السلام عليكم
هذا موضوع أثير في السابق ويثار في ايامنا هذه...وقد قرأت عدة مقالات لكل من الطرفين (مؤيد معارض)...والحجة التي يراها المعارضون لأمية النبي ويدورون حولها هي كيف يكون النبي عليه السلام أميًا ففي هذه منقصة وعيب...والحق أن الأمية في حق سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام شرفًا وتعظيمًا ورفعة وفي حق غيره عيب ونقصان.
والأميّة وصف خص الله به من رسله محمداً، إتماماً للإعجاز العلمي العقلي الذي أيده الله به، فجعل الأمية وصفاً ذاتياً له، ليتم بها وصفه الذاتي وهو الرسالة، ليظهر أن كماله النفساني كمالٌ لدُنّي إلهي، لا واسطة فيه للأسباب المتعارفة للكمالات، وبذلك كانت الأمية وصف كمال فيه، مع أنها في غيره وصف نقصان، لأنه لمّا حصل له من المعرفة وسداد العقل ما لا يحتمل الخطأ في كل نواحي معرفة الكمالات الحق، وكان على يقين من علمه، وبينة من أمره، ما هو أعظم مما حصل للمتعلمين، صارت أميته آية على كون ما حصل له إنّما هو من فيوضات إلهية.
وقبل خوض غمار هذا الموضوع من الواجب بيان معنى الأمي ونعت قوم بها أوأفراد...
وهذا ملخص ما جاء في المعاجم من معنى لفظة أمي:
1.الأمي: الذي لا يعرف الكتابة والقراءة، قيل هو منسوب إلى الأم أي هو أشبه بأمه منه بأبيه، لأن النساء في العرب ما كُنّ يعرفن القراءة والكتابة، وما تعلمْنها إلاّ في الإسلام، فصار تعلم القراءة والكتابة من شعار الحرائر دون الإماء كما قال عُبيْد الراعي، وهو إسلامي:

أما الرجال ففيهم من يقرأ ويكتب.
2. منسوب إلى الأمّة أي الذي حاله حال معظم الأمة، أي الأمة المعهودة عندهم وهي العربية، وكانوا في الجاهلية لا يعرف منهم القراءة والكتابة إلاّ النادر منهم، ولذلك يصفهم أهلُ الكتاب بالأُمييّن، لما حكى الله تعالى عنهم في قوله:{ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأُميين سبيل }
في آل عمران (75).
3.ومن معانيها:العَيُّ الجِلف الجافي القليل الكلام .
4.ومن معانيها على أطلاق الجمع:الأمة التي لم ينزل عليها كتاب من عند الله,واليهود اطلققوها على العرب لعدم نزول كتاب سماوي عليهم.
هذه هي معاني الأمي والأميين.
والآيات التي جاءت في القرآن الكريم وورد هذا النعت على صنفين:الأول بصيغة الجمع ,والثاني بصيغة المفرد وفي حق سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.
الآيات من الصنف الأول:
1."فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ",آل عمران20.
2."وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ "آل عمران 75.
3."هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
"لجمعة2.
هذه هي الآيات الوارد فيها صفة الأميين على الجمع...ومعنى أميين هنا هو القوم الذي لا كتاب سماوي له ولم ينزل عليهم كتب من عند الله,لأنه ليس من العقل أن نصف قومًا بالأمية بمعنى عدم القراءة والكتابة,كما لاجوز عقلًا ان نصف قومًا أنهم موتى ,فنقول قوم ميت لأنها من الصفات الفردية ,فعند أطلاق مثل هذا الصفات يخصص او يبعض المقصود كما فيقوله تعالى في سورة البقرة:"وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ",هنا "وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ " أي بعضهم وليس كلهم وعقب بقوله تعالى مبينًا حالهم" لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ "...قال الرازي:"المسألة الأولى: اختلفوا في الأمي فقال بعضهم هو من لا يقر بكتاب ولا برسول. وقال آخرون: من لا يحسن الكتابة والقراءة وهذا الثاني أصوب لأن الآية في اليهود وكانوا مقرين بالكتاب والرسول ولأنه عليه الصلاة والسلام قال: " نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " وذلك يدل على هذا القول، ولأن قوله: { لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } لا يليق إلا بذلك.
وأما الآيات الوارد فيها لفظ أمي بصيغة المفرد:
1."الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }الأعراف157
2."قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }الأعراف158
في هاتين لآيتين وصف الله سبحانه وتعالى رسولنا الكريم أنه أمي,وهذه صفته أي أمي ومن بعد إستعراض معاني الأمي يتضح لنا أن المقصود من هذه للفظة في حق سيدنا محمد عليه الصلا ة والسلام هو أنه لا يعرف القراءة ولا الكتابة,فهي صفة ونعت لفرد ويمكن أن تجعل هذه الصفات لفرد لظهورها فيه,فسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام كان أميًا لم يخط بيمينه ولم يقرأ كتابًا.
كما يلاحظ أن الله سبحانه وتعالى قد كرر ثلاثة صفات في الآيتين: انه رسول ونبي وأمي,وهذا التكرار ما هو إلا تأكيدًا على أن هذه الصفات فيه,فهو رسول أرسله الله ونبي بعثه الله وأمي لا يعرف القراءة والكتابة.يقول الله تعالى في سورة العنكبوت:"وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ".قال إبن عاشور في تفسيره هذه الآية:"ومعنى: { ما كنت تتلو من قبله من كتاب } أنك لم تكن تقرأ كتاباً حتى يقول أحد: هذا القرآن الذي جاء به هو مما كان يتلوه من قبل.
و { لا تَخُطُّهُ } أي لا تكتب كتاباً ولو كنت لا تتلوه، فالمقصود نفي حالتي التعلم، وهما التعلم بالقراءة والتعلّم بالكتابة استقصاء في تحقيق وصف الأمية فإن الذي يحفظ كتاباً ولا يعرف يكتب لا يُعدّ أمياً كالعلماء العمي، والذي يستطيع أن يكتب ما يُلقى إليه ولا يحفظ علماً لا يُعدّ أمياً مثل النُسَّاخ فبانتفاء التلاوة والخط تحقق وصف الأمية.اهـ
وهذا كلام متين ,فالله سبحانه وتعالى نفى أن يكون رسولنا الكريم قارئًا كما ونفى أن يكون كاتبًا...وفي هذه حجة دامغة على إثبات وتحقق وصف الأمية.
ومن الأدلة التي يستدل بها القائلون بعدم أميته ..قول الله تعالى في سورة العلق:"ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ "..فيقولون أنه من العبث أن يطلب الله من أحد أن يفعل ما هو ليس به...وكلامهم هذا يدل على عدم الإلمام بمعنى كلمة إقرأ...قال إبن عاشور:"وافتتاح السورة بكلمة { اقرأ } إيذان بأن رسول الله سيكون قارئاً، أي تالياً كتاباً بعد أن لم يكن قد تلا كتاباً :{ وما كنت تتلوا من قبله من كتاب }[العنكبوت: 48]، أي من قبل نزول القرآن، ولهذا " قال النبي لجبريل حين قال له اقرأ: «ما أنا بقارىء» "
وفي هذا الافتتاح براعة استهلال للقرآن.
وقوله تعالى: { اقرأ } أمر بالقراءة، والقراءة نطق بكلام معيَّن مكتوبٍ أو محفوظٍ على ظهر قلب.اهـ
ويدل عليه قول الله تعالى:"فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللَّه من الشيطان الرجيم ",فليس كل من يقرأ يجب عليه ان يقرأ من الكتاب..بل يمكن أن يقرأ من ذاكرته,ونحن في صلاتنا نقرأ القرآن دون النظر في الكتاب.
ومن أستدلالتهم ما ورد في قول رسول الله وجعه يوم الخميس ، فقال : ( ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ) . فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : هجر رسول الله ؟ قال : ( دعوني ، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه ) . وأوصى عند موته بثلاث : ( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ) . ونسيت الثالثة.
فهذا لا يدل على أنه كتب بيده,فمن عادة الرؤساء أن يقولوا أتونا أكتب لكم قانونًا أو وصية على المجاز أي بامره أن يكنب كاتبه اوغيره,والله سبحانه وتعالى إستعمل هذا الأسلوب, يقول الله تعالى:"وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ"...هل هنا قام الله عز وجل بكتابة الحسنات أو الملائكة...طبعًا الملائكة...وسياق الحديث من مثاله.
ثم أن زيد بن ثابت قال : فقدت آية من سورة كنت أسمع رسول الله يقرؤها : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه } [ الأحزاب : 23 ] فالتمستها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة فألحقتها في سورتها . قال الزهري : فاختلفوا يومئذ في التابوت والتابوه ، فقال القرشيون : التابوت وقال زيد : التابوه ، فرفع اختلافهم إلى عثمان فقال : اكتبوه التابوت ، فإنه نزل بلسان قريش ، قال الزهري : فأخبرني عبد الله بن عبد الله عتبة أن عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف ، وقال : يا معشر المسلمين ، أعزل عن نسخ كتابة المصاحف ، ويتولاها رجل ، والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر يريد زيد بن ثابت ولذلك قال عبد الله بن مسعود : يا أهل القرآن اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها ، فإن الله يقول : { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } [ آل عمران : 161 ] فالقوا الله بالمصاحف ، قال الزهري : فبلغني أن ذلك كرهه من مقالة ابن مسعود رجال من أصحاب رسول الله .أهـ
هنا ظهر الإختلاف في الكتابة,فلو كان سيدنا محمد يعرف القراءة والكتابة لكان لاحظها او كتبها بصورة صحيحة