نقد العمارة فناً
نحو نظرية تكاملية في نقد العمارة على ضوء نظريات نقد الفنون
د. سعاد عبد علي مهدي
جهينة للنشر والتوزيع
النقد المعماري في عالمنا العربي احد المعضلات الرئيسية والتي تعيق التطور المعماري المراد، وهي كما ذكرها د-مشاري النعيم في مقال سابق بجريدة الرياض بـ ( النقد – التعليم – الممارسة)، وتركيزنا على كل عنصر ومحاولة المساهمة في تطويره ومعرفة السلبيات التي تكتنفه لكي يتم تلافيها مستقبلاً ومحاولة تعزيز الايجابيات والانطلاق منها كمدخل لتقوية هذا العنصر أو ذاك.فالحاجة لخطاب نقدي نابع من تجاربنا المعمارية لازال مطلباً رئيساً، يحتاج منا إلى جهود كثيره حتى تتم تغطية وإدارك النقص في هذا الجانب،

النقد المعماري يظل الأهم بين هذه العناصر لأنه يدخل في بنية كل عنصر من العناصر الأخرى، ويعتبر أداة تقويم وبناء قبل أن تكون اداة تقويض وهدم، ربما يطال الهدم البنى الفاسدة في الفكر ولكن البناء يعزز من التجارب والخطى الإيجابية ويبرز دورها الذي ربما يخفى على الكثيرين، ولكن مع كل الأهمية التي يضطلع بها النقد المعماري في كل المجالات إلا أنه لا يزال يراوح في مكانه بين نقد مرحلي مفصول عن ماسبقه أو مالحقه، لا يتوسع في نقده على المدى البعيد وبالتالي عاجز عن تكوين حدود واضحة وجلية تسهم في تفسير وإزالة الغشاوة التي تحيط بمرحلة زمنية مستمرة، أو نرى الجهد المبذول في هذا الجانب من خلال تراجم محدودة لبعض الكتب الرائجة نقدياً في عمارة الغرب، ربما لاتتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.

في هذا الكتاب تطالعنا المؤلفه ( سعاد عبدعلي مهدي ) بعنوان يلخص لنا المنهج النقدي الذي تفترضه المؤلفه والتي تأمل أنه الانجع والمراد اتباعه في عملية النقد المعماري، وهو الاتكاء على النظرية الفنية ومناهج النقد الفني، تذكر المؤلفه في مقدمة الكتاب أهمية والهدف منه " يتناول هذا البحث – الكتاب موضوع نقد العمارة architecture criticism، وذلك بوصف العمارة فناً وبوصف النقد فناً أيضاً هو الآخر، وذلك بالاستفادة من نظريات النقد المطروحه والمطبقة في فلسفة الفن ونقده عموماً ..."، وهو عبارة عن أطروحة الدكتوارة للمؤلفه، قدمت لكلية الهندسة، جامعة بغداد في 1996م, بعنوان" criticism of architecture in the light of art criticism theories" وذلك لنيل درجة دكتوراة الفلسفة في هندسة العمارة.

الكتاب يتعامل في طرحه مع 3 مفاهيم ( النقد –العمارة – الفن ) واضحة وإشكالية في نفس الوقت، الوضوح من خلال تداولها والتعاريف العامه والغير متفق عليها بين جمهور المنظرين والنقاد سواء في مجال الفن أو العمارة، والإشكالية تظهر في إبراز تعريف حقيقي يحاول جمع الجزئيات المتناثرة وجمعها في تعريف شامل يحاول أن يفسر كل مفهوم التفسير الأمثل، كل مفهوم من هذه المفاهيم آنفة الذكر يحتاج إلى البحث ومعرفة الجذور الأصيله لكل كلمه من هذه الكلمات، لإيجاد المعنى الواضح ولمعرفة الفرص المتاحة والتي تجعل من الربط بينها في نظرية واحدة أمر مقبول ومستساغ علمياً، لذا عمدت المؤلفه إلى تقسيم الكتاب إلى أربعة فصول وخلاصة، تتناول فيها بالتسلسل المعضلات البحثية لتُحل الواحدة تلو الاخرى، بدءاً بالفصل الأول والذي أفردته المؤلفه لحل معضلة التعاريف، " فهو يناقش العلاقات بين هذه المفاهيم من وجة نظر كلية ( Holistic ) وشمولية Cpomprehensive قدر الإمكان، ذلك بدءاً بجذور كل من هذه المفاهيم، وانتهاء بالعلاقات المتبادلة فيما بينها من حيث النظرية والممارسة .............."، معتمداً في ذلك على المنهج الظاهراتي
" ....فأن المنهج الجلي المعتمد هنا للتعامل مع البيانات المحصلة هو المنهج الماورائي- وبالذات المنهج الظاهراتي phenomenological method الذي يعتمد التأمل والتفكير الواسع الخيال، وذلك على أمل اكتشاف تفسير مقنع لوجود مالا يعد ولا يحصى من النظريات من ناحية، وعلى أمل إيجاد نسق خافٍ من شأنه الربط بين مضامين كل هذه النظريات من ناحية أخرى، بعبارة أخرى كان الغرض من التأمل هو محاولة إيجاد مايمكن وراء حالة الشواش الظاهري امجموعة النظريات وتعاريفها لكل من النقد، العمارة، الفن، وغيرها من ناحية أخرى ..."

يبدأ المؤلف الفصل الأول بكلمة النقد ويذكر أنها إشكالية فبعض المنظرين يعترف بأن النقد لا يعرف ولا يمكن تعريفه، والبعض الآخر يضع بعض الحقائق الجزئية التي لا ترينا الصورة الكاملة، وبمراجعة العديد من الأدبيات ومن أهمها كتاب ماهو النقد ؟ الذي جمع مادته وحرره بول هيرنادي ( paul hernadi ) ( 1981م ) الذي يتضمن مقالات تقدم بها أربعة وعشرون ناقداً مرموقاً أظهروا استنتاجات متفاوته للسؤال المطروح عنواناً للكتاب، تخلص المؤلفه بهذا التعريف، " هو أن النقد في جوهره هو الحكم على عمل ما + ......, أي تقييمه+ ........، أو بعبارة أخرى أن النقد في جوهره هو الحكم ، إلا أنه لا يقتصر عليه – هذا الــ " + ......." تترك المجال مفتوحاً أمام هذا النص المجهول الذي يكمل مفهوم النقد، وذلك على افتراض بأن هذا الحكم، التقييم يكون فاعله إنساناً، ويقع على أشياء هي من صنع الأنسان.."، الجميل في هذا التعريف هو الهامش الذي اتاحته المؤلف للمتلقي، لكي يمارس دوره التأويلي المكمل للنص، لأنه هو المعني الأساس بهذا النقد لذا يجب أن تكون مشاركته بنيه أساسيه ودوره أساس....

ومن ثم ينتقل المؤلف إلى العمارة، ويمارس فيها العمل على البحث عن التعاريف.., وتذكر المؤلفه أن العمارة مثلها مثل النقد تصطدم دائماً بمعضلة التعاريف المتضاربه حيناً والمتناقضه أحياناً أخرى، فتذكر أن التعاريف تتراوح مابين الطروحات الشعرية المؤثرة والطروحات الوقائية العارضة، لذا ترى أنه يجب البعد عن التعاريف الشعرية التي لا تغني ولا تسمن من جوع مثل تعريف لوكوبوزييه .."بأن العمارة هي التلاعب الذكي بالكتل تحت الضوء "، ومن ثم تخلص إلى التعريف التالي .."العمارة – هي بناء بنية Structure أو تكوين Compsition من عدد من البنى أو التكوينات المادية واللامادية التي جُمعت معاً ونسقت خصيصاً من أجل الهدف المعني، وذلك على افتراض أن العمارة هي من صنع الأنسان، ومن أجل الأنسان، وأنها ذات قيمة استطيقية بالضرورة. وينطبق هذا على العمارة " Architecture " بمعانيها المختلفة الوارده في أعلاه,

وفي ختام الفصل الأول تعرج المؤلفه إلى مصطلح الفن، الذي ترى أنه أكثر إشكالية من سابقيه، وبعد الدراسات ومسح الأدبيات تذكر أن التعريف الأنسب للفن هو " الفن بوصفه نشاطاً بشرياً لأنتاج أشياء تُصنع من مع أخذ الأثر "الاستطيقي" بعين الاعتبار"
وتخلص في النهاية إلى تعريف " أن الفن هو الناتج العرضي لعلاقة صعبة بين قوتين / قطبين متصارعين يصعب التوفيق بينهما، هما النظرية والممارسة، أو الفكر والمادة، الإرادة والمادة, الشكل والمادة، السكون والنور، التصميم والمادة، الروحاني والمادي، اللامادي والمادي، ....ألخ وبإيجاز فأنه الصراع بين الحقيقة الماورائية اللامادية وبين الواقع الفيزيائي المادي، هذا الصراع الذي يبدو أنه أصل العمل الفني .."

وبعد أن تم الانتهاء من التعاريف في الفصل الأول تنتقل المؤلفه إلى الفصل الذي يليه" الفن والفنون : عائلة الفنون " والذي تم فيه تناول الفنون وما اصطلح على تسميته بعائلة الفنون، وهل يمكن للعمارة والنقد أن يصحبا عنصرين فاعلين في هذه المنظومه، وايضاً يتاول الطرق والمعايير التي استخدمت على مدى التاريخ لتصنيف الفنون، وتبدأ البحث عن ماهية الفنون بشكل عام وعلاقتها بالفن الأعلى الكامل، " ، " يمثل هذا الفصل محاولة لتطوير هذه الفرضية وذلك بالإستفاضة في مفهوم الفنون من حيث علاقتها بالفن الأعلى المتكامل، وصولاً إلى فكرة " عائلة الفنون Art Family "، مفهوم الفن الأعلى Art، الذي يجمع خواص الفنون كلها، أو بعضها على الأقل، وتذكر بعض المحاولات التي تطرح أسم واحد يجمع كل الفنون ومنهم ( رتشارد فاكنر Richard Wagner ) ألا وهو فن ( الأوبرا Opera ) ، وفي المقابل وعلى النقيض هنالك من المنظرين من يطرح أفكار تدعو إلى تقسيم الفنون إلى " رئيسة major " أو" خالصة pure " مستقلة، وأخرى " ثانوية minor " أو " هجينة impure "، ولكن ماهي المعايير التي صنفوا وفقها المنظرين الفنون، تذكر المؤلفه العديد من المعايير الي استخدمت عبر التاريخ لتصنيف الفنون ومنها، الموضوعة الفنية للعمل subject matter، نوع الوسيلة التعبيرية، عدد الوسائل التعبيرية المتسخدمة، صيغة التنفيذ، صيغة الإدراك الحسي، مستوى التنظير.

الفصل الثالث " مكان للعمارة" في هذا الفصل سوف تبحث هوية العمارة بوصفها فناً بهذا المعنى، وذلك ببيان شرعية هذا الانتماء، وطبيعة علاقة/علاقات العمارة مع أفراد عائلة الفن الآخرين، يبدأ الفصل بسؤال لماذاً فناً؟ وتذكر فيه المؤلفه الجدل الدائم حول العمارة هل هي فن أم لا، وترى أن الأمر ببساطه يعود الى التقلب في المستمرة في النظرة إلى الفنون عموماً فكون العمارة فناً أولا، يعتمد ببساطة على إذا ماكانت تتوافق مع النظرة السائدة في حينه إلى الفن، وتذكر أن العمارة ظل ينظر لها كحرفة لمدة طويلة حتى عصر النهضة عندما أحيا ( ألبرتي ) أفكار ( فتروفيوس) وحينما منحها ( جورجيو فاساري) مع الرسم والنحت، لقب "الفن"، وتتطرق إلى رؤية بعض فلاسفة القرن التاسع عشر ( الرومنطيقين ) التعبيرين الألمان، كمثال على أحد العصور الماضية، ومنها تصنيف الفيلسوف ارثر شوبنهاور مايسمى بالفنون الجميلة، بترتيبها بشكل هرمي تبعاً لدرجة تعبيرها عن الإرادة ففي أسفل الترتيب تأتي العمارة التي تعتبر الفن الأقل قابلية للتعبير عن الإرادة بخلاف الموسيقى التي تعتبر الأكثر قابلية للتعبير والتي تمثل الحالة التي تصبو إليها كل الفنون، وتسوق الأمثلة في هذا الفصل العديد من الأمثلة التي تعطي العمارة الأحقية قي ولوج عالم الفن، كعنصر رئيس في عائلة الفنون .

الفصل الرابع يقدم تصوراً لنقد الفن مع تركيز خاص على نقد العمارة، وترى المؤلفة أن " فكرة كون النقد فناً، والجدالات التي أثارتها هذه الفكرة، هي حديثة العهد نسبة إلى الجدال القديم حول كو العمارة – أو أي من الفنون التشكيلية – فناً من ناحية، والتاريخ الطويل لنظرية النقد ذاته وممارسته من الناحية الأخرى. يبدو أن فكرة اعتبار النقد فناً قد طرحها ( فريدريش شليكل ) بقوة في القرن التاسع عشر، وطورها ( أوسكار وايلد) فيما بعد، ثم لاقت انتشاراً واسعاً في أوج نظرية النقد الإنطباعية"، ويتم في هذا الفصل على النقد كفن قائم بذاته ، وأن الناقد الجيد وبفضل نقده هو فنان ايضاً كما يذكر شليكل، ومن ثم تخلص المؤلفة إلى نتيجة في نهاية الكتاب مفادها أن عنوان الكتاب الرئيس " نقد العمارة فناً " وبعد بحث عن الأصول والنظريات التي تناولت هذه المفاهيم، يشير إلى " العمارة فناً" ، ويشير أيضاً إلى "النقد فناً"، والعنوان الثانوي نحو نظرية تكاملية في نقد العمارة في ضوء نظريات نقد الفنون يشير إلى تقديم نظرية تحقق التكامل بين النظريات النقدية للفنون في نظرية واحدة، وتحقق التكامل بين نقد الفنون المختلفة في نقد واحد، وتحقق التكامل بين الفنون المختلفة في فن واحد أعلى كامل " .