ليس هذا ابني، إنه شخص آخر غير التي ربيته في حضني، إنه فتى هائج مائج، رافض، متمرد على أبيه و أمه و أسرته، و وضعه المادي و الاجتماعي، رأيه فقط الصواب، و كل ما سواه خطأ و تخلف و رجعية و «خنقة».
شكوى تتردد على ألسنة العديد من الأمهات و الآباء بعدما كبر الصغير، و أصبح فتى يافعًا، و بدأ ينسلخ من طفولته، و يحاول أن يثبت أنه رجل.
إنها رحلة المراهقة، تلك الرحل الفاصلة بين حياة الطفولة و حياة النضج، بين مرحلة الاعتماد على الغير، و الاستقلال بالنفس، بين الحياة في كنف الأسرة، و التطلع إلى حياة يصوغها المرء بنفسه لنفسه، و كل مرحلة انتقال مرحلة حرجة، و فى أكثر الأحيان يتضافر الجهل، و سوء الفهم على جعل مرحلة المراهقة أزمة تهدد المراهق والمسئولين عنه بخطر جسيم.
فكيف نتعامل مع المراهق حتى يعبر ونعبر هذه المرحلة بسلام؟
طبيعة المرحلة
يقول د. سبوك - الخبير التربوي الشهير - إن عيبنا جميعًا هو أننا ننظر إلى المراهقة على أنها فترة مرضية، و لا ننظر إليها كمرحلة طبيعية مر بها كل واحد منا.
إن المراهق إنسان يبحث عن النضج، و مهمتنا هي توضيح الطريق و الإرشاد، فالمراهق يحتاج إلى إرشادنا و يتمناه، بشرط أن نقدمه له بصداقة.
فبينما يرى الوالدان أن الأبناء ينقصهم الخبرة، و يحتاجون إلى الإرشاد و التوجيه، يرى الأبناء أن إرشاد الوالدين هو نوع من السيطرة مهما كان هذا الإرشاد ضروريًا، و يقع بعض الآباء في الخطأ عندما يتشددون في بعض الأمور، و يتساهلون في بعض الأمور دون منطق ما، و هكذا يجد الشاب ما يبرر له اتهام الآباء بعدم المعقولية في النصح.
فما أن يبدأ الطفل ولوج سن المراهقة حتى نفاجأ - نحن الآباء و الأمهات - بأنه يقدم لنا أكثر من طلب يومي بإعتباره كائنًا مستقلاً له كرامة، و أنه جدير بذلك، و أن الاستقلال حق له، و أن احترامه و توفير ما يريده مسألة مقدسة.
إنه يقدم لنا هذه «المفاجأة» يوميًا و كل لحظة، و لا يمكن أن يتنازل عنها، إن إنسانًا تحت العشرين يصر على الحرية و الاستقلال، لا بد أن يناقش و يفاوض و يحارب على جبهتين في وقت واحد: الجبهة الأولى هي جبهة عدم استقراره وتخلخل ثقته بنفسه وتردده، والمخاوف التي تملأ أعماقه، و الجبهة الثانية هي الكبار الذين يتصدون لرغبته في إثبات ذاته و استقلاليته.
تطور ذهنى وجسدى
وتوضح الدكتورة ويتا مرهج - أستاذة علم النفس في الجامعة الأمريكية ببيروت - في كتابها «أولادنا من الولادة حتى المراهقة» أن تطورًا فكريًا جوهريًا يطرأ على المراهق، كما يطرأ عليه تغيرات جسدية عديدة، مما يؤثر على تصرفاته، ويجب على الأهل ألا يسيئوا فهم هذه التصرفات التي قد تبدو في معظمها سلبية ومزعجة، بل أن يفهموها في إطار افتقار المراهق للخبرة الكافية في التعامل مع التغيرات الجديدة التي تطرأ عليه، ومن أهم التصرفات التي تلاحظ على المراهق:
1 - الجدل والمناقشة:
بعدما كان صغيرًا يسمع «الكلام»، ويقتنع بكل ما يقال له أصبح الآن مناقشًا، ينظم الأفكار وكأنه محام يدافع عن قضية، فلا يكتفي بجواب بسيط ومباشر لأسئلته، بل يريد ألف حجة، وغالبًا لا يقتنع بها، بل يناقضها جميعًا، بل أحيانًا يناقش فقط للمناقشة، وعلى الأهل أن يدركوا أنه طالما بقيت هذه المناقشات مركزه على موضوع الحوار مع الوالدين أو أحدهما و لا تنتهي بشجار أو عراك، يؤذى كلا الطرفين، فإنها تسهم في الإسراع بعملية التطور عند الشاب أو الفتاة، فمن خلال هذه المناقشات للقوانين والقيم العائلية، يصبح المراهق أكثر إدراكًا لهذه القيم ولأسباب وجودها، ويتبنى الكثير منها لاحقًا فى حياته.
2 - التمحور حول الذات:
يهتم المراهق بشكل مبالغ فيه بأفكاره، ومظهره، وتصرفاته، وكأنه دومًا على خشبة المسرح، مقتنعًا بأنه محط أنظار واهتمام الجميع، ومن هنا يمضى الوقت الطويل في استكشاف نفسه في الحمام، وأمام المرآة، متخيلاً أن كل شخص في محيطه يرقبه بحذر، وهذا يفسر سر تأثره بانتقادات الآخرين، وظهور الخجل الشديد في بعض الظروف الاجتماعية، ولذلك فإن أية ملاحظة سلبية من قبل والديه أو معلميه، أو حتى الأصدقاء تؤلمه بشدة، لذلك ننصح الأهل بأخذ ذلك بعين الاعتبار، وعدم توجيه اللوم أو الانتقاد اللاذع للابن المراهق أمام الآخرين، بل التحدث معه على انفراد بتروٍ وصراحة.
ويشعر المراهق أيضًا بأهميته المتزايدة، فهو مميز وفريد، ويستطيع أنت يرى نفسه في أعلى قمم المجد، كما في أدنى مستويات اليأس، وهذا يفسر طموحات المراهقين التي تتناقض مع الحياة العائلية الاعتيادية الروتينية والمملة بنظرهم، و التي لا يوجد بها من يحس بهم أو يفهمهم.
المثالية والنقد
مثالية المراهق تجعله يبنى تطلعات سامية إلى عالم كامل من دون ظلم ولا بؤس، ثم يصر على أن يطابق الواقع مع هذا العالم المثالي، لذلك لا يتحمل تفاعلات الحياة اليومية، وهذا ما نسميه الفجوة بين الأجيال: جيل الوالدين وجيل المراهق، وهذه الفجوة تخلق الكثير من التوتر في العائلة، فيصبح الفتى دائم النقد لأهله وإخوته الذين لا يطابقون العائلة المثالية التي يحلم بها.
إن كل الملاحظات المؤلمة التي يوجهها المراهق لأهله قد تبدو بغيضة وغير مناسبة، ولكنها لها محاسن على المدى البعيد؛ حيث يتعلم المراهق أن للناس حوله نقاط ضعف ومواطن قوة.
فعلى الأهل مساعدة أولادهم فى صياغة توازن أكبر بين المثالي و الواقعي، ويتم ذلك من خلال تحملهم الصبور لهذه الانتقادات مهما كانت لاذعة، وتذكيرهم بأن كل الناس ومنهم هؤلاء الأولاد هم مزيج من الفضائل و النواقص.
الحيرة أمام البدائل
يصبح المراهق أكثر قدرة على تنظيم وقته، وتحديد أولوياته عما قبل، ولكن هذه القدرة تظل فقط قاصرة على المجال الفكري، ولا تمتد إلى أمور الحياة اليومية؛ إذ إن المراهق يبدو ضائعًا حائرًا مترددًا أمام كل الخيارات المتوفرة أمامه، فمثلاً فتاة في الثانية عشرة من عمرها نراها كل صباح قبل أن تخرج تجرب خمسة أو ستة ملابس، وبالطبع لا ترجع أي منها إلى الخزانة، وقد تستشير والدتها، ولكن لا تأخذ برأيها أبدًا، وفى النهاية تعود وتختار اللباس الذي ارتدته بالأمس وقبل الأمس.. و هكذا.
وترتبط نسبة نجاح المراهقين في دراستهم بمجموعة من العوامل الشخصية والاجتماعية، فالبيئة العائلية السليمة، ونوعية المدرسة التي يرتادها الولد تساعد على حفز الخصائص الإيجابية مثل الرغبة في النجاح والطموح.
فقد أكدت الدراسات أن التفوق الدراسي مرتبط بنمط تربوي متفتح يفرض السلطة في المنزل دون تشنج أو تصلب بالمواقف، ويوفر العطف والحنان، والتفهم للأولاد مع منحهم الفرص الملائمة للنضوج والتعبير.
وبالمقابل يؤدى الأسلوب التربوي المتسلط جدًا، وكذلك المتسامح جدًا إلى تأخر المراهق دراسيًا، أما الأسلوب المتقلب بين التسامح والتسلط، فيؤدى إلى أدنى مستويات الإنجاز المدرسي.
حماية بدون تسلط
ويتفق الخبيران التربويان د. سبوك، ود. ريتاوهج على أنه برغم حاجة المراهق إلى الحرية ليختبر الحياة، فإنه بحاجة دائمة إلى الإرشاد والحماية، فالتربية الفعالة في البيت تؤمن للمراهق الانتقال السلس من الارتباط الوطيد الآمن بالأهل إلى الانفصال عنهم، وكل الدراسات تشير إلى أن الجو الدافئ والمتقبل داخل الأسرة، مع الإرشاد الحكيم غير المتسلط يؤديان إلى مراهقة متوازنة ومتكيفة.
ومن الطبيعي جدًا أن يمر الفتى بمرحلة ينظر فيها إلى والديه باعتبارهما مثاله الأعلى، بل يصبحان مجرد أناس مثل بقية الناس، وعندما يحدث ذلك نلاحظ أن الخضوع لسلطة الوالدين يخف بشكل ملحوظ، وهكذا تنشأ الاحتكاكات السلبية والتشنجات بين الأهل والولد، وهى ناتجة عن اختلاف جذري في وجهات النظر، فالوالدان يتطلعان إلى أمور عديدة (مثل: ترتيب الغرفة أو تحديد موعود العودة، أو تأدية الواجبات المدرسية) كأمور ذات أهمية مشتركة لكل الأسر، بينما ينظر إليها المراهق كأمور شخصية بحتة لا يحق لأحد أن يتدخل فيها.
وينصحان كل أبوين بما يضمن لهما تعاملاً ناجحًا مع الابن المراهق وهذه النصائح هي:
- أن يحرص الوالدان على احترام مبدأ القرار المشترك مع أبنائهما ويعملا بشكل تدريجي يتلاءم مع عمر الولد على السماح له بالمزيد من الاستقلالية.
- المناقشة المفتوحة مع الأبناء، و التي تمزج بين التفهم من جهة وصلابة الموقف من جهة أخرى، مما يجعل المراهق يشعر بأن آراءه مهمة ومقدرة، ويشجع التفكير البناء وضبط النفس.
- إشراف الوالدين بشكل دقيق على إنجازات أولادهم المدرسين وبناء علاقات مع المدرسين والمدرسة.
إن المراهق عندما يوشك على تخطى سنى المراهقة يحاول أن يؤكد الاستقلال، إنه يريد أن ينعزل عن عالم الجيل القديم، وأن يؤكد قيم الجيل الجديد من تسريحة الشعر، ومن أزياء الملابس، و يغرق في الهوايات، ويمارس الطريق إلى النضج.
والمهم هو فهم حقيقة أساسية هي أن المراهق يحتاج إلى التوجيه والصداقة، وأن نرسم معه الحدود، وأن نحاول دائمًا تشجيعه على النجاح والانطلاق، فلا داعى للارتباك أو الخوف أو اليأس، و لكن المطلوب هو الكثير من الفهم، والكثير من الصبر لنقتل اليأس، ونستقبل بالثقة مستقبل الأبناء.