العولمة والعمارة
إن حقيقة تطور الأمم والمجتمعات تعتمد أساساً على مدى قدرتها على التلاؤم مع التغيرات اللازمة لتطوير نوعية استجابتها للتغيرات الخارجية والداخلية. ولقد مرت المدينة عبر التاريخ بصور وأشكال عديدة، حيث كان لتطور العوامل المختلفة زمانياً ومكانياً التأثير المباشر على المدينة وظيفياً وتشكيلياً . فنحن نرى أن انحطاط معظم الحضارات وموت العديد منها واندثارها يبدأ عندما تعجز هذه المجتمعات عن التكيف مع المستجدات التي واكبت الحركة البشرية. فقد لعب الإنسان مع، تطور عقائده وفكره السياسي والابتكاري لاحتياجاته المختلفة، دوره ببراعة في تشكيل الحياة المدنية. وإذا اتجهت أنظارنا إلى تطور العمارة الإسلامية والتحولات الفكرية لها ومع مرور الزمن، فإننا نرى أن العمارة في بداية القرن الثامن عشر الميلادي احتفظت بهوية مميزة وواضحة حيث أنها كانت ترمز للمكان والزمان والحالة الاقتصادية للمنطقة ولم يكن هناك أزمة هوية أو إحساس ما بأن هناك حاجة إلى أن يتميز العالم العربي عن غيره ولكن حينما بدأ الغرب بالتدخل في العالم العربي في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي بدأت معالم الحضارة الإسلامية تتغير، فنتج عن ذلك عمران غريب الشكل والمبادئ والتخلي عن البيئة العمرانية التقليدية برغبة صانع القرار،وذلك سبب الصدمة الأولى وهي (صدمة الاحتكاك) .

وظهرت مشكلة أنا والآخر وحاجة المستخدم العربي أن يميز نفسه ويستعيد الهوية التي فقدها تحت شعار التحديث، لأنه عندما فرض الغرب المبادئ الغربية على المجتمع العربي أدى إلى انهيار الإطار الثقافي والفكري المتكامل في البيئة العمرانية التقليدية ، وأثبت عدم ملاءمته لحاجة المجتمع العربي. وكردة فعل للصدمة بدأت مرحلة أخرى وهي (صراع الحداثة والتقليد) والتي بدأت بتشكيل الكلاسيكية في العمارة ومحاولة إعادة إحياء التراث وإيجاد عمارة إقليمية أو محلية، ومحاولة لاستعاد جزء من الهوية المفقودة بالجمع بين التقنية والمعاصرة وشكل تقليدي للعمارة وهي في الفترة مابين (1900م- 1970). ومع بداية التقدم ظهرت مرحلة يمكن تسميتها سيطرة الكلاسيكية الجديدة التي تأثرت بعمارة ما بعد الحداثة الغربية إلا أن هذا التأثر كان شكلياً أكثر من كونه فكرياً وهي ردة فعل للمرحلة السابقة حيث تشكل الوعي بأن التميز لا يأتي من العودة المباشرة للتراث بل أن الهوية يجب أن تعكس واقع المجتمع الحالي وهي كانت الفترة مابين (1970 ـ 1990م).

أما في مرحلة مابين (1990 ـ اليوم) وهي فترة الظاهرة الإعصارية والتي تتمثل في النظام الاقتصادي الذي ينبع من المرحلة الرأسمالية الغربية التي تهيمن على اقتصاد العالم بعد تقهقر جميع الأنظمة الأخرى أمامها في الفترة الأخيرة كما تتمثل في ثورة العلوم بمجالاتها مثل الثورة المعلوماتية: وهي الثورة الرقمية (Digital Revolution) وهي دنيا المعلومات التي ربطت العالم من خلال شبكة المعلومات بشتى الخدمات فأصبح بإمكان الفرد أن يتصل بأي فرد آخر بالعالم والحصول على أية معلومات بسهولة بدون قيود زمان ولا مكان. والثورة الاقتصادية: هي ثورة ترتبت على المعلوماتية في عالم الأسواق ورؤوس الأموال. فقد خطت بخطى واسعة نحو ربط الاقتصاد العالمي بشبكة واحدة حيث أصبحت تضم 23 دولة عام 1948 وأسست ( منظمة الجات GATT ) التي تعني الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية التي قررت إلغاء حواجز التبادل التجاري والتعرفة الجمركية بين دول المنظمة.

وهناك الثورة التكنولوجية: وهي التزايد المتسارع والمتطور في عالم التكنولوجيا والتصنيع في جميع المجالات. وكل ما سبق يعتبر من أهم العوامل التي أدت إلى ظاهرة العولمة (Globaliztion). ولتلك الثورة تأثيرات بالغة على الفرد و المجتمع وخاصة على العمارة حيث أنها بعد الانغلاقية التي كانت تتسم بها المدن قديماً بالحصون والأسوار والانعزالية الشديدة ، نجدها في فترة من الفترات قد حطمت أسوارها وانفتح بعضها على بعض. ثم أتت ثورة العولمة لتربطها بخيوط هوائية عبر شبكات المعلومات وتجعل العالم كأنه قرية صغيرة وذلك طبعاً كان له تأثير واضح على العمارة حيث أصبحت جميع المباني الحديثة متشابهة ولا ترمز لهوية معينة أو مميزة.

ولأن العمارة تشكل أحد الروافد الثقافية التي يتم عن طريقها التعبير عن هوية الأمة لذلك فإن قضية « الهوية الثقافية» قضية بالغة الأهمية، لما لها من تأثير مباشر على هويتنا ككل فلو استطعنا تحديد هويتنا الثقافية الحقيقية وتمثلناها جيداً لاستطعنا أن نعرف بالتالي هل لنا هوية في نظامنا المعماري الحالي أم لا؟ الهوية، ببساطة، عبارة عن «مركب من العناصر المرجعية المادية والاجتماعية والذاتية المصطفاة التي تسمح بتعريف خاص للفاعل الاجتماعي (اليكس ميكشيللي). وطالما أنها مركب من عناصر ، فهي ضرورة متغيرة، في الوقت ذاته الذي تتميز فيه بثبات معين.

فالعربي اليوم مثلاً، ليس هو العربي قبل ألف عام ولكنه يبقى عربياً. أعتقد أن تراث المملكة العربية السعودية السابق له هوية واضحة ومميزة عن غيرها،خلافاً لعصرنا الحالي مع وجود التقنيات الحديثة ومواد البناء الجديدة والوفرة المادية ووجود التخصصات المتعددة في الجامعات والمعاهد، والأهم من ذلك هو أننا في عصر العولمة حيث الانفتاح أكبر على الثقافات الأخرى وتوفر وسائل الإعلام، فمن الطبيعي أن يكون هناك تغير ملموس في هوية عمارة المملكة. لأن الهوية متغير اجتماعي مثل أي متغير آخر ومحاولة تثبيتها ذهنياً ضمن عناصر منتقاة يقضي عليها في النهاية. ومن ناحية أخرى فإن الهوية ممارسة وسلوك قبل أن تكون تصوراً ذهنياً. فكما يقول الأنثرلوجي البولندي برونسلاف مالينوفسكي « دعنا ندرك أن التراث في الظروف البدائية ذو قيمة فائقة للمجتمع، ولاشئ مهم كالالتزام ومحافظة أفراده على هذا التراث.

فالاستقرار والحضارة يمكن المحافظة عليهما فقط لا من خلال الالتزام الوثيق بالتراث والمعرفة التي وصلت من أجيال سابقة وأن أي تراخ في هذا يضعف الالتزام لدى المجموعة ويعرض للخطر جدواها الثقافية إلى حد تهديد وجودها ذاته». فهل يعني هذا أنه مع تطور الطراز المعماري في المملكة تغيرت الهوية؟ أو أن الهوية قد فقدت؟ فالعولمة كما يقول بعضهم (هوية بلا هوية). فالغرب يريد فرض نموذجه وثقافته وسلوكياته وقيمه وأنماط استهلاكه وكل ما شابه ذلك على الآخرين، خاصة أنها تستخدم قوى الإمبراطورية الإعلامية، أن العولمة الثقافية تعني السيطرة الثقافية الغربية على سائر الثقافات باستثمار مكتسبات العلوم الثقافية في ميدان الاتصال. والثقافة الأمريكية هي المسيطرة على الثقافة الغربية وإن أكثر ما يلفت الانتباه في ظاهرة العولمة المدى الذي بلغته الثقافة الأمريكية من انتشار وسيطرة على أذواق الناس مثل انتشار الموسيقى والأفلام الأمريكية ونمط الملابس وحتى نمط المعيشة فهذا يؤثر على رغبة الفرد العربي في تصميم منزله وعمارته بشكل عام.

و الذي لا يرمز للخصوصية. لأن ما فعلته التكنولوجيا سلبت المستهلك الفرد حتى استسلم لها، وسلبت لب الأمم فضمت الواحدة بعد الأخرى. وعندما تلحق الثقافة بالعولمة يتبادر إلى الأذهان كلمة جديدة أصبحت تتردد كثيراً في المؤتمرات والندوات العالمية مثل الأمركة، أي تعميم النموذج الأمريكي للحياة، والتسلع أي تعميم قيم السوق على الفعاليات الثقافية وتحويل الثقافة إلى سلعة وتهديد الهوية الثقافية. ولأن الثقافة في ـ النسق الفكري الإسلامي ـ : هي كل ما يسهم في عمران النفس وتهذيبها،لذا فإن الثقافة هي تهذيب النفس الإنسانية بالأفكار والعقائد والقيم والآداب والفنون وهي عمران للنفس والواقع. ولكن إذا تساءلنا عن هوية ثقافتنا العربية الإسلامية: هل لها تأثير ملموس على العمارة الحالية؟ باعتقادي أن ثقافتنا لا تأثير لها على العمارة في الدول العربية لأن العولمة تجبر على لون معين من الحضارة ولا حرية فيها حيث أنها ببساطة هي أكذوبة القوي على الضعيف، وهي استدراج له إلى ساحات معقدة من ساحات التعايش الممكن، في الوقت الذي يعلم فيه أنه لا يدرك من قوانين تلك الساحات أي شئ. ولكن ذلك لا يعني أننا يجب أن نقبل بأن العولمة ظاهرة التوحد الثقافي والاقتصادي وأننا في طريقنا إلى أن يصبح هناك ثقافة عالمية أو كونية شاملة وأن لاشئ قادر على الوقوف في طريقها وأن الثقافات التقليدية لن تصنع شيئاً أمام ثقافة العولمة، لأنه يجب أن يكون هناك إحياء للثقافات وإعادة استخدامها في العمارة بطرق تتماشى مع العصر، ولا يمنع الاستفادة من بعض الثقافات الأخرى ، ذلك يجب أن تكون الجمعيات كما قال (فرانسيس فوكوياما) مؤلف كتاب (نهاية التاريخ) حين قال أن العولمة تقود إلى التجانس الثقافي ويؤكد أن المجتمعات تحافظ على سماتها المنفردة رغم الضغوط الاقتصادية، وأكد: إن الكثيرين يعتقدون أننا لتقدمنا في مجال تكنولوجيا الاتصالات ولقدرتنا على إنشاء ثقافة تلفزيونية سائدة عالمياً، سيقود هذا إلى تجانس ثقافي أعمق