متواصلة الإثارة تتجاوز البعد المادي والعناء الجسدي. وفي اعتقادي أن هذه النظرة تقوي ديناميكية عملية الارتقاء المعماري وتجعل منها عملية تراكمية النمو لانهائية الأبعاد. من ناحية ثانية فقد أصبحت أؤمن من خلال هذه التجربة أن العمارة الجيدة لا تنمو في الفراغ، إذ لا بد من تهيئة البيئة المناسبة لها والخلفية الحضارية الملائمة عند شاغليها حتى يتوفر المناخ المؤاتي لخلقها. وعملية التهيئة هذه تتم على مختلف أصعدة الحياة- الثقافية والسياسية والاقتصادية. وتبقى مشاركة المعماري في عملية التهيئة محدودة أو مقيدة، لكونها مسؤولية جماعية وتتطلب جهود مشتركة، وأحياناً يكون هناك اعتبارات خارجة عن إرادة المعماري. أما مساهمته الأساسية في تهيئة البيئة المناسبة للعمارة الجيدة وتنمية الخلفية الحضارية في المجتمع، فتأتي من إغناء التجربة الحسية المباشرة من خلال طرح نماذج معمارية جيدة، تنفذ لتصبح شواهد قائمة تعمل على توعية المواطن لفارق النوعية واختلاف النتيجة. ان هذا المجال الهام مفتوح للمعماري لاستغلاله. فإذا أساء بدوره الاستغلال أضر ليس بنفسه فحسب بل وبمهنته ومجتمعه. من هنا تأتي خطورة إغراق السوق والأجهزة الحكومية بإعداد كبيرة من المهندسين (المعماريين خصوصاً) من ذوي الخبرة القليلة وأحيانا غير المؤهلين للتطور في مجال العمل والتطبيق وهذا الأمر نراه يتزايد باستمرار في المجتمع العربي عموماً. في هذا السياق يمكنني أن اعرج على بروز ظاهرة التركيز على العمارة الإسلامية والعربية في عالمنا العربي. فباعتقادي إن العمارة الإسلامية ليست بالضرورة عمارة عربية، والعمارة العربية ليست بالضرورة عمارة إسلامية، والتخصيص أو التصنيف في نظري هو تاريخي، ان المنجزات المعمارية العربية والإسلامية هي بنظري منجزات إنسانية تماماً كما هو الحال بالنسبة للمنجزات المعمارية اليونانية والرومانية والقوطية وعمارة عصر النهضة في أوروبا وحتى منجزات العمارة الحديثة في الشرق والغرب ما هي إلا منجزات إنسانية. والعمارة العربية والإسلامية وغيرها هي تصبح كلها في النهاية تراث يستطيع المعماري أي معماري في العالم، الرجوع إليه والاستفادة من مخزوناته في عملية ترجمة التجاوب الانفعالي المعماري إلى إطاره المادي. لقد عانى العالم العربي من طفرة بحبوحة مالية عابرة نتيجة ظروف استهلاكية غير مستقرة في الطلب على النفط عالمياً. وأقول أن العالم العربي قد عانى من طفرة البحبوحة المالية لأني أعيش الواقع الذي نمر فيه وأرى انه على الرغم من غزارة الطلب العربي لشتى السلع والخدمات إلا انه لم يكن هناك أي ضبط للنوعية او المستوى. وتحولت بفعل ذلك مجتمعاتنا إلى مجتمعات استهلاكية صرفه، عاجزه عن تحقيق ما يوازي الانجازات التراثية اذ طفقت تتداول تراثا لم تصنعه مدعية ملكيته. واستدل على صحة ذلك من عدم القدرة على تعريف الخصائص المميزة للعمارة الإسلامية والعربية من خلال إطار شامل ومستمر. فكل الخصائص التي يوردها أنصار هذا الاتجاه تندرج في الإطار الإقليمي والجغرافي والتاريخي للعمارة ونرى هذه الخصائص تتكرر في مناطق وحضارات وحقب تاريخية لا تمت للعرب والمسلمين بصلة. إنني أعتبر التراث المعماري العالمي هو المرجع الكبير الذي أستطيع من خلاله استعارة المنطق الذي يساعدني على ترجمة التجاوب الانفعالي إلى واقع مادي ملموس. فأي تشابه يظهر في أعمالي مع المفردات المعمارية العربية والإسلامية التقليدية هو نتيجة ترجمة منطقية لواقع الحالة المعمارية التي أكون بصددها وأستطيع أن أقول انه ليس مقصوداً لذاته. لا أنكر إنني في بعض الحالات أدخلت المفردات التقليدية اعتباطاً، وفي هذه الحالات جاءت النتائج مفتعلة وسطحية وعمقت إيماني بعبثية هذا الاتجاه. عشت تجربتي المعمارية خلال فترة البحبوحة الاقتصادية في العالم العربي على مسرحين، بيئة الخليج وبيئة الأردن وسأبدأ بالتجربة الخليجية، لقد تزامن بروز ظاهرة التركيز على العمارة العربية والإسلامية مع فترة البحبوحة المالية والتحول الاستهلاكي (في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات). وجذور هذه الظاهرة بشكلها السلبي تمتد إلى الكويت منذ فترة أوائل الستينات إذ كنت معماريا ناشئاً أعمل على عدة مشاريع مع دار الهندسة. في تلك الفترة كان يعمل في دار الهندسة أيضاً المعماري البريطاني أنتوني ايرفنج وحين استقال وبدأ ممارسة عمله من مكتبه الخاص اتجه في الكويت والخليج عامة اتجاهاً نستطيع أن نسميه الطراز الإسلامي الجاهز (Instant Islamic) فكانت تصاميمه عبارة عن مباني حديثة عادية من الداخل يمكن أن تكون في بريطانيا أو أمريكا أو اليابان ولكنها مغطاة بأشكال من الخرسانة الجاهزة مشتقة من الزخارف الإسلامية التقليدية ولعل مبانيه الأولى كانت تتميز بالجدية ولاقت ترحيباً من أصحاب المشاريع ومن المعماريين العاملين في الخليج في تلك الفترة، ولعل هذا الترحيب والطلب المتزايد على هذا النمط حدا بايرفنج والعديد من المعماريين الآخرين في المنطقة إلى الاستغراق في هذا الاتجاه السطحي إلى الدرجة السطحية الخطيرة. والناظر إلى عمارة الكويت في الفترة ما بين أوائل الستينات حتى أوائل السبعينات يرى تشابهاً مملاً في المباني العامة. لقد أدليت بدلوي في هذه الفترة وصممت عدة مباني في الكويت أثناء عملي في الدار على هذا النمط. بعد أن باشرت عملي الحر لم أستطع أن أستمر في اتباع هذه الموضة في العمارة، لقد كنت أؤمن ان هنالك شيئاً اخر يجب أن نبحث عنه. شيء أعمق من الواجهات المزخرفة شيء أعمق من هذه القشرة، لقد حاولت ان أتحرك باتجاهين متضادين الأول مقاومة هذا النمط الشائع الذي أخذ يملاء مدننا بعمارة متخلفة، أقاومه من خلال تصميم أكبر عدد ممكن من المباني التي حاولت أن أعكس بها نظرتي الخاصة في العمارة المناسبة لهذه المنطقة. أما الاتجاه الآخر فكان عدم قبول العقود التي كانت تشترط ما سيؤدي إلى تصاميم تقليدية سطحية. لقد كان من أسوأ خصائص فترة البحبوحة ان رافقها تخلف متسارع في إدراك أهمية عملية التصميم المعماري. ان الوعي المعماري هو جزء من التفاعل الحضاري وله خصائص معنوية ونوعية لا تستطيع الثروة شراءها، وقد ساهم في تغذية هذا التخلف المعماري إغراق أسواق البلاد النفطية بإعداد هائلة من المعمارين المرتزقة – عرباً وغير عرب والذين كانوا أدوات طيعة في يد صاحب العمل، لا يقدمون له المشورة الفنية الصادقة إما لجهلهم بها، و إما لانهم كانوا يخشون خسارة العمل ان هم لم يوافقوا صاحبه في طلب يخالف أصول العمارة. لقد أدى التزايد الهائل في إعداد المعمارين إلى تنافس جنوني نجم عنه انهيار في بدلات أتعاب التصميم والإشراف وترتب عليه انهيار في المستوى الفني للإنتاج المعماري. ومن تجربتي الخاصة فان معدلات أتعاب التصميم قد انخفضت من 5% عام 1973 إلى أقل من 1% عام 1982. ولم تعد معدلات الأتعاب هذه تسمح بممارسة العمل المعماري بالمستوى المهني والفني اللائق. ولم أستطع خلال الفترة ما بين عام 1973 وعام 1982 الحصول إلا على ثلاثة مشاريع للقطاع العام في الخليج حيث كانت المشاريع تطرح للمعمارين عن طريق المناقصات أو بطريقة المسابقات المعمارية غير النظامية التي كانت تثقل كاهل المصمم في تكاليفها (إذ أنها كانت مجانية) ولم استطع ان انحدر إلى مستوى الأتعاب التي كانت تحال بها المشاريع لأنني لا استطع التنازل عن مستوى التقنية المهنية التي مارستها أثناء سنوات التكوين المعماري والتي كانت تتطلب جهداً ووقتاً لم يقدره ولم يدركه إيقاع السوق المعماري المجنون في تلك الفترة. لقد كان لي خلال هذه الفترة فرص محدودة للحصول على مشاريع في الخليج كما أسلفت وكذلك حصلت على ثلاث أو أربع مشاريع في المملكة العربية السعودية، حاولت من خلالها الخروج بنتائج معمارية ترضيني وتعبر عن نظرتي الى العمارة والممارسة الصحيحة مهما كانت تكاليف إنجازها، لقد وضعت الربح المعنوي قبل الربح المادي، بطرح أكبر عدد ممكن من المشاريع الجيدة (بنظري) في السوق رغم تدني الأتعاب. حتى هذه العملية بالرغم مما فيها من تضحية شخصية لم تكن دائماً عملية سهلة القبول من صاحب العمل في جو كان فيه الربح المادي بأقصر الطرق مقابل التنازل عن الحد الأدنى من الأصول المهنية إرضاء لصاحب العمل هو النمط السائد في السوق المعماري. أرجو أن أوضح هنا أن الظروف التي أحاطت بجو العمل السالف الذكر كانت تنطبق بالدرجة الأولى على المعمارين العرب والمكاتب الأجنبية الصغيرة التي كانت تمارس في الخليج. غير أنه وخلال السنوات الأخيرة من فترة البحبوحة كانت هناك شركات عالمية كبرى تحظى بعقود خيالية في السعودية والكويت وغيرها وقامت بتحقيق مشاريع معمارية بالغة الأهمية، كذلك قامت خلال هذه الفترة عدة مكاتب معمارية جادة في كل من السعودية والكويت ودعمتها حكوماتها بطريقة إيجابية وفعالة واستطاعت هذه المكاتب أن تقوم بعدد من المشاريع المعمارية الهامة إما بمفردها وأما بالتآلف مع معماريين عالميين. اما فرص العمل مع القطاع الخاص خلال هذه الفترة فقد كانت متفاوتة ولكن لم تكن غالبيتها بحجم مشاريع القطاع العام إلا في حالات نادرة وكان التميز في نتائج هذه المشاريع النادرة واضحاً. تجربتي المعمارية في الأردن خلال سنين البحبوحة كانت تختلف كثيراً عن نظيرتها في الخليج، فإيقاع العمل رغم غزارته النسبية كان أكثر ملائمة للممارسة المهنية الجيدة. وبالرغم من أسلوب المناقصات الذي كانت تحال به مشاريع القطاع العام على المعماريين بما فيه من محاذير إلا أن العلاقة التعاقدية كانت أكثر تكافؤاً. لقد كان العديد من المشاريع العامة يحال على ائتلافات بين مكاتب أجنبية ومكاتب أردنية. وأدى هذا الإجراء في اعتقادي، إلى فوائد واضحة في بداية تلك المرحلة نظراً للحالة المعمارية البدائية التي كان عليها العمل المعماري في الأردن في أواسط السبعينات، مما أتاح للمكاتب الجادة في الأردن فرصة المشاركة في العمل بأساليبه الفنية والإدارية الحديثة واكتساب الخبرة اللازمة. لقد كان القطاع الخاص في الأردن، من تجربتي الخاصة أيضاً، اكثر تجاوباً مع الممارسة المهنية الصحيحة وكان على استعداد لتقبل بدل الأتعاب العادل والحصول بالمقابل على مستوى أفضل من الخدمة المعمارية المهنية الصحيحة. وبالرغم من أن المواطن الأردني محافظ معمارياً إلى درجة كبيرة، أي أنه غير ميال إلى الأفكار التجديدية والتجريبية، مختلفاً بذلك عن المواطن الخليجي، إلا انه كان اكثر تقبلاً لمحاولات الإقناع والتفاهم والنقاش البناء حول الاتجاهات المعمارية وكان يولي خبرة المعماري الفنية أهمية قصوى عند تبادل الآراء حول التصميم أو التفاصيل أو أسلوب الإدارة. لقد زخرت هذه الفترة بالنسبة لي بالفرص العديدة لتصميم مشاريع في غاية الأهمية في الأردن، أهمها جامعة العلوم والتكنولوجيا-مع المعماري الياباني الشهير كنزو تانغي: فندق فورم في البتراء واستراحة جرش مع ذي اركتكتس كولابراتيف الأميركية، توسعة مستشفى الجامعة الأردنية، الذي قدمت لنا فيه الشركة الأميركية سابقة الذكر الخبرة الخاصة بالمستشفيات. كذلك شاركنا بتصميم مستشفى الملكة علياء مع شركة اتش دي ار الأميركية، ومشروع دراسة ساحل العقبة الجنوبي مع شركة شانكلاند كوكس البريطانية، ومبنى البريد المركزي الذي الغي مع الأسف. كما قمنا خلال هذه الفترة بتصميم العديد من المباني التجارية الخاصة بالمؤسسات والبنوك والأفراد مثل بنك البتراء، وبنك الاستثمار العربي الأردني، ومركز الرياض ومبني شركة أكديما وقرية الأطفال SOS ومواقف سيارات متعددة الطبقات لمؤسسة أعمار العاصمة وبعض المباني لجامعة النجاح في نابلس وغير ذلك من المشاريع الهامة، كان بعضها من خلال مسابقات فزنا بها. كما زخرت هذه الفترة بتصميم وتنفيذ العديد من المساكن الخاصة والعمارات السكنية ومشاريع الإسكان. تتميز العمارة في الأردن عامة باستعمال الحجر، وقد حاولت استنباط معالجات جديدة لهذه العمارة لإبراز جمالها من جهة لتخفيض كلفة استعمالها من جهة أخرى. إن الأردن بلد صغير تنتشر فيه الأفكار والأمثلة القائمة بسرعة، وقد نشأت في هذه الفترة في الأردن حركة معمارية شابة، وجادة، ونشأ في المجتمع المعماري حوار مثير وغني وشاركت زملائي فيه وتبادلنا العطاء، وكذلك فان ممارستي الجزئية بتعليم العمارة في الجامعة الأردنية، وحضور جلسات مناقشة المشاريع النهائية فيها وفي جامعة العلوم والتكنولوجيا ساعدت على إغناء تجربة الممارسة العملية بالنظرية الأكاديمية ولا بد لي أن اقر أن تجربتي في الأردن كانت معطاءة باتجاهين. لقد كنت دائماً أحاول أن أجمع حول نخبة متميزة من المعماريين والمهندسين والإداريين للعمل معي. ونظراً لكون العمارة في الأردن مهنة حديثة العهد نسبياً كان لا بد من توظيف عدد كبير من الخريجين الجدد وتدريبهم من ثم بذل قصارى الجهد للاحتفاظ بهم بالقدر المستطاع حيث أن رأس مال المكتب هو جهازه العامل ذو الخبرة والديمومة. وأعتز بالقول بأنني فخور بكل الزملاء الذين يشاركوني العمل في المكتب فبجهدهم وجديتهم استطعنا أن نقدم عمارة اعتقد أنها جيدة ومتميزة. لقد شهدت السنتين الأخيرتين انحساراً ملموساً في المد الاقتصادي الذي ساد المنطقة من قبل. وانخفض عدد المشاريع المطروحة في الخليج والأردن بشكل ملحوظ. وعلى عكس المتوقع فان ذلك لم يؤثر بشكل كبير على أعمالنا فكما أسلفت لم أحصل على مشاريع كثيرة في منطقة الخليج أثناء فترة الازدهار ولم يتغير الوضع خلال فترة الركود بل لعله صار نسبياً أفضل حيث بدأ صاحب العمل يبحث عن النوعية وبدأت تتغير مفاهيم علاقة النوعية بالثمن، فمثلاً لم يعد مدخول المباني مرتفعاً بغض النظر عن نوعيتها بل أصبح يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستواها الفني والتقني. ولم يكن الوضع في الأردن ليختلف عنه في الخليج من حيث انخفاض المشاريع، غير أن تجربة سنوات البحبوحة مع ما رافقها من خيبات أمل في النوعية وتعثر المشاريع نتيجة سوء التصميم والإدارة جعل أصحاب المشاريع من القطاعين العام والخاص يلتفت إلى النوعية أكثر من ذي قبل. ولقد كان لتجربتنا السابقة خلال فترة البحبوحة ذات المردود المالي المحدود وذات الأداء الفني المتميز مفعول إيجابي خلال فترة الركود. وأمل أن تكون هذه الفترة ذات مردود مهني ومادي أفضل من فترة الازدهار. إن الإيقاع الأبطأ وتحديات المتطلبات المتطورة لأصحاب المشاريع تعطينا فرصة اكبر لإعادة النظر في أسلوب الممارسة السابق ورفع مستوى الأداء من حيث البرمجة والتدريب واستخدام التقنية الحديثة في المهنة. كذلك السيطرة على إدارة تنفيذ المشاريع و لا سيما مالياً، حيث عانت مشاريع القطاعين العام والخاص في الفترة السابقة من تجاوزات غير مقبولة في تكاليف البناء عن الميزانيات المقررة لها سابقاً مما أدى في كثير من الأحوال إلى توقف هذه المشاريع. لقد رافق هذه الفترة أيضاً بطالة واضحة في صفوف المهندسين والمعماريين الذين تقذف بهم الجامعات في الأردن وخارجه إلى السوق الأردني. في كل عام آلاف من المعماريين والمهندسين الجدد ، لا يجدون فرص العمل المناسبة. لقد اتخذت نقابة المهندسين الأردنيين بالتعاون مع الحكومة والمكاتب الخاصة إجراءات جديدة للتخفيف من حدة هذه الأزمة بشكل مؤقت غير أن هذه الإجراءات قد كشفت حقيقة جديدة وهي أن المعماريين الناشئين الجيدين غير عاطلين عن العمل وان جزأ كبيراً من مشكلة البطالة يتطلب ارتقاء نوعياً كبيراً بمستوى التعليم المعماري من جهة، ومستوى التأهيل للممارسة بضبط فترة التدريب العملي بعد التخرج من جهة أخرى. وتعاون الحكومة والجامعات والنقابة والمكاتب الخاصة في هذا المجال ضروري وأساسي، عسى أن نحقق يداً بيد مستقبلاً أفضل للمهنة التي نحب.