أزمة العمارة فى العالم العربي
غياب البعد الإجتماعي والثقافى والإقتصادى
سبب جوهري فى صنع أزمة العمارة في العالم العربي

الحديث عن أزمة العمارة فى العالم العربي متعدد الجوانب ويحتاج إلى دراسات مطولة ولكن نتناول جانب يسير
من أسباب هذه الأزمة نسلط عليه الضوء ونشخص الداء لعلنا نساهم ولو بقدر يسير في الوصول إلى الدواء0
• إذا أردنا أن نتناول بالبحث أسباب أزمة العمارة فى العالم العربي ... فيجب أن نحدد أولاً ماهية ومفهوم الأزمة
فأزمة العمارة تكمن في ضياع الهوية المعمارية وتخبطها وسط تيارات مختلفة أثرت سلباً علي الملامح الأساسية
للهوية المعمارية العربية 0 والبحث عن أسباب أزمة العمارة فى العالم العربي عملية ليست يسيرة أوسهلة بل
صعبة ومركبة ... فهناك عدة أسباب متشابكة ومتداخلة أدت إلي صنع هذه الأزمة 0
• فإذا اعتبرنا أن أسلوب وطريقة ومنهج التعليم المعماري قد ساهم بنصيب وافر في صنع هذه الأزمة , فسنجد أن
وراء ذلك أيضاً الإتجاه والنظرة الغربية للهيمنة والسيطرة التي امتدت من السيطرة الإقتصـاددية والسياسـية
والعسكرية إلى الهيمنة الفكرية وبالتالى إلي الناحية المعمارية , وقد ساندها في ذلك النظرة الشـرقية والعربية
بتبني كل ماهو غربي على أنه النموزج والقدوة والمثل وتقليده تقليدا؟ً أعمى وتناوله بسطحية دون دراسة واعية
للأسباب والأسس والأهداف التي أدت إلى ظهور هذا الأسلوب " Style " ومدى توافقه مع ظروفنا الإجتماعية
وتقاليدنا وإمكانياتنا الإقتصادية والتكنولوجية المتاحة " أي البعد الإجتماعي والإقتصادي " للتطبيق في مجتمعاتنا
• وهناك أيضاً أسباب أخرى عديدة ساهمت فى صنع الأزمة متها القصور في المواد التنظيمية والقواتين التشريعية
وعدم ملاحقتها لسيل الأفكار الواردة من مجتمعات أخرى تختلف كل الإختلاف عن مجتمعاتنا , وكذلك مساهمة
العناصر غير المتخصصة وتأثيرها سـلبياً على عمارتنا لغياب الوعي المعماري والثقافة المعمارية يقابله على
الجانب الآخـر تهاون واضح من جانب المتخصصين ورضوخهم لرؤى غير واعية لاتحمل فى طياتها قدر من
الثقافة والوعى يمكنها من أن تساهم فى تأكيد الهوية 0
• فالعمارة عبارة عن نتاج لمراحل متتالية ذات حلقات مترابطة متكاملة تسعى لبناء الفكر المعمارى ... بداية من
المرحلة التعليمية تليها عدة مراحل منها مرحلة الممارسة الأولية ومرحلة الممارسـة الإنتاجية الفعلـية . وهنا
تتصارع القيم الإجتماعية والإقتصادية والسياسـية للمجتمع مع القيم التقنية والفنية للمعمـارى ... هذه مراحل
وحلقات متتالية مترابطة إذا انفصلت حلقة عن أخرى انفرط عقد البناء الفكرى المعمارى من أساسه 0 فى هذا
الإطار تتمثل أزمة العمارة فى طبيعة إرتباط المكون الإجتماعى بالمكون الإقتصادى والسياسى وكذلك بالمكون
التعليمى والتنظيمى الذى يحكم الممارسة 0
• لقد كانت العمـارة على مر العصـور ولازالت تعتبر المرآة التى تنعكس على صفحاتها الأوضـاع الإجـتماعية
والإقتصادية والثقافية للمجتمعات فى كل عصر ... وإن كانت فى العصر الحاضر قد فقدت مقوماتها الحضارية
فهى بذلك تعبر عن فقدان المجتمع لجانب من مقوماته الثقافية 0
فالعمارة المعاصرة فى العالم العربى لم تعد جزءاً من الكيان الثقافى للمجتمع ... بل قوالب من الخرسانة والحديد
والحجر والطوب تؤدى وظيفتها المادية دون مراعاة للجوانب الحضارية 0 ويبدو أن الإنسان العربى المعاصر لم
تعد تهمه العمارة كما كان من قبل , ومن هنا كان اهتمام وسائل الإعلام بالفنون الأخرى غير فن العمارة وبقيت
العمارة المعاصرة فى الظل بعيدة عن الصورة 0
• إن ارتباط العمارة بالثقافة ليس ارتباطاً وجدانياً أومعنوياً فقط بل أيضاً إرتباطاً عضوياً , ففيها يعيش الإنسان
بجسده ووجدانه معاً , والتعايش بين الإنسان والعمارة هو تعايش مستمر سواء فى مكان السكن أو العمل أو فى
مكان الترويح النفسى...
• فالعمارة إذن هى حيز يحتوى الإنسان فى حركته الداخلية والخارجية .. هى البيئة التى تؤثر على تكوينه الحسى
والعقلى والجسمانى فى نفس الوقت 0
والعمارة ليست قطـعة تشكيلية يدور حولها الإنسان أو لوحة مصـورة ينظر إليها من زاوية واحدة أو نغـمة
موسيقية تسمعها فى لحظات أو فيلماً تشاهده خلال وقت معين وفى مكان معين , العمارة أكثر من ذلك وأوسع
.. هى البيئة التى ينمو فيها الإنسان بجسده وروحه بقيمه وتقاليده .. هى السكن والسكينة هى الأمن والأمان
.. هى الرحابة والضيافة .. هى منبت الفكر وبيت العلم .. هى حيز العمل والإنتاج .. هى معرض الفنون أيضاً
هى ملتقى الإنسان بربه ... فأين كل هذا مما يقام أو يقال ?
وارتباط العمارة بالثقافة إرتباط علمى يعرفه الخاصة والعامة .. هى ملتقى العلوم الهندسية فى الإنشاء والبناء
فى المواد والتجهيزات , وهى أيضاً ملتقى العلوم الفنية فى التنسيق والتأثيث .. فى التكوين والتشكيل .. هى فعلاً
أم الفنون 0 فكيف تكون عمارة مجتمع ما إذا اهتم هذا المجتمع بالفنون الأخرى ولم يعطى العمارة الإهتمام الكاف
والبعض يقول أن ( العمارة للمعماريين ) وهى بذلك لاتحتاج إلى عون أو معين .. بينما العمارة فى الحقيقة
للمجتمع ككل ولكل المواطنين .. فهى الأجدر والأولى بالإهتمام والرعاية والعناية لأنها مقياس التمدين والتقدم
وحضارة الأمم
• ومن الأسباب القوية التى أدت إلى أزمة العمارة فى العالم العربى هو غياب البعد الثقافى .. فحينما لاتعنى الدولة
بالثقافة بصفة عامة والثقافة المعمارية بصفة خاصة بكل جوانبها الفنية والعلمية فإن هذا يخلق فجوة ويعمق
الفارق الثقافى بين المعمـارى وبقية أفراد المجتمع علاوة على أن ذلك يؤثر فى الثقافة المعمارية للمعمـارى
المتخصص نفسه ويؤثر فى العمل المعمـارى ومدى تقبله من المجتمع الذى يمثل العامل المـؤثر فى الإنتـاج
المعمارى . فالعمارة التى ترقى بقيمها وتسمو الى مـستوى مرتفع هى فى الواقع انعكاس للمجتمع الذى يرقى
بثقافته المعمارية إلى نفس المستوى .. هذا فى الوقت الذى تعانى فيه المجتمعات المتخلفة من الفارق الكبير بين
مستوى الثقافة المعمارية للمجتمع والفكر المعمارى للمعمـاريين , وهذه الفجوة الثقافية من ناحية أخرى تمثل
إنعكاساً لتأثر المعمارى فى المجتمعات المتخلفة بالفكر المعمارى الغربى , الأمر الذى يزيد من أبعاد هذة الفجوة
الثقافية .. فالفارق هنا فى واقع الأمر فجوة بين ثقافة معمارية غربية وثقافة معمارية محلية . والعمارة ككل
الثقافات لاترتبط بالجانب الفكرى والفنى فحسب ولكنها ترتبط أيضاً بالجانب التقنى والعلمى الذى يمثل فى البعد
الإجتماعى والإقتصادى للعمارة . وهنا تصبح الثقافة المعمارية ثقافة مركبة لها جوانبها الفكرية والفنية كما لها
جوانبها الفكرية والفنية كما لها جوانبها الإجتماعية والإقتصادية 0
والثقافة المعمارية بذلك ترتبط بالعديد من النواحى المكونة للعمل المعمـارى , بداية من تشكيل الفراغ الداخلى
والمتطلبات المعيشية فيه ثم اختيار الأثاث والألوان ووسائل الإضاءة وكذلك إستعمال مواد البناء وطرق الإنشاء
بالإضافة إلى العوامل الإقتصادية المؤثرة على العمل المعمارى الذى يرتبط بالإنسان إرتباطاً عضوياً وليس بغيره
من الفنون التشكيلية التى دائماً ما تؤثر على الإنسان من خلال البصر أو الوجدان فقط وفى لحظة معينة ومكان
معين , فالعمـارة بالنسبة للإنسان هى الغـلاف الفنى الذى يعيش فيه سكناً أو عملاً أو ترفيهاً.. هى التشـكيل
الفراغى الداخلى كما هى التشكيل الحجمى الخارجى وهى الفراغ البيئى الذى تكونه المبانى المتجاورة هى المبانى
والشارع والشجر.... هى البيئة التى يعيش فيها الإنسان ويحيا 0
• وكثيرً ما يتطلع المعماريون العرب إلى مناهل الفكر الغربي لإثراء الفكر المعمـارى واعتباره الصيغة الأفضل
للثقافة المعمارية , هذا مع العلم بأن مناهل الفكر المعمارى الغربى مجهة أولاً وقبل كل شىء إلى المعماريين
أنفسهم قبل أن تكون لعامة الشعب الذين يفترض أن لهم مناهل أخرى للثقافة المعمارية من خلال الإعلام من
صحف ومجلات وبرامج تليفـزيونية وإذاعية ... الخ وهذا غير متوفر فى البلاد المتخلفة أو البلاد النامية 0
• وفى خضم هذا الحديث عن أزمة العمارة فى العالم العربى نجد سؤالاً يفرض نفسه بقوة ألا وهو ... من يرسم
وجه المدينة ? هل هو المعمارى أم المخطط أم المقاول أم المالك أو المستعمل . ويمكننا طرح السؤال بصيغة
أخرى وهى ... من المسؤل عن أزمة العمارة فى العالم العربى ?
المعمارى مسؤل بالدرجة الأولى من خلال أفكاره المعمارية التى يترجمها إلى واقع ملموس يفرض نفسه وإذا
نجح المعمارى نجد أن المقاول قد يتسبب فى عدم إظهار أو إخراج العمل المعمارى كما ينبغى .. وإذا نجح كلاً
من المعمارى والمقاول قد يتسبب المالك أو مستعمل المبنى فى تغيير التشكيل الخارجى والداخلى للعمل المعمارى
دون رقيب أو حسيب أو وعى أو ثقافة معمارية 0
وكما قلنا فى البداية نود أن نختم بأن الحديث عن أزمة العمـارة فى العالم العربي متعدد الجوانب ويحتاج إلى
دراسات مطولة ولكننا تناولنا جانب يسير يفسح الطريق للأخوة الزملاء للمشاركة وإبداء الرأىفى هذا الموضوع

مهندس استشاري / محمود الحلواني