الأصول التاريخية للعمارة الطينية، وأهميتها بالمجتمع الواحي



يعتبر الطين أساس العمارة التي امتدت في أصقاع وأزمنة مختلفة، منذ عشرة آلاف سنة ما قبل الميلاد، وفي أول شكل للتنظيم البشري عرفه كوكب الأرض؛ بنيت مدينة أريحا بالطين. وفي القرن السابع قبل الميلاد بني من هذه المادة برج بابل في بلاد الرافدين بارتفاع يصل إلى تسعين مترا. وقد انتشر استعمال الطين في حضارات بلاد الشام وما بين النهرين، ومصر الفرعونية والحضارة الإسلامية والرومانية والهندوسية، وحضارة الهنود الحمر والمكسيك وغيرهم.
ولقد كثرت وتشعبت الفرضيات والتفسيرات حول أصل هذه التقنية، فهناك من المؤرخين من يرى أنه من الساحل الأطلنتي إلى أفغانستان مرورا باليمن والعراق وإيران، توجد أنماط من العمران تنم عن دقة متناهية في العمل. وبالنسبة لـ Henri Terasse يرجع أصلها إلى الرومان. في حين نجدD.Jacque Meunié وآخرين يوحون إلى تأثيرات جاءت إلى المغرب من الفراعنة بمصر القديمة. وأخيرا Jean Mazel الذي يقترح أن هذه التقنية الهندسية مقتبسة من اليمن الجنوبي عبر العرب.
لقد استعملت عمارة الطين على نطاق واسع، والسر في ذلك يكمن في ملاءمتها للظروف الاقتصادية والمناخية؛ ولقد ساعدت هذه العمارة على تجسيد فنون الشعوب المختلفة في أشكال رائعة، تعبر أولا عن البدائية والغريزة الصافية. ولقد تميز العصر الحجري الوسيط بظهور بدايات العمارة، لأن الإنسان ترك الإقامة داخل الكهوف والمغاور، واتجه للسكن حول ضفاف الأنهار والبحيرات في أكواخ شيدت من أعواد القصب بجدران مائلة للداخل ولها سقوف من أغصان الأشجار والطين.ظهر في الجنوب المغربي ما سمي "بتِزْكْزَاوِينْ" Tizagzaouine ، والتي شيدت على ضفاف الوديان، وتتميز بمساكن يتم تشييدها فوق مرتفعات تشرف على الحقول الناتجة عن الوديان المارة بالقرب من هذه المرتفعات. وغالبا ما تكون هذه المساكن عبارة عن قصبات أو " قصور ". وإجمالا يمكن القول إنه إذا كانت الأصول صعبة التحقق، فإن هذه التقنيات ما زالت سارية وقادرة على الحفاظ، والحصول على قيمتها الصحيحة لأنها تشكل الأساس الأول لانطلاق العمارة وتنوع نماذجها وأساليب بنائها وتصميمها.