دورات هندسية

 

 

المشربية وعمارتنا الإسلامية - د / صلاح البهنسي

النتائج 1 إلى 6 من 6
  1. [1]
    mohamed elamir
    mohamed elamir غير متواجد حالياً

    عضو فعال

    تاريخ التسجيل: Apr 2007
    المشاركات: 140
    Thumbs Up
    Received: 2
    Given: 0

    المشربية وعمارتنا الإسلامية - د / صلاح البهنسي

    السلام عليكم


    إذا كانت النماذج المعمارية القديمة قد حققت منافع جمة، فلماذا تم الاستغناء عنها في الوقت الراهن؟

    نجح فن العمارة الإسلامية في تحقيق التوازن التام بين الجوانب المادية والمشاعر الروحانية، من خلال مجموعة من القواعد والأسس والتراكيب التي توصل إليها كل من المعماري والفنان المسلم، وأمكنه من خلالها حل مشاكل البناء بحلول فعّالة، متوائمة تماماً مع عقيدته الدينية السمحة، وبما يحافظ على القيم والتقاليد الاجتماعية، مع توظيف معطيات بيئته، أو جلب ما لم يكن متوافراً في بيئته وتصنيعه وتعديله حتى يتوافق مع قيمه وبيئته.
    ولقد حقق معالجة فعّالة في مجال تقنين الضوء باستخدام (المشربية) أو (الروشان) أو (الشنشيل) وكذلك نوافذ الزجاج المعشق بالجص.

    ويجدر بنا التعريف بالمشربية ونوافذ الزجاج المعشق كمظهر من مظاهر العمارة الإسلامية جاء متوافقاً مع الظروف المختلفة للمجتمع الإسلامي والمقصود بالمشربية ذلك الجزء البارز عن سمت حوائط جدران المباني التي تطل على الشارع أو على الفناء الأوسط للمنازل الإسلامية بغرض زيادة مساحة سطح الأدوار العليا، ويستند هذا الجزء البارز إلى (كوابيل) و (مدادات) من الحجر أو الخشب تربط الجزء البارز من المبنى، بينما تغطى الجوانب الرأسية الثلاثة لهذا الجزء البارز بحشوات من الخشب الخرط المكوّن من (برامق) مخروطية الشكل، دقيقة الصنع تجمع بطريقة فنية بحيث ينتج عن تجميعها أشكال زخرفية هندسية ونباتية أو كتابات عربية.

    وسميت المشربية بهذا الاسم لوجود صلة وثيقة بين هذا الجزء من المبنى وبين أواني الشراب (القلل الفخارية) التي كانت توضع بها. وقد اتسع مدلول هذا المسمى (المشربية) ليشمل كل الأحجبة الخشبية المنفذة بطريقة الخرط والتي كانت تغطى فتحات النوافذ أو تفصل بين أجزاء المبنى المخصصة للرجال وتلك المخصصة للنساء، سواء كان ذلك في المنازل أو في المساجد.

    وتعرف المشربية في بعض بلدان العالم الإسلامي باسم (روشن أو روشان) وهي تعريب للكلمة الفارسية (روزن) وتعني الكوّة أو النافذة أو الشرفة، وأيا كان المسمى، فإن الشكل لم يختلف إلا في بعض الجزئيات البسيطة التي أضفت على شكل المشربية طابعاً مميزاً وخاصاً بكل بلد من بلدان العالم الإسلامي، متوافقة في ذلك مع أهم خاصية من خصائص الفن الإسلامي وهي (الوحدة والتنوّع).

    وقد وصل فن المشربية درجة كبيرة من الإتقان في مصر خلال العصر المملوكي، ويظهر ذلك بوضوح في القاطوع الخشبي المنقول من مدرسة السلطان حسن إلى متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، وفي مجموعة المشربيات في منزل زينب خاتون وغيرها، إلا أن فن المشربية تظهر أجمل نماذجه في منازل القاهرة ورشيد وفوه التي ترجع إلى العصر العثماني.

    كما كانت المشربيات أو الرواشين عنصراً مميزاً في العمارة الحجازية وبخاصة في ينبع، التي بلغت فيها من الكثرة بحيث يتصل بعضها ببعض، أما بلاد اليمن وبصفة خاصة مدينة صنعاء وما حولها، فقد استعمل بها طراز يمني أصيل عبارة عن مشربيات مصنوعة من الحجر بدلاً من الخشب، ولم تعرف اليمن المشربيات الخشبية إلا في القرن 11هـ/17م وذلك بتأثير من الفن العثماني. هذا في الوقت الذي كان استعمال المشربيات على أضيق نطاق في فلسطين إذ إنه يكاد يقتصر على مدينة القدس دون غيرها من المدن، وفي مدينة المنامة والمحـرق في البحرين، توجد نماذج قليلة من المشربيات، وقد اتخذت المشربية طابعاً مختلفاً في كل من مدينة طرابلس في لبنان وسواكين في السودان، وفي بلاد المغرب، إذ إنها أقل إتقاناً من حيث أسلوب الخرط عمّا هي عليه في مصر وبلاد الحجاز واليمن.



    مزايا المشربية

    يوفر نظام المشربية مزايا عدة للمكان الموجودة فيه، فهي تتيح لأهل المنزل رؤية مَن في الشارع دون أن يراهم أحد، وذلك لاختلاف كميات الضوء داخل المشربية عن خارجها إذ إنه أقل في الداخل بكثير عن الخارج، ويوفر ذلك خصوصية لأهل المنزل، ويأتي هذا متمشياً مع تعاليم الإسلام الحنيف.

    كما أن التكوين الهيكلي والزخرفي للمشربية يتفق تماماً مع الظروف المناخية لمعظم بلدان العالم الإسلامي والذي تسوده في معظم فصول السنة شمس ساطعة، وتعد المشربية من أحسن الحلول لهذه المظاهر الطبيعية، إذ إن الفتحات الضيقة التي تتخلل قطع الخرط تتحكم في كمية الضوء النافذ إلى الغرفة المقامة عليها المشربية، وتعمل بذلك على تلطيف درجة الحرارة من خلال النسيم الذي يمر من بين هذه الفتحات.

    من ناحية أخرى، فإن طريقة الخرط في حد ذاتها تقوم على توظيف القطع الصغيرة من الخشب وذلك بخرطها وتجميعها فيتم الاستفادة بقطع الخشب مهما كان صغرها، وهذا يتناسب مع ظروف بلدان العالم الإسلامي التي تفتقد الأنواع الجيدة من الأخشاب وتستوردها من بلدان أخرى، لذلك فإن طريقة المشربية تمثل جانباً اقتصادياً مهماً، فقد كانت الأجزاء الصغيرة المتبقية من عمل الأسقف والأبواب والنوافذ وغيرها من وحدات البناء التي تعتمد على الخشب تستغل في تصنيع المشربية.

    وإذا كان للمشربية نفع علمي وقيمة جمالية، فلماذا إذن فقدت دورها كعنصر عملي وجمالي في العصر الحاضر؟
    في البداية، نؤكد أن المشربية ليست قاصرة عن تلبية متطلبات العصر، ولكن على العكس من ذلك، فإن استخدام المشربية يعتبر من الضرورة بمكان في هذا العصر خاصة بعد زيادة الكثافة السكانية في المدن ووجود العمائر المتقابلة التي تعتمد في الإضاءة والتهوية على فتحات في الجدران الخارجية وليست على الأفنية الداخلية للمنازل كما كان الحال في السابق، لذلك فإن المشربية تعتبر وكما كانت من قبل حلاً مقبولاً وعملياً لتحقيق الخصوصية.

    كما أن الاعتقاد بارتفاع تكلفة المشربية أمكن التغلب عليها باستخدام خامات بديلة رخيصة الثمن مثل خشب النخيل بعد معالجته بالمواد التي تقاوم الحرارة والرطوبة. ولكن الأمر يتعلق بوجود اتجاهات معمارية وزخرفية بديلة معظمها وافد إلى العالم الإسلامي من الدول الغربية وإقبال الناس عليها وتجاهلهم لمفردات التراث الفني الإسلامي.


    أسلوب النوافذ

    تعد مظهراً عريقاً من مظاهر الحضارة والفن الإسلامي، فمن المعتقد أن عمل المشربيات الخشبية المفرغة قد تأثر تأثراً تاماً بأسلوب النوافذ الحجرية المثقبة، والستائر الجصية المفرغة، ونوافذ الزجاج المعشق بالجص التي انتشرت في الكثير من بلدان العالم الإسلامي.

    ومن الأمثلة المبكّرة للنوافذ الجصية المفرغة نوافذ قصر الحير الغربي ببادية الشام والجامع الأموي بدمشق وجامع عمرو بن العاص بالفسطاط في مصر وجامع أحمد بن طولون.

    وكان الرأي السائد لدى علماء الفنون والآثار من قبل أن أول ظهور للنوافذ الجصية المعشقة بالزجاج كان في العصر الأيوبي وذلك في نوافذ قبة ضريح السلطـان الصالح نجم الدين أيوب الملحق بمدرسته بالنحاسين بالقاهرة والذي أضافته زوجته شجرة الدر بعد وفاته، ولكن الحفائر الأثرية أثبتت أن الزجاج المعشق بالجص استخدم منذ العصر الأموي، واستـمر في قصور الخلفاء العباسيين. كما استخـدمت في أواخر العصر الفاطمي ألواح من الجص معشق بالزجاج الملوّن بدلاً من الألواح الرخامية والحجرية المفرغة، وانتقل هذا الأسلوب الفني إلى عمارة العصر الأيوبي حيث بلغ أوج ازدهاره في العصر المملوكي، وأصبح من السمات المميزة للعمارة المدنية والدينية في العصر العثماني.

    وإذا كانت بعض بلدان العالم الإسلامي قد عرفت أنواعاً أخرى من النوافذ مثل المدورات الرخامية اليمنية (القمريات)، التي كانت تتميز برقتها ولا يزيد سمكها عن سنتيمتر ونصف السنتيمتر بحيث تسمح بنفاذ الضوء من خلالها، والشماسات المغربية وهي عبارة عن نوافذ نصف دائرية توجد أعلى الأبواب والنوافذ وتغطى بالخشب والزجاج الملون وتسمح بدخول ضوء الشمس، فإنه مع دخول العثمانيين إلى العديد من البلاد الإسلامية أصبح أسلوب النوافذ الزجاجية المعشقة بالجص هو الأسلوب السائد.


    منافع عملية

    يحقق استخدام النوافذ الزجاجية المعشقة بالجص منفعة عملية وقيمة جمالية مثلها في ذلك مثل المشربية، فمن الناحية العملية، فإن استخدام هذه النوافذ يخفف الأحمال على الأعمدة الحاملة للعقود وعلى الجدران، كما أنها تمنع تسلسل الحشرات ودخول الأتربة إلى داخل المبنى، كذلك فإنها تقلل من تيارات الهواء شتاء وتخفف من حدة الضوء صيفاً، أما من الناحية الجمالية، فقد برع الفنان المسلم في ترتيب قطع الزجاج متعددة الألوان، بحيث تشكّل زخارف هندسية ونباتية وكتابية بديعة حتى يمكننا القول إن الفنان المسلم نجح في تحويل المواد الرخيصة من الجص وقطع الزجاج الملوّن إلى تحف فنية ثمينة، ومن ناحية أخرى، فإن القمريات والشمسيات تعطي تكوينات من الضوء والظلال والألوان تضفي على داخل المنزل جوّاً هادئاً مريحاً.


    نوافذ الزجاج المعشق بالجص أحد إبداعات الحضارة الإسلامية التي استلهمها فنانو الغرب، مع استبدال الجص بشرائح من الرصاص تثبت بها قطع الزجاج، وذلك لملاءمة الرصاص للجو البارد الذي يسود أوربا، لكن الفنان الأوربي قام بترتيب قطع الزجاج بحيث تكون رسوماً آدمية وحيوانية ومناظر دينية (أيقونات) مختلفة في ذلك عن الطابع الزخرفي الذي تميّزت به الأعمال الفنية الإسلامية، وتشكل نوافذ الزجاج المعشق بالرصاص ملمحاً أساسيا ومميزاً في الكنائس والكاتدرائيات المنفذة حسب الطراز الفني القوطي والرومانسكي.

    هذه لمحة عن جانب من جوانب التراث المعماري والفني الإسلامي القيّم، تتجلى فيه مظاهر الإبداع والتفرّد عن غيره من الفنون. هذا الجانب الذي أدركت بعض الهيئات والجهات والمراكز العلمية والحرفـية مدى أهميته، وأخذت على عاتقها مهمة إحيائه، واستخـدام مفرداته في فن الديكور والزخرفة الحـديثة، مؤكدة على الشخصية الفنية الإسلامية، ومحققة التواصل الثقافي والفني بين الأجيال، مع إضافة بعض سمات الحداثة دون طمس عناصر الأصالة
    اتمنى الاستفادة
    والسلام عليكم

  2. [2]
    never submit
    never submit غير متواجد حالياً
    عضو فعال


    تاريخ التسجيل: Aug 2007
    المشاركات: 113
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0
    السلام عليكم
    شكرا لك ااخي على هده المعلومات القيمه جدا والاكثر من رائعه
    لكن حبذا لو كان الموضوع يحتوي على بعض الصور لكان افضل

    واكرر شكري مره 2

    0 Not allowed!



  3. [3]
    وحش العمارة
    وحش العمارة غير متواجد حالياً
    عضو متميز جداً
    الصورة الرمزية وحش العمارة


    تاريخ التسجيل: Jan 2008
    المشاركات: 1,813
    Thumbs Up
    Received: 5
    Given: 0
    شكررررررررررررررا جزيلا
    مشكورررررررررررررررررررررررررررررررررر

    __________________على هده المعلومات القيمه

    0 Not allowed!



  4. [4]
    وحش العمارة
    وحش العمارة غير متواجد حالياً
    عضو متميز جداً
    الصورة الرمزية وحش العمارة


    تاريخ التسجيل: Jan 2008
    المشاركات: 1,813
    Thumbs Up
    Received: 5
    Given: 0
    شكررررررررررررررا جزيلا
    مشكورررررررررررررررررررررررررررررررررر

    __________________على هده المعلومات القيمه
    __________________شكررررررررررررررا جزيلا
    مشكورررررررررررررررررررررررررررررررررر

    __________________على هده المعلومات القيمه
    __________________

    0 Not allowed!



  5. [5]
    ibtihal_yousi
    ibtihal_yousi غير متواجد حالياً
    عضو فعال


    تاريخ التسجيل: Feb 2005
    المشاركات: 56
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0
    شكرا على الموضوع الرائع

    0 Not allowed!



  6. [6]
    m awad
    m awad غير متواجد حالياً
    جديد


    تاريخ التسجيل: Dec 2010
    المشاركات: 1
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0

    صور ونماذج لشبابك ارابيسك

    الاخ العزيز
    هل يمكن مساعدتى فى ان اجد موقع يعرض صور ونماذج لشبابيك من الخشب المشغول والارابيسك
    اكون شاكر جدا




    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة mohamed elamir مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم



    إذا كانت النماذج المعمارية القديمة قد حققت منافع جمة، فلماذا تم الاستغناء عنها في الوقت الراهن؟

    نجح فن العمارة الإسلامية في تحقيق التوازن التام بين الجوانب المادية والمشاعر الروحانية، من خلال مجموعة من القواعد والأسس والتراكيب التي توصل إليها كل من المعماري والفنان المسلم، وأمكنه من خلالها حل مشاكل البناء بحلول فعّالة، متوائمة تماماً مع عقيدته الدينية السمحة، وبما يحافظ على القيم والتقاليد الاجتماعية، مع توظيف معطيات بيئته، أو جلب ما لم يكن متوافراً في بيئته وتصنيعه وتعديله حتى يتوافق مع قيمه وبيئته.
    ولقد حقق معالجة فعّالة في مجال تقنين الضوء باستخدام (المشربية) أو (الروشان) أو (الشنشيل) وكذلك نوافذ الزجاج المعشق بالجص.

    ويجدر بنا التعريف بالمشربية ونوافذ الزجاج المعشق كمظهر من مظاهر العمارة الإسلامية جاء متوافقاً مع الظروف المختلفة للمجتمع الإسلامي والمقصود بالمشربية ذلك الجزء البارز عن سمت حوائط جدران المباني التي تطل على الشارع أو على الفناء الأوسط للمنازل الإسلامية بغرض زيادة مساحة سطح الأدوار العليا، ويستند هذا الجزء البارز إلى (كوابيل) و (مدادات) من الحجر أو الخشب تربط الجزء البارز من المبنى، بينما تغطى الجوانب الرأسية الثلاثة لهذا الجزء البارز بحشوات من الخشب الخرط المكوّن من (برامق) مخروطية الشكل، دقيقة الصنع تجمع بطريقة فنية بحيث ينتج عن تجميعها أشكال زخرفية هندسية ونباتية أو كتابات عربية.

    وسميت المشربية بهذا الاسم لوجود صلة وثيقة بين هذا الجزء من المبنى وبين أواني الشراب (القلل الفخارية) التي كانت توضع بها. وقد اتسع مدلول هذا المسمى (المشربية) ليشمل كل الأحجبة الخشبية المنفذة بطريقة الخرط والتي كانت تغطى فتحات النوافذ أو تفصل بين أجزاء المبنى المخصصة للرجال وتلك المخصصة للنساء، سواء كان ذلك في المنازل أو في المساجد.

    وتعرف المشربية في بعض بلدان العالم الإسلامي باسم (روشن أو روشان) وهي تعريب للكلمة الفارسية (روزن) وتعني الكوّة أو النافذة أو الشرفة، وأيا كان المسمى، فإن الشكل لم يختلف إلا في بعض الجزئيات البسيطة التي أضفت على شكل المشربية طابعاً مميزاً وخاصاً بكل بلد من بلدان العالم الإسلامي، متوافقة في ذلك مع أهم خاصية من خصائص الفن الإسلامي وهي (الوحدة والتنوّع).

    وقد وصل فن المشربية درجة كبيرة من الإتقان في مصر خلال العصر المملوكي، ويظهر ذلك بوضوح في القاطوع الخشبي المنقول من مدرسة السلطان حسن إلى متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، وفي مجموعة المشربيات في منزل زينب خاتون وغيرها، إلا أن فن المشربية تظهر أجمل نماذجه في منازل القاهرة ورشيد وفوه التي ترجع إلى العصر العثماني.

    كما كانت المشربيات أو الرواشين عنصراً مميزاً في العمارة الحجازية وبخاصة في ينبع، التي بلغت فيها من الكثرة بحيث يتصل بعضها ببعض، أما بلاد اليمن وبصفة خاصة مدينة صنعاء وما حولها، فقد استعمل بها طراز يمني أصيل عبارة عن مشربيات مصنوعة من الحجر بدلاً من الخشب، ولم تعرف اليمن المشربيات الخشبية إلا في القرن 11هـ/17م وذلك بتأثير من الفن العثماني. هذا في الوقت الذي كان استعمال المشربيات على أضيق نطاق في فلسطين إذ إنه يكاد يقتصر على مدينة القدس دون غيرها من المدن، وفي مدينة المنامة والمحـرق في البحرين، توجد نماذج قليلة من المشربيات، وقد اتخذت المشربية طابعاً مختلفاً في كل من مدينة طرابلس في لبنان وسواكين في السودان، وفي بلاد المغرب، إذ إنها أقل إتقاناً من حيث أسلوب الخرط عمّا هي عليه في مصر وبلاد الحجاز واليمن.



    مزايا المشربية

    يوفر نظام المشربية مزايا عدة للمكان الموجودة فيه، فهي تتيح لأهل المنزل رؤية مَن في الشارع دون أن يراهم أحد، وذلك لاختلاف كميات الضوء داخل المشربية عن خارجها إذ إنه أقل في الداخل بكثير عن الخارج، ويوفر ذلك خصوصية لأهل المنزل، ويأتي هذا متمشياً مع تعاليم الإسلام الحنيف.

    كما أن التكوين الهيكلي والزخرفي للمشربية يتفق تماماً مع الظروف المناخية لمعظم بلدان العالم الإسلامي والذي تسوده في معظم فصول السنة شمس ساطعة، وتعد المشربية من أحسن الحلول لهذه المظاهر الطبيعية، إذ إن الفتحات الضيقة التي تتخلل قطع الخرط تتحكم في كمية الضوء النافذ إلى الغرفة المقامة عليها المشربية، وتعمل بذلك على تلطيف درجة الحرارة من خلال النسيم الذي يمر من بين هذه الفتحات.

    من ناحية أخرى، فإن طريقة الخرط في حد ذاتها تقوم على توظيف القطع الصغيرة من الخشب وذلك بخرطها وتجميعها فيتم الاستفادة بقطع الخشب مهما كان صغرها، وهذا يتناسب مع ظروف بلدان العالم الإسلامي التي تفتقد الأنواع الجيدة من الأخشاب وتستوردها من بلدان أخرى، لذلك فإن طريقة المشربية تمثل جانباً اقتصادياً مهماً، فقد كانت الأجزاء الصغيرة المتبقية من عمل الأسقف والأبواب والنوافذ وغيرها من وحدات البناء التي تعتمد على الخشب تستغل في تصنيع المشربية.

    وإذا كان للمشربية نفع علمي وقيمة جمالية، فلماذا إذن فقدت دورها كعنصر عملي وجمالي في العصر الحاضر؟
    في البداية، نؤكد أن المشربية ليست قاصرة عن تلبية متطلبات العصر، ولكن على العكس من ذلك، فإن استخدام المشربية يعتبر من الضرورة بمكان في هذا العصر خاصة بعد زيادة الكثافة السكانية في المدن ووجود العمائر المتقابلة التي تعتمد في الإضاءة والتهوية على فتحات في الجدران الخارجية وليست على الأفنية الداخلية للمنازل كما كان الحال في السابق، لذلك فإن المشربية تعتبر وكما كانت من قبل حلاً مقبولاً وعملياً لتحقيق الخصوصية.

    كما أن الاعتقاد بارتفاع تكلفة المشربية أمكن التغلب عليها باستخدام خامات بديلة رخيصة الثمن مثل خشب النخيل بعد معالجته بالمواد التي تقاوم الحرارة والرطوبة. ولكن الأمر يتعلق بوجود اتجاهات معمارية وزخرفية بديلة معظمها وافد إلى العالم الإسلامي من الدول الغربية وإقبال الناس عليها وتجاهلهم لمفردات التراث الفني الإسلامي.


    أسلوب النوافذ

    تعد مظهراً عريقاً من مظاهر الحضارة والفن الإسلامي، فمن المعتقد أن عمل المشربيات الخشبية المفرغة قد تأثر تأثراً تاماً بأسلوب النوافذ الحجرية المثقبة، والستائر الجصية المفرغة، ونوافذ الزجاج المعشق بالجص التي انتشرت في الكثير من بلدان العالم الإسلامي.

    ومن الأمثلة المبكّرة للنوافذ الجصية المفرغة نوافذ قصر الحير الغربي ببادية الشام والجامع الأموي بدمشق وجامع عمرو بن العاص بالفسطاط في مصر وجامع أحمد بن طولون.

    وكان الرأي السائد لدى علماء الفنون والآثار من قبل أن أول ظهور للنوافذ الجصية المعشقة بالزجاج كان في العصر الأيوبي وذلك في نوافذ قبة ضريح السلطـان الصالح نجم الدين أيوب الملحق بمدرسته بالنحاسين بالقاهرة والذي أضافته زوجته شجرة الدر بعد وفاته، ولكن الحفائر الأثرية أثبتت أن الزجاج المعشق بالجص استخدم منذ العصر الأموي، واستـمر في قصور الخلفاء العباسيين. كما استخـدمت في أواخر العصر الفاطمي ألواح من الجص معشق بالزجاج الملوّن بدلاً من الألواح الرخامية والحجرية المفرغة، وانتقل هذا الأسلوب الفني إلى عمارة العصر الأيوبي حيث بلغ أوج ازدهاره في العصر المملوكي، وأصبح من السمات المميزة للعمارة المدنية والدينية في العصر العثماني.

    وإذا كانت بعض بلدان العالم الإسلامي قد عرفت أنواعاً أخرى من النوافذ مثل المدورات الرخامية اليمنية (القمريات)، التي كانت تتميز برقتها ولا يزيد سمكها عن سنتيمتر ونصف السنتيمتر بحيث تسمح بنفاذ الضوء من خلالها، والشماسات المغربية وهي عبارة عن نوافذ نصف دائرية توجد أعلى الأبواب والنوافذ وتغطى بالخشب والزجاج الملون وتسمح بدخول ضوء الشمس، فإنه مع دخول العثمانيين إلى العديد من البلاد الإسلامية أصبح أسلوب النوافذ الزجاجية المعشقة بالجص هو الأسلوب السائد.


    منافع عملية

    يحقق استخدام النوافذ الزجاجية المعشقة بالجص منفعة عملية وقيمة جمالية مثلها في ذلك مثل المشربية، فمن الناحية العملية، فإن استخدام هذه النوافذ يخفف الأحمال على الأعمدة الحاملة للعقود وعلى الجدران، كما أنها تمنع تسلسل الحشرات ودخول الأتربة إلى داخل المبنى، كذلك فإنها تقلل من تيارات الهواء شتاء وتخفف من حدة الضوء صيفاً، أما من الناحية الجمالية، فقد برع الفنان المسلم في ترتيب قطع الزجاج متعددة الألوان، بحيث تشكّل زخارف هندسية ونباتية وكتابية بديعة حتى يمكننا القول إن الفنان المسلم نجح في تحويل المواد الرخيصة من الجص وقطع الزجاج الملوّن إلى تحف فنية ثمينة، ومن ناحية أخرى، فإن القمريات والشمسيات تعطي تكوينات من الضوء والظلال والألوان تضفي على داخل المنزل جوّاً هادئاً مريحاً.


    نوافذ الزجاج المعشق بالجص أحد إبداعات الحضارة الإسلامية التي استلهمها فنانو الغرب، مع استبدال الجص بشرائح من الرصاص تثبت بها قطع الزجاج، وذلك لملاءمة الرصاص للجو البارد الذي يسود أوربا، لكن الفنان الأوربي قام بترتيب قطع الزجاج بحيث تكون رسوماً آدمية وحيوانية ومناظر دينية (أيقونات) مختلفة في ذلك عن الطابع الزخرفي الذي تميّزت به الأعمال الفنية الإسلامية، وتشكل نوافذ الزجاج المعشق بالرصاص ملمحاً أساسيا ومميزاً في الكنائس والكاتدرائيات المنفذة حسب الطراز الفني القوطي والرومانسكي.

    هذه لمحة عن جانب من جوانب التراث المعماري والفني الإسلامي القيّم، تتجلى فيه مظاهر الإبداع والتفرّد عن غيره من الفنون. هذا الجانب الذي أدركت بعض الهيئات والجهات والمراكز العلمية والحرفـية مدى أهميته، وأخذت على عاتقها مهمة إحيائه، واستخـدام مفرداته في فن الديكور والزخرفة الحـديثة، مؤكدة على الشخصية الفنية الإسلامية، ومحققة التواصل الثقافي والفني بين الأجيال، مع إضافة بعض سمات الحداثة دون طمس عناصر الأصالة
    اتمنى الاستفادة
    والسلام عليكم

    0 Not allowed!



  
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML