بسم الله الرحمن الرحيم

وضع رواد الفكر والعلم الإسلامي الأول في الأندلس أساساً متيناً للحضارة الإسلامية والإنسانية بما قدموه في مجالات العلم والفلسفة والفن والأدب. ومن هؤلاء الرواد الأوائل الذين تدين لجهودهم العلمية حضارة اليوم بالفضل، عالم مسلم ، عالج فنونًا من شتى أبواب المعرفة، واشتغل في صناعات مختلفة، حتى عرف بـ "حكيم الأندلس" والحكمة تطلق عند المسلمين على الاشتغال بصنعة الكيمياء والطب. فمن هو حكيم الأندلس؟


هو أبو القاسم العباس بن فرناس بن ورداس التاكرتي الأندلسي القرطبي منزله في مدينة العلم و العلماء برابرة تاكرتا . و لم يذكر المؤرخون تاريخ ولادته إلاّ أنه عاش في القرنين الثاني و الثالث الهجريين و عاصر الأمراء الثلاثة: الحكم بن هشام وعبد الرحمن الثاني بن الحكم ومحمد بن عبد الرحمن. أجمع المؤرخون على أنه توفي عام 274هـ 887م و أجمعوا كذلك أنه عمّر 80 حولاً و على هذا تكون ولادته في حوالي 194هـ 796م .
و قد مارس ابن فرناس نشاطه العلمي والفكري وقام بتجاربه في جو من الحرية والتشجيع وهذا المناخ هو الذي أفرز علماء الأندلس المسلمين وأفذاذها الذين استطاعوا تحقيق أروع الإنجازات في ميادين العلوم التجريبية ومهدوا الطريق للأجيال اللاحقة من علماء العصر الحديث.



أين تعلم ؟ و أين علم ؟
نشأ و تعلم في قرطبة منارة العلم و بلد الصناعات في الأندلس، فقد نشأ في برابرة تاكرتا التي قصدها العرب و العجم لتلقي جميع أنواع العلوم .
تعلم ابن فرناس القرآن الكريم و مبادئ الشرع الحنيف في كتاتيب (تاكرتا) ثم التحق بمسجد قرطبة الكبير ليتضلع و ينهل من معارفه ، ثم خاض غمار المناظرات و المناقشات و الندوات و الخطب و المحاورات و المجادلات في شتى فنون الشعر و الأدب و اللغة ، و لتوقد ذهنه كان أدباء الأندلس و شعرائها و علماء اللغة يجلسون حول عباس بن فرناس الذي اشتغل بعلم النحو و قواعد الإعراب يعلمهم اللغة و يفك الغامض من العلوم كعلم البديع و البيان و علوم البلاغة و اللغة .
و كان بن فرناس شاعراً مجيداً أشهرته قصيدة الرثاء التي رثا بها ابن الخليفة محمد بن عبدالرحمن الثاني ابن الحكم المتوفي سنة 273هـ فوق شهرته السابقة .

غبن كبير لحق بسيرة حياة العالم العربي المسلم عباس بن فرناس؛ إذ ربطت الكتب المدرسية، والكتابات المعاصرة بين اسمه وأول محاولة للطيران قام بها إنسان في التاريخ، مما عمم الاعتقاد بأن إبداعات هذا العالم قد اقتصرت على هذه المحاولة فقط، في حين تشكل إبداعات ابن فرناس العلمية والفكرية والفنية نموذجاً للنهضة الشاملة التي قامت في ظل الحكم الإسلامي في الأندلس فما هي إبداعاته؟



منهجه في الطب و الصيدلة
درس بن فرناس الطب و الصيدلة و أحسن الإفادة منهما فقد عمد إلى قراءة خصائص الأمراض و أعراضها و تشخيصها و اهتم بطرق الوقاية من الأمراض عملاً بقولهم "درهم وقاية خير من قنطار علاج" .. ثم قام بدراسة و تجارب علاج من أصيب بالأمراض على مختلف أنواعها ثم أجرى الدواء .
فقد درس خصائص الأحجار و الأعشاب و النباتات و وقف على خواصها المفيدة في المعالجة ، و قد اتخذه أمراء بني أمية في الأندلس طبيباً خاصاً لقصورهم .
و لم يكن بن فرناس يقنع بما كتبه الناس من نظريات بل ألزم نفسه إلقاء التجربة ليتحقق من صحة كل نظرية درسها أو نقلها من غيره ليرقى بها إلى مرتبة الحقيقة العلمية أو ينقضها .. و قد شجب القبول و القناعة بالأمور الظاهرة المبسطة المقدور على النظر و البحث فيها ... كان ابن فرناس يغوص في تحقيق ما علم و كان يطبق النظريات العلمية على منهج علمي في كل العلوم و أهمها الطب و الصيدلة و خاصة دراسة الأعشاب .




عباس بن فرناس عالم الفلك




إن اهتمام ابن فرناس بعلم الفلك و علم العدد و علم الهندسة ساعده في اختراع عدد من الآلات الرياضية والفلكية والتي تميزت بالدقة والابتكار ومنها:

القبة السماوية
ابتكر عباس بن فرناس لأول مرة القبة السماوية فقد صنع في سقف بيته هيئة السماء وخيل للناظر فيها النجوم والغيوم والبرق والرعد و الشمس و القمر و الكواكب و مداراتها ، واستطاع أن يحدث فيها ظواهر الرعد والبرق وسقوط رذاذات من الماء على هيئة مطر بطرق آلية ربما بواسطة بعض الأدوات والآلات التي انتهى من صنعها ووضعها في أماكن معينة من القبة التي أجرى فيها تجربته العظيمة ومثلها كهيئة السماء فيها الأفلاك والنجوم والسحب ... ولعل ما قام به هو دراسة نظرية تجريبية تطبيقية لعلم وعمليات الأرصاد الجوية والظواهر الطبيعية ولحساب حركة الكواكب والنجوم .

الميقاتة
كان أول من صنع الميقاتة و هي آلة لقياس الزمن ولمعرفة الأوقات ، تعتمد على الظل وقياس درجاته وزواياه وحساب الدرجات والدقائق والثواني في النهار حيث قسم شكلها الدائري إلى مسافات متساوية كما هو مفهوم الساعة في الوقت الحاضر. أما الليل المظلم فإن عملها يختلف وعملها ربما كان يعتمد على حساب الدرجات التي قسمت إليها.

ذات الحلق
اخترع آلة صنعها بنفسه لأول مرة تشبه الإسطرلاب في رصدها للشمس و القمر و النجوم و الكواكب و أفلاكها و مداراتها ترصد حركاتها و مطالعها و منازلها و التي عرفت بذات الحلق .
و هذه الآلة تتكون من حلقات عدة قد تصل إلى ستة أو سبعة حلقات ويبلغ قطر الواحدة منها حوالي ثلاثة أمتار ونصف المتر متداخلة وفى وسطها كرة معلقة تمثل حركة الكواكب السيارة ويتبين من عملها أن سطوح أشعة الشمس أو القمر يجعل الحلق الذي ركب فيها يتخذ أوضاعا معينة تنعكس على الكرة التي بداخلها في الليل حيث يمكن رصد النجوم والكواكب في مواضعها وفى النهار يمكن مراقبة الشمس وقياس الظل.


عباس بن فرناس المهندس و المعماري
حاز عباس بن فرناس على إعجاب أهل عصره بابتكاراته المعمارية في ميدان العمارة والهندسة وخاصة في النحت وإقامة النصب وصنع نافورات المياه وكان المخطط الرئيسي لإقامة التماثيل والنحوت والصور والنافورات في قصور الأمراء والوزراء وعلية القوم في عهده .
فقد اشتهر بنافوراته الجميلة والعجيبة ، ومنها النافورات التي يتدفق منها الماء إلى برك وصحون ثم يعود الماء إلى النافورات ـ و للأسف فإنه لا توجد معلومات مفصلة عن إبداعاته في فنون العمارة ـ ؛ ولكن من المؤكد أنها كانت كثيرة، وقد سخرها الأمير محمد بن عبدالرحمن للنفع العام؛ إذ جعله يشرف على نصب اختراعاته المعمارية في المتنزهات العامة في قرطبة وظاهرها، فكان الناس يأتون من الأصقاع البعيدة إلى قرطبة ليروا تلك الأعاجيب ويستروحوا بما تجريه عليهم من رذاذ ونوافير .








اختراعاته العسكرية

أول دبابة عسكرية
لعل من أهم اختراعات ابن فرناس ما يمكن تسميته بأول دبابة عسكرية في التاريخ، وقصتها أن بعض العصاة على الأمير عبدالرحمن بن الحكم احتلوا حصناً في ظاهر بلنسية، وعجزت حملات جيش الأمير في الوصول إليهم؛ فقد كان الحصن على مرتفع لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق ممر مكشوف، وكان العصاة يجيدون الرمي بالنبل والرماح والنار على الجند الذين كانوا يحاولون الوصول إلى الحصن من ذلك الممر، فاعتكف ابن فرناس في بيته أياماً، ثم جاء بمخطط آلة حربية عرضها على الأمير الذي سر بها، وأمر (أصبغ) عريف النجارين بأن ينفذ صنعها بإشراف ابن فرناس وبأوامره، فأنجزوها خلال يومين، وكانت آلة عجيبة، تحرق من كان أمامها، وتحمي من كان تحتها، و بها تم فتح الحصن في ظاهر بلنسية.
و كما جاء وصفها في كتب التاريخ : أنها كانت من خشب على هيئة القبة الكبيرة من الأعلى، تمشي على دواليب، وتحت القبة يقف الجنود يدفعون الآلة وهم يتقدمون بها نحو الهدف، وفي أعلى القبة فتحتان يبرز من إحداهما منجنيق، وهي الفتحة الأمامية، والثانية في خلف القبة يجذب إليها المنجنيق لتذخيره بالحجارة أو النار، فيرمي الجنود بالمنجنيق وهم في منأى عن رمي العدو بالنبال والرماح، ويبرز من مقدمة الآلة في المقدمة نتوء كبير قوامه الخشب المكسو بالمعدن، ومهمته تحطيم الأبواب والجدران، وعلى أطراف الآلة فتحات لرمي النبال.
إن هذا الوصف ينطبق على أول دبابة حاملة للمشاة في التاريخ، وقد طورها ابن فرناس أكثر بعد فتح حصن بلنسية، فكساها من الخارج بجلد خاص يقيها من الاحتراق إذا رميت بالنار، ولا نعلم إلى أي مدى استعملت دبابة ابن فرناس في الأغراض العسكرية؛ إذ انقطعت أخبارها في المصادر مع وفاة الأمير عبدالرحمن بن الحكم.




ابن فرناس والطيران
قام عباس بن فرناس بتجارب كثيرة . درس في خلالها ثقل الأجسام و مقاومة الهواء لها ، و تأثير ضغط الهواء فيها إذا ما حلقت في الفضاء ... و كان خير معين له في هذا الدرس تبحره في العلوم الطبيعية و الرياضة فاطلع على خواص الأجسام . و اتفق لديه من المعلومات ما حمله على أن يجرب الطيران الحقيقي بنفسه
وقد وردت حكايات كثيرة عن محاولاته الطيران لعب فيها الخيال دوره ؛ لذا و حرصاً على الحقيقة سنتتبع تلك المحاولة كما جرت في الواقع ـ بحسب المراجع المشار إليها في أخر الموضوع ـ :

لقد مهد ابن فرناس لمحاولته الطيران بدراسات مطولة لطيران الطيور وتركيب جسم الطير، ثم صنع آلة تتكون من عكوس وزوايا مركبة ومرتبطة بعضها ببعض، وتتحرك بتأثير الحركات المركزية من اليدين والرجلين، وقد كساها بالقماش والريش ويقال أنه بجناحي طائر كبير ربطهما إلى ذراعيه بشرائط رقيقة من الحرير ، ثم ربطها في جسمه بشرائط من الحرير المتين ؛ بيد أنه لم يضع في اعتباره أهمية صنع ذيل للرداء الذي اتخذه في الطيران لإبقاء التوازن وتسهيل عملية الانزلاق في الجو والهبوط فيه، وقد نجحت تجربته في البداية وارتفع عن الأرض بعد أن ألقى بنفسه من أعلى، وظل يرتفع حتى وصل إلى مائة قدم فوق سطح الأرض، ولكن لما أراد أن يهبط، أو حصل ما أدى إلى هبوطه، لم يكن لديه ما يقاوم به الجاذبية الأرضية، كذنب الطير، فسقط من الارتفاع الذي كان قد وصل إليه دون أن ينجح الجناحان اللذان صنعهما في تخفيف حدة السقوط، ووقع على مؤخرته فأصيب إصابة بالغة انكسرت فيها أحد فقار ظهره السفلى ولزم الفراش شهورا طويلة حتى برأ من إصابته ... وغني عن البيان أن محاولة عباس بن فرناس في الطيران تعتبر صفحة مشرقة في تاريخ الحضارة الإسلامية، فهي أول محاولة عملية لإنسان في الطيران، وهو أول طيار اخترق الجو.





فمحاولته الطيران اعتبرت نصرا للبشرية وفتحا كبيرا لآمال عريضة في مستقبل الطيران شجعت الكثير من العلماء من بعده لمزيد من الدراسة والتجربة حتى تحقق حلم البشرية بالطيران في الجو وما زالت تجربة عباس بن فرناس مرجعا يذكره كل من يطرق المجال الطيران.
والمصادر المتوفرة لا تشير إلى المكان الذي جرت فيه محاولة الطيران تلك، فقيل: إنها جرت في قرطبة، وقال آخرون: إنها جرت في بلنسية أمام حشد كبير من الناس اجتمعوا لمشاهدة هذا العمل الفريد الذين رغم فشل المحاولة تحمسوا له، ومما قاله فيه معاصره الشاعر مؤمن بن سعيد:
يطم على العنقاء في طيرانها
إذا ما كسا جسمه ريش قشعم


و من المؤسف أن كتب الموسوعات إذا تعرضوا لتاريخ الطيران ينصفون أرفيل رايت 1877م و أخاه يلبور رايت 1867م-1912م في موسوعاتهم ، لكنهم ينسون أو يتناسون منزلة المخترع عباس بن فرناس التي احتلها في التاريخ .


عباس بن فرناس عالم الكيمياء
براعة ابن فرناس في الاختراعات ارتبطت ببراعته في الكيمياء، فقد ألف (عمل الكيمياء) وهو كتاب وضع فيه خلاصة تجاربه في علم الكيمياء، وانصرف إلى إجراء التجارب الكيماوية بالطرق والوسائل العلمية، فجعل من حجرات داره مختبراً علمياً يضم آلات وأدوات و أنابيق لهذا الغرض ، و من أهم نتاجه في الكيمياء

المعالجة الحرارية للمعادن
قرن عباس بن فرناس مزاولته للكيمياء العملية والصناعية بتوسعه و إلمامه بالجانب النظري بفنون الكيمياء وقوانينها. ولقد طبق كثير مما عرف فيما بعد بعلم المعالجات الحرارية للمعادن كما استعمل النار لإحداث درجات الحرارة لغرض تسخين العناصر والمعادن المختلفة أو لتبخيرها أو صهرها أو إذابتها. كما عمل ابن فرناس في ميدان السبائك والصب والصياغة للمعادن النفيسة كما برع في استخدامها في الكتابة .
ومن اشتغاله بالكيمياء أنه تفنن في مزج المعادن بنسب خاصة، وصنع منها سيوفاً تستعصي على الثلم أو الكسر؛ فكلفه الأمير بصنع المزيد منها، وصار يكافئ بها قادة جيشه وخواصه.


صناعة الزجاج
و هو أول من استنبط صناعة الزجاج من الحجارة و الرمل في الأندلس ولقد كانت طريقته مختلفة عما كانت تستخدم في صناعة الزجاج في البلاد الأخرى . فانتشرت صناعة الزجاج في الأندلس و أصبح في متناول الغني و الفقير ...

و من ذلك أنه اكتشف نتيجة اشتغاله بالكيمياء نوعاً من الزجاج فائق الشفافية، فعرضه على الأمير محمد بن عبدالرحمن الذي أعجب به وكافأه عليه، ثم عاد ابن فرناس بعد فترة بالزجاج وقد صقله وكثفه، وأجرى أمامه تجربة بأن جعل الزجاج يشعل النار في الحطب عند تسليط أشعة الشمس عليه، وبذلك يكون ابن فرناس أول من اخترع المكبرة الزجاجية المكثفة، ثم وبتشجيع من الأمير عكف ابن فرناس على تطوير اختراعه ليصبح تأثير أشعة الشمس في الزجاج بعيد المدى، فيتم تسليطها من خلال الزجاج على جيش الأعداء إذا كانوا قبالة الشمس، أي تحويل الزجاج إلى قاذف أشعة حارقة، ولا نعلم إلى أي حد وصلت تجارب ابن فرناس على هذا السلاح المبتكر آنذاك.


القنبلة الدخانية
ويستدل من كتابات معاصريه عنه أنه سخر براعته الكيميائية في الجانب العسكري، فكان أول من اخترع القنبلة الدخانية على أسس كيميائية، فعرض على الأمير عبدالرحمن بن الحكم أن يصنع له ماءً يعبأ في القوارير ويرمى بها على الأرض ؛ فيخرج من القوارير بعد تحطمها دخان يصيب من يمسه بضيق النفس والسعال فلا يقوى على الحركة أو القتال إذا كان في موضع الحرب، فأذن له الأمير، فاعتكف في بيته شهراً يعمل ويجرب، فكانت تخرج من داره قناة فيها أحمر كالدم، ثم جاء بماء إلى الأمير معبأة بقوارير من الزجاج، فخرج الأمير وحاشيته مع ابن فرناس إلى ظاهر قرطبة، وتم كسر تلك القوارير بين قطيع ماشية، تضم خرافاً وأبقاراً، فما أسرع ما نفث الماء دخاناً جعل بعض الأبقار تموت لساعتها، ومن سوء حظ ابن فرناس أن هبت ريح حملت بعض ذلك الدخان إلى حيث المكان الذي كان الأمير وحاشيته يراقبون منه التجربة، وهو مكان بعيد عن مكان التجربة، فأصاب الأمير من الدخان ما جعله يسعل ويضيق صدره؛ فغادر المكان، وأمر ابن فرناس أن يوقف اختراعه ..

ومن مخترعات عباس بن فرناس ما شابه القلم الحبر وهو آلة اسطوانية الشكل تستخدم للكتابة والخط وتغذى بالحبر فكان واضحا وأفاد النساخ والكتاب حيث سهل مهمتهم في الكتابة والنسخ ووفر عليهم مئونة حمل الأقلام والمحابر أينما ذهبوا. وهذه الآلة هي بمثابة قلم الحبر المعروف في الوقت الحالي. وبذلك يكون عباس بن فرناس قد سبق مخترعي الأقلام الحديثة بمئات السنين .

والغريب أن بعض العامة وصفوه بالزندقة وتعاطي السحر. ولكن كتّاب العصر الأندلسي اعترفوا بفضله وجهوده وإضافاته العلمية.




محاكمة ابن فرناس

كما في حياة كل المجتهدين والمبدعين، ظهر في حياة عباس بن فرناس حساد أغاظهم ما وصل إليه من شهرة وحظوة لدى الأمراء، فتربصوا له، ونتيجة اشتغاله بالكيمياء في بيته، كانت المياه تجري من قناة في داره، وينبعث منها الدخان، فوجدها الحساد فرصة، واتهموه بالزندقة وتعاطي السحر، ورفعوا عليه دعوى تخريب المعتقدات، فمثل من أجل ذلك أمام القضاء، وعقدت جلسة محاكمة في مسجد قرطبة دعي إليها الأمير عبدالرحمن بن هشام شاهداً، فجلس الأمير بين الشهود لا يتكلم إلا عندما يطلب منه القاضي الكلام، فشهد بعض الشهود أنهم سمعوا ابن فرناس في داره يقول: "مفاعيل مفاعيل" فلم يجد القاضي في هذه العبارات ما يؤاخذه عليها، ثم سأل القاضي الأمير أن يشهد بما يعرف فقال: أشهد أن ابن فرناس أنبأني أنه سيفعل كذا وكذا في داره، وسيضع بما يفعله كذا وكذا، وقد صنع ما أنبأني به فلم أجد فيه إلا منفعة للمسلمين، ولو علمت أنه سحر لكنت أول من حده.
وتستمر وقائع المحاكمة أمام حشد من الناس وبحضور الأمير والفقهاء، فيسأل القاضي ابن فرناس عن حقيقة الماء الذي يخرج من داره، وما حقيقة ما يفعله فيه، فيقف ابن فرناس ويخاطب القاضي والفقهاء قائلاً: أترون أني لو عجنت الدقيق بالماء فصيرته عجيناً، ثم أنضجت العجين خبزاً على النار، أأكون قد صنعت سحراً؟ قالوا: لا؛ بل هذا مما علّم الله الإنسان، فقال: وهذا ما اشتغل به في داري، أمزج الشيء بالشيء واستعين بالنار على ما أمزج فيأتي مما أمزج شيء فيه منفعة للمسلمين وأحوالهم.
ثم شرح ابن فرناس أوامر الله تعالى ونبيه محمد صلى الله عليه و آله و صحبه و سلم ، في أن يعمل كل إنسان مسلم ما يتفق مع مواهبه، وأن من ملك علماً ولم ينفع به المسلمين فقد أثم؛ لأن العمل بمقدار الكفاءات من الفروض الكفائية، فحكم القاضي والفقهاء في الجلسة ببراءة ابن فرناس، وأثنوا عليه وحثوه على أن يستزيد من عمله وتجاربه.


إنها وقائع محكمة إسلامية نرى فيها حرص القضاء الإسلامي فيها على تقصي الحقائق بدقة،وكيف أن الأمير الحاكم يستدعى إلى الجلسة شاهداً فيتواضع ويتصاغر أمام القضاء، وكيف يستند هذا القضاء إلى أحكام الإسلام في تقييم العمل العلمي وتمييزه عن السحر والشعوذة ؛ فيبرئ العالم من أية تهمة، بل يشجعه على مواصلة علمه وعمله وتجاربه بما ينفع الناس، وهي محاكمة على نقيض من وقائع المحاكمات الظلامية التي جرت في أوروبا فيما بعد للعلماء والمتنورين المتعلمين ، و انتهت إلى إحراق كل من تجرأ على قول كلمة تنويرية أو رأي علمي ، و كانت محاكم التفتيش الرهيبة جزءاً من تلك المحاكمات.

وبعد:
فلقد كان عباس بن فرناس موسوعياً، نسيج وحده في العلم والفن والأدب، والمخترع الأول للدبابة، والقنبلة الكيماوية، وقلم الحبر، والساعة مثلما كان أول رائد طيران في التاريخ، وقد أسهم في التهيئة لعصور جديدة من النهضة الفكرية والعلمية في إطار الحضارة الإسلامية وتحت راية وحماية الإسلام للإبداع والمبدعين.






المراجع :
مجلة الإعجاز العلمي

http://www.islamonline.net/iol-arabi...29/scince6.asp
http://www.nozhanet.net/reyadaljanna...gust/olama.htm
http://jmuslim.naseej.com/Detail.asp?InNewsItemID=58416
_م ن ق و ل _