بعيداً عن الاتهامية بعقلية المؤامرة والركون إلى هاجسها فإن المتابع الموضوعي لما يدور في منطقتنا من أحداث لا بد أن يقرر وبدرجة عالية من الموضوعية أن هذه الأمة وهذه المنطقة بكل ما تعنيه من تراث وتاريخ، وما تستجره ثرواتها وموقعها المتوسط من نوازع الهيمنة والاستعمار يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن أمتنا وعبر مختلف الحقب التاريخية قديمها وحديثها كانت وما زالت وستظل في دائرة الاستهداف!
ربما يمكننا فهم دوافع الدول والقوى العالمية لمثل هذا الاستهداف.. كما يمكننا أن نجد للمصالح مكاناً في هذا الاستهداف، لكن ما لا يمكننا قبوله أو فهمه هو ذاك الاستهداف الاستئصالي، أو ذاك الاستهداف الاستحواذي كما تترجمه عمليات الغزو والاحتلالات المتكررة للمنطقة وعمليات النهب المنظم للثروات..
فمنذ فجر التاريخ لا تكاد المنطقة تخرج من احتلال إلا ويحل احتلال آخر محله.. وفي كل مرة يأتينا تحت راية جديدة.. فتعددت الرايات واللافتات ولكن الأهداف والنتائج واحدة..
شهدت الآونة الأخيرة طفرة من الاعترافات العربية والإسلامية بمنظمة «فرسان مالطة». كما شهدت افتتاح المزيد من السفارات لهذه المنظمة في أكثر من تسعين دولة (من بينها ثمان دول عربية وست عشرة دولة إسلامية) مما استثار الكثير من الشكوك..
كما استحضرت الذاكرة العربية الإسلامية تاريخاً مؤلماً من الصراع يعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي (فترة ما قبل الحروب الصليبية الأولى) حين انطلقت منظمة فرسان مالطة باعتبارها «ميليشيا مسيحية» رسالتها الدفاع «عن الأراضي التي يفتحها الصليبيون من المسلمين».
وازداد ضغط هذه الذاكرة في أعقاب الكشف عن الجرائم التي ترتكبها الشركات المسماة بشركات الأمن والحماية من جرائم فادحة في العراق.. وما كشف عنه من علاقات تاريخية بين منظمة فرسان مالطة وهذه الشركات وخاصة (شركة بلاكووتر) (وقد تناولنا في مقال سابق في صحيفة البيان هذا الموضوع بعنوان «شركات الحروب أم حروب الشركات») !!
لقد استفز هذا الحراك الدبلوماسي لمنظمة «فرسان مالطة» العديد من الباحثين والكتاب للبحث في تاريخ ونشاطات وتحولات هذه المنظمة عبر التاريخ وما رسمته من علاقات بين الشرق والغرب.. وبين الغرب والعالم الإسلامي..
لعل من أبرز الكتابات والدراسات في هذا الموضوع كان كتاب الصحافي الاستقصائي الأميركي «جيرمي سكاهيل» المعنون «بلاك وووتر: صعود أقوى جيوش المرتزقة في العالم» (ترجمت صحيفة «العرب اليوم» الأردنية أهم فصوله ونشرتها)... ومما جاء فيه «أنه بالإضافة إلى السمة الصليبية «التبشيرية» لفرسان مالطة..
فإن «سكاهيل» كشف عن حقيقة خطيرة مفادها أن «معظم الجنود المرتزقة في العراق يحملون جنسية دولة فرسان مالطة.. (علما بأن هناك 130 ألف مرتزق شاركوا القوت الأميركية في احتلال العراق)..
كما كشف عن أن الجنرال المتقاعد جوزيف شميتز (الذي عمل مفتشا عاما في وزارة الدفاع الأميركية) ثم انتقل للعمل كمستشار في مجموعة شركات «برينس» المالكة لـ «بلاك ووتر»، كتب في سيرته الذاتية أنه عضو في جماعة «فرسان مالطة».
فضلاً عن أن العديد من مديري الشركة ينتمون للتيار اليميني المسيحي المتطرف في أميركا، والذي يدير الولايات المتحدة منذ صعود الرئيس بوش لسدة الحكم عام 2001.. وجميعهم يتبجحون بعضويتهم في «مسلك مالطة العسكري المستقل» (أحد مسميات /تشكيلات «فرسان مالطة»). هذه الحقائق وغيرها عاد فأكدها الكاتب «محمد حسنين هيكل» في إحدى شهاداته (على قناة الجزيرة / يوم 27- 4- 2007)..
وأضاف أن «وجود قوات المرتزقة بالعراق ليس مجرد تعاقد أمني مع البنتاجون تقوم بمقتضاه هذه القوات بمهام قتالية نيابة عن الجيش الأميركي، بل يسبقه تعاقد أيديولوجي مشترك بين الجانبين يجمع بينهما، «دولة فرسان مالطة» الاعتبارية.. ويضيف أن «فرسان مالطة» هم «آخر الفلول الصليبية التي تهيمن على صناعة القرار في الولايات المتحدة»!!. بل إن هيكل أكد على أننا اليوم في «أجواء حرب صليبية».
أما الباحث «إبراهيم علوش» فقد وصف «فرسان مالطة» بالمنظمة «المسيحية المتطرفة». وحذر من افتتاح سفارات لها في عدد كبير من الدول العربية والإسلامية.. وأعاد التذكير بالتحولات السريعة التي قامت بها المنظمة من العمل الخيري الطبي إلى العمل العسكري.. ومن ثم تحولها إلى جماعة «يمينية متطرفة».
في حين كشف الباحثان الأيرلندي (سيمون بيلز) والأميركية (ماريسا سانتييرا) (المتخصصان في بحث السياق الديني والاجتماعي والسياسي للكنيسة الكاثوليكية الرومانية) عن أن (رونالد ريجان) و(جورج بوش الأب وبريسكوت بوش الجد) هم من أبرز أعضاء منظمة «فرسان مالطة».
وعليه يستنتج الباحثان بأنه «لا يمكن انتزاع تصريحات الرئيس بوش عقب هجمات 11 سبتمبر من هذا السياق حين أعلن شن «حرب صليبية» على الإرهاب وذلك قبيل غزوه لأفغانستان عام 2001».
ومن الباحثين العرب الذين تناولوا هذا الموضوع الصحافي «محمد جمال عرفه» في كتابه المعنون «المرتزقة الجدد». و«خصخصة» الحروب!» (صدر في عام 2007 وراجعه جمال عبدالرؤوف في مقال بعنوان «كتاب يكشف عن: المرتزقة الجدد.. والصليبيين الجدد! «.
ومما جاء فيه «أخذت شركات المرتزقة الجدد تتحرك لتحظي بموافقة مسؤولي الأمم المتحدة على إسناد مهام لها، وبدأت في البحث عن غطاء أخلاقي وديني عبر التعاون مع بعض الحكومات أو المنظمات المشهورة بدورها الخيري المعلن، والتي لا يعرف أحد تاريخها الأسود مثل دولة ما يسمى «فرسان مالطة».
والتي ينتمي لها غالبية رؤساء شركات المرتزقة الجدد ولها تاريخ قديم في أعماق الحروب الصليبية التي استهدفت السيطرة على كنوز الشرق!».
ولكن وبالرغم من اتفاق معظم الذين تناولوا هذا الموضوع على خطورة المنظمة إلا أن الكاتب «أحمد الظرافي» ألمح بأن الضجة المثارة حول «فرسان مالطة» تبدو مفتعلة. (وذلك في مقال نشر في 25 /11 /2007 / بعنوان «فظائع فرسان مالطة في العراق.
كلمة حق يُراد بهِا باطل»). حيث قال لقد «أصبح كل عمل قذر ومشين ملتصقا بمرتزقة جماعة فرسان مالطة.. لقد أصبحوا شماعة تُعلق عليها معظم الشرور والآثام والقاذورات الأميركية.. ويضيف: كأن فرسان مالطة هم من غزا العراق، وكأنهم هم من قام باحتلاله..
أما الجيش الأميركي فهو معفى من هذه التهمة.. وكأن الحرب الأميركية على المسلمين في العراق وأفغانستان ليست - في حقيقتها - حربا صليبية ضد الإسلام - وكأن اليمينيين المهيمنين على صناعة القرار الأميركي ليسوا صليبيين وليسوا بمستوى تطرف فرسان مالطة) على أننا نخلص من هذه الدراسات إلى أن منظمة «فرسان مالطة» ما هي إلا أحد المنظمات السرية التي تتستر بلافتات غامضة وتختبئ خلف العمل الخيري والإنساني..
فعقيدة جيشها صهيو- صليبية.. وأجندتها انتقامية تعيدنا إلى أجواء القرون الوسطى وحروبها الصليبية.. ويكفي أن نستدل على هذه الأجندة من قيام شركة «بلاك ووتر» الأميركية (المتخصصة في مقاولات الحروب) بالتعاقد مع مقاتلي منظمة فرسان مالطة المحترفين..
فحين يكشف عن القوة الدافعة لشركة «بلاكووتر» من خلال ارتباطها بـ «فرسان مالطة» ندرك عمق الخطر المترتب على الاتجار بالحروب... وحروب الشركات المؤدلجة التي لا تقوم بحربها من أجل المال والكسب فحسب بل إن أهدافها لأبعد غوراً من ذلك..
لقد تكالب الأكلة (من جيوش وشركات ومنظمات وإدارات دول عظمى) على القصعة العربية والإسلامية واجتمع فيهم حقد الصليبيين القدامى «فرسان مالطة» وحقد الصليبيين الجدد «اليمين المسيحي المتطرف المتصهين».
وبذلك لم يعد من المبالغة في شيء وصف حكومة «فرسان مالطة» بـ «حكومة العالم الخفية». أو بـ «الحكومة الأكثر غموضا في العالم»؟؟.. بل لقد بات من الممكن القبول بالوصف الذي أطلقه أحدهم على سفارتها في القاهرة بالقول إنها «الشبح الذي يسكن قربنا».
فالمتواطئون والمتحالفون في جريمة احتلال العراق وأفغانستان.. أو في فتنة دارفور.. أو غيرها من فتن قائمة وأخرى قادمة هم كلهم بالضرورة.. وبالتكافل والتضامن المجرمون الحقيقيون!!!

منقول عن الكاتب جمال عبيدات