العمارة الإسلامية :
الاحتياجات الوظيفية - الأبعاد الروحانية
لقد استخدم العديد من النقاد المختصين بالعمارة أساليب مختلفة تحليلية وبحثية للخروج بنتائج عن ماهية المعنى في عمارة المسلمين وفنونهم، ولازالت الأبحاث قائمة في هذا المجال لغزارة الإرث الحضري الذي تركته حضارة المسلمين من عمارة وفنون وعلوم مختلفة.
ويمكننا إلقاء نظرة سريعة ملخصة وتحليلية تتحدث عن المعاني المختلفة التي تجسدت بعمارة المسلمين وفنونهم تشرح معنى الفراغ والتشكيل وتوازن ما بين الوظائف والروحانيات التي جاءت لخدمة المجتمع الإسلامي ضمن النطاق الفكري الذي نادى به الإسلام ، حيث تنوعت الأبعاد الجمالية المعمارية - وهي لا تحصى - ضمن المتحف الإسلامي الكبير في مدنه وأقطاره وأنتجت الإبداعات المتكررة بانوراما امتدت على أرجاء الأرض الواسعة ، فمن غرناطة إلى القدس دمشق بغداد أصفهان ومئات المدن الإسلامية غيرها ، برزت أسطورة الماضي والحاضر من بين أنامل المعمار المسلم لتصبح الإسقاط الفعلي لحضارة خالدة .
لقد استطاعت العمارة عند المسلمين أن تجمع كل ما هو تقني وحديث من مختلف الحضارات السابقة من رومانية فارسية وغيرها كإرث حضاري ناضج تم الاستفادة منه للتعبير عن القيم الإسلامية والتي تجمع ما بين الاحتياجات الوظيفية والبعد الروحاني العميق ، مما أدى إلى ظهور أنماط وفراغات معمارية جديدة وحديثة مكنت العالم الإسلامي من التميز على مر العصور اللاحقة بالإضافة إلى النواحي الفنية والتي أخذت بالتميز عن كل ما هو سابق ومعاصر لها بارتباطها ارتباطاً مباشراً بالعمارة وتفردها بالوحدة والتشكيل المستمد من البيئة الإسلامية، وتفاعلها مع المجتمع الإسلامي وثقافته.
لقد عبرت العمارة والفنون في مضمونهما الإسلامي عن تعاليم الإسلام بشكل مباشر، وآخر غير مرئي ( روحاني )، مكن القارئ من استنباط الشعور بالتواصل البصري والفيزيائي سواء أكان ذلك بالفراغات المعمارية أو الزخارف و النقوش والتي كان كل خط يحمل في طياته بعداً روحانياً مميزا يخدم الوظيفة التي وضع لأجلها بشكل فعال ويبعث في عقل الناظر الحاجة إلى التأمل والتدبر طويلاً ، مما سمح وعلى مر الزمان باتحاد العمارة والفن وتطورهما كجزء واحد منصهر أضفى التميز الذي أثر على مختلف الحضارات المعاصرة للعالم الإسلامي وخصوصاً العالم الغربي في فترة العصور الوسطى وما بعد ذلك، حيث تأثرت عمائر الغرب بدخول الزخارف و الخط ومحاولة تقليد الخط العربي زخرفيا و العناصر المعمارية المستقاة من عمارة المسلمين إذ لازال هذا الأثر إلى يومنا هذا ظاهرا في معظم عمائر مدن أوروبا القديمة وفي فنونهم.
وكدين يحث على الإبداع والإنتاج، جاء الإسلام ليدعم منظومة جديدة من الوظائف المعمارية الحديثة المستمدة منه، فظهر المسجد و المسجد الجامع وظهرت الزوايا و التكايا و الأربطة وغيرها الكثير من الوظائف المعمارية التي شكلت في مضمونها نوعاً جدياً من العمارة سواء أكان ذلك من ناحية الشكل أو المضمون الذي ارتقى إلى مستوى التفصيلة المعمارية الدقيقة والتقنية ذات المحتوى الفكري الذي توزع بشكل متساوٍ ثقافياً واجتماعياً وسياسياً، فكان التوازن الرمزي الوظيفي غير ملحوظ بحالته الاعتيادية، بل كان منسجماً كجزء واحد ضمن الهدف المعماري الفني.
ومن الجدير بالذكر أن العمارة عند المسلمين اهتمت كجزء من أولوياتها بالحاجة الاجتماعية للمسلمين فكانت المباني المعمارية نموذجا مباشرا لتلبية الوظيفة الاجتماعية بتداخل مع الثقافة وحسب الإقليم الذي ينشر به الإسلام ولكن بمضمون واحد، مما أدى إلى تلاحم الإنسان المسلم مع بيئته وشعوره بالانتماء الكامل إلى محيطه وبيئته المبنية.ولما استطاع المعماري المسلم السيطرة على الفراغ والحيز، خضعت الأبنية المعمارية إلى عدة مراحل من التطوير والتي كانت من المرونة الكافية لتلقي أي إضافة وظيفية أو شكلية أو رمزية ، ومثال ذلك ما تم إدخاله في المسجد من فراغات و عناصر معمارية تفصيلية والاندماج التام ما بين السابق والحاضر وما بين الداخل والخارج دون التقليل من أهمية الرمزية والسيميائية التي عمقت المفاهيم الروحانية على مر العصور.
ومن جهة أخرى فلقد أبدع المعماري المسلم بالنواحي الإنشائية ، فبالرغم من وصول عدة أنظمة إنشائية مختلفة من حضارات أخرى ، إلا أن الإنشاء عند المسلمين تطور إلى درجة الحداثة، فظهر العديد من الأنظمة الإنشائية المتطورة سواء بالجدران الحاملة أو المآذن و القباب و المقرنصات وغيرها والتي لم تكن منفصلة عن النظام المعماري الفني الكلي بل كانت معاونة ومكلمة له.
أضف إلى ذلك ما كان من الزخرفة و النقوش و ظهور الخط العربي - لغة القرآن الكريم - كعناصر أساسية للعمارة عند المسلمين ، إذ أبدع الفنان المسلم بصقل الفنون الإسلامية ضمن إطار الفراغ والتجسيد بمختلف الوظائف المعمارية ليؤكد الرمزية ويعطي الروحانية حلتها التشكيلية والتي اندمجت بالفراغ المعماري لتعطي المؤشرات والدلالات التي تثير في نفس المؤمن العديد من القضايا الروحانية والدنيوية وتعطيه فسحة من التفكر والتدبر العميق . وبتطور هذا العلم ظهر ما يعرف بالأرابيسك وهو نوع من أنواع الزخرفة التشكيلية العميقة المضمون والتي جسدت الطبيعة بأسلوب ثنائي الأبعاد ضمن بعد روحاني ثالث وامتزجت بمعاني الإدراك الإنساني من خلال تنوع التشكيل بها ، كاستعمال التماثل و الثنائيات و التضاد وغيرها من معاني بنيوية السلوك الإنساني.
وبالرغم من تنوع الأنماط المعمارية عند المسلمين ، إلا أن العمارة لم تغفل عن إعطاء البيئة والمحيط الحضري القدر الكاف من التميز حيث أصبح النسيج الحضري بحد ذاته للمدينة الإسلامية بعداً جديداً اشتق من معاني التكافل والوحدة بتلقائية وسلاسة مما أتاح المزيد من التجسيد الفعلي لمعاني الإسلام حتى على مستوى الحفاظ على البيئة، فتشكلت بيئة المسلم من مجموع معطيات حياته الاجتماعية والثقافية والسياسية مما انعكس على العمران لمدينته ونسيجها الحضري فكانت الحدائق و الأسواق و الأبنية العامة و الخاصة و القصور و التكايا وغيرها من العناصر المكملة للبيئة الحضارية الحديثة والتي استطاعت التميز والديمومة ومحاولة تقليدها من الحضارات الأخرى لما لها من أهمية إنسانية وبيئية واجتماعية.
ولقد تميزت المدينة الإسلامية بعدد من الخصائص التي مكنتها من الاستمرارية والتواصل مع الإنسان محور الحدث الأساسي في هذه المدينة ، حيث الخصوصية والرمزية ومنظومة الفراغ الداخلي والخارجي والعلاقات اليومية التي لا تحصى جراء الهيكلية العضوية البنيوية التي تتمتع بها معظم المدن الإسلامية وغيرها من الخصائص ، التي مكنتها من تشكيل حلقة وصل مع الإنسان وثقافته كل ذلك أدى إلى تميز هذه المدن واستمراريتها عبر الحقب المختلفة ومكنتها من المرونة الكافية لاستقبال الثقافات المختلفة والتواصل معها واحتوائها.
وفي عصرنا الحاضر ، وبعد سلسلة من التراجعات على مختلف الأصعدة الحياتية، فقدت مدن المسلمين الكثير من معانيها الإنسانية وأصبحت المدينة المسلمة مشوهة الملامح عديمة الأبعاد . وذلك بسبب ترك الإرث الحضري الذي تركه السلف ومحاولة تقليده شكلياً بدون دراسة للمضمون العميق الذي نادت به فلسفة الشريعة الإسلامية بالإضافة إلى استيراد الكثير من التصاميم الغريبة عن الإقليم والبيئة دون دراسة لجغرافية المكان ومحليته، فأصبح المكان بلا هوية أو مرجعية وكيفما تم التعامل معه خارج نطاق مرجعيته الأصلية يبقى غير مكتمل.
ولكن وفي الآونة الأخيرة بدأت تظهر بوادر حركة نهضوية - إن جاز التعبير - بإعادة دراسة فكر الإرث المعماري الإسلامي باستنباط القواعد العامة والأساسيات من هذا الفكر مع التداخلات المعاصرة وما فرضته الحداثة وما بعدها على العمارة والفنون، فظهر عدد من الاستراتيجيات التصميمية التي بحثت عن بدايات للتوفيق ما بين الفكر المعماري الإسلامي الموروث و متطلبات وسرعة العصر الحديث. وان كانت هذه الاستراتيجيات لازالت موضع نقاش وجدل إلى أنها تفتح الطريق والاحتمالات للعودة إلى عصر عمارة المسلمين و فنونهم .

تـطــــور .. العمـــــارة الإسلامية ..

من الثابت أن الفن الإسلامي التشكيلي قام على أسس من فنون البلاد التي فتحها المسلمون أو خضعت لهم ذلك أن طبيعة شبة الجزيرة العربية الصحراوي ، وانتقال البدو من مكان إلى آخر سعياً وراء الكلأ والمرعى لم يكن ليساعد على قيام فنون تشكيلية اللهم إلا في أطراف شبة الجزيرة كالمناذرة المتاخمين للدولة الساسانية والغساسنة المجاورين للدولة البيزنطية ، واليمن في الركن الجنوبي لشبة الجزيرة حيث قامت فنون ضارعت فنون معاصريهم من الفرس والرومان
على أن الفاتح العربي لم يقبل كل ما وجدوه من تلك الفنون على ما هو عليه بل استبعد منها ما كرهه الدين أو ما لا يوافق مزاجه الخاص ، ثم جمع ما اختاره منها وصهره في بوتقة بعد أن طبعه بطابعه الخاص ألا وهو الكتابة العربية وهكذا نستطيع أن القول أن الفن الإسلامي أخذ قوامه الروحي من وسط شبة الجزيرة العربية ، أما قوامه المادي فقد تم صوغه في أماكن أخرى كان للفن فيها قوة وحياة
ولعل أبرز فروع الفن الإسلامي التي تأثرت بالجانب الروحي ، هي العمارة ، التي عني المسلمون الأوائل أن تكون مهمتها الأولى خدمة الدين ، ومن ثم فقد تطورت العمائر الدينية تطوراً سريعاً ساير ركب الحضارة الفتية ، فتعددت أشكالها وأساليبها تبعاً لتعدد وتغير وظائفها
وقد بدأت العمارة الإسلامية ببناء المساجد والأربطة فالمدارس والمصليات والخوانق والأسبلة والتكايا وإذا أردنا أن نتتبع تطور العمارة الإسلامية وجدنا المسجد حجر الزاوية فيها .
ولقد كان أول عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم عند هجرته إلى المدينة هو بناء مسجد للمسلمين في مــربد التمر الذي بركت فيه ناقته وكان بنــاؤه بدائياً بسيطاً ، وكانت مساحته 70 في60 ذراعاً وجدرانه من اللبن ، سقف جزء منه بسعف النخيل وترك الجزء الأخر مكشوفاً وجعلت عمد المسجد من جذوع النخل
وقد نهج المسلمون هذا المنهج في بناء مسجد البصرة سنة 14هـ ومسجد الكوفة سنة 17 هـ ، كما اتبع عمرو بن العاص هذه السنة في بناء مسجده في مدينة الفسطاط سنة 21 هـ وكانت مساحته وقت إنشاءه 50 في30 ذراعاً جداره من اللبن وأعمدته من جذوع النخل وتسوده البساطة وكانت مساجد البصرة والكوفة ومصر خالية من المحاريب المجوفة ومن المنابر والمآذن على غرار مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام
وكان المسلمون في العصر الإسلامي الأول يقتصرون على استعمال كلمة المسجد لأماكن العبادة
والمسجد في اللغة هو الموضع الذي يسجد فيه ، فلما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية وزاد عدد المسلمين بزيادة من دخل في الإسلام من أهل البلاد التي فتحها المسلمون تعددت المساجد في البلد الواحد ، كما تعددت الألفاظ التي تطلق على أماكن العبادة فاصبح هناك مسجد وجامع والجامع هو نعت للمسجد لأنه مكان اجتماع الناس ويطلق على المسجد الكبير
ومن ثم فقد اصبح للفظ الجامع مدلول سياسي في عهد الدولة الأموية ، فقد عرف بالجامع ، المسجد الذي يؤم فيه الخليفة أو من ينوب عنه المسلمين في صلاة الجمعة أي أن لفظ الجامع أصبح يطلق على مسجد الدولة الرئيسي الذي كان يعرف باسم المسجد الجامع.