ان الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وبعد:

فإن الكذب من مساوئ الأخلاق، وبالتحذير منه جاءت الشرائع، وعليه اتفقت الفِطر، و به يقول أصحاب المروءة والعقول السليمة. و"الصدق أحد أركان بقاء العالم.. وهو أصل المحمودات، وركن النبوات، ونتيجة التقوى، ولولاه لبطلت أحكام الشرائع، والاتصاف بالكذب: انسلاخ من الإنسانية لخصوصية الإنسان بالنطق."

وفي شرعنا الحنيف جاء التحذير منه في الكتاب والسنة، وعلى تحريمه وقع الإجماع، وكان للكاذب عاقبة غير حميدة إن في الدنيا وإن في الآخرة. ولم يأت في الشرع جواز "الكذب" إلا في أمورٍ معينة لا يترتب عليها أكل حقوق، ولا سفك دماء، ولا طعن في أعراض...الخ، بل هذه المواضع فيها إنقاذ للنفس أو إصلاح بين اثنين، أو مودة بين زوجين.

ولم يأت في الشريعة يومٌ أو لحظة يجوز أن يكذب فيها المرء ويخبر بها ما يشاء من الأقوال، ومما انتشر بين عامة الناس ما يسمى " كذبة نيسان" أو "كذبة أبريل" وهي: زعمهم أن اليوم الأول من الشهر الرابع الشمسي- نيسان- يجوز فيه الكذب من غير ضابط شرعي.

تحريم الكذب :
وقال تعالى : { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون} [ النحل / 105 ] . وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان . رواه البخاري ( 33 ) و مسلم ( 59 ) .

وأشنع الكذب :

1.الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم:
قال تعالى : { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون }. وعن علي رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تكذبوا عليَّ ؛ فإنه من كذب علي فليلج النار". رواه البخاري ( 106 ) .

2. الكذب في البيع والشراء:
عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا - أو قال : حتى يتفرقا - فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما ، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما " . رواه البخاري ( 1973 ) ومسلم ( 532 ) .

3. تحريم الكذب في الرؤيا والحلم:
وهو ما يدَّعيه بعضهم أنه رأى في منامه كذا وهم غير صادق، ثم يصبح يقص على الناس ما لم ير. عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من تحلَّم بحلم لم يره كلِّف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل ، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون - أو يفرون منه - صُب في أذنه الآنُك يوم القيامة ، ومن صوَّر صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ " . رواه البخاري ( 6635 ) .

4. تحريم التحدث بكل ما يسمع:
عن حفص بن عاصم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كفى بالمرء كذباً أن يحدِّث بكل ما سمع " . رواه مسلم ( 5 ) .

5. الكذب في المزاح :
ويظن بعض الناس أنه يحل له الكذب إذا كان مازحاً، وهو العذر الذي يتعذرون به في كذبهم في أول " نيسان" أو في غيره من الأيام، وهذا خطأ، ولا أصل لذلك في الشرع المطهَّر، والكذب حرام مازحاً كان صاحبه أو جادّاً. الكذب في المزاح حرام كالكذب في غيره .

6. الكذب في ملاعبة الصبيان:
ينبغي الحذر من الكذب في ملاعبة الصبيان فإنه يكتب على صاحبه، وقد حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه قال : دعتني أمي يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا فقالت: ها تعال أعطيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "وما أردت أن تعطيه؟ " قالت : أعطيه تمراً، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أما إنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة".

7. الكذب للإضحاك :
عن معاوية بن حيدة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له. رواه الترمذي ( 235 ) وقال : هذا حديث حسن، وأبو داود ( 4990 ) .

عاقبة الكذب :
وقد تُوعِّد الكاذب بعقوبات دنيوية مهلكة، وبعقوبات أخروية مخزية، ومنها :

1. النفاق في القلب:
قال تعالى : { فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } [ التوبة / 77 ] .

2. الهداية إلى الفجور وإلى النار:
عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الصدق بر، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن العبد ليتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدِّيقا ، وإن الكذب فجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن العبد ليتحرى الكذب حتى يكتب كذاباً ". رواه البخاري ( 5743 ) ومسلم ( 2607 ) .

3. رد شهادته:
قال ابن القيم : وأقوى الأسباب في رد الشهادة والفتيا والرواية : الكذب؛ لأنه فساد في نفس آلة الشهادة والفتيا والرواية، فهو بمثابة شهادة الأعمى على رؤية الهلال، وشهادة الأصم الذي لا يسمع على إقرار المقر؛ فإن اللسان الكذوب بمنـزلة العضو الذي قد تعطل نفعه، بل هو شر منه، فشر ما في المرء لسان كذوب. "أعلام الموقعين" ( 1 / 95 ) .

4. سواد الوجه في الدنيا والآخرة:
قال تعالى :{ ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } [الزمر/60] .

أقوال السلف في الكذب :
قال عبد الله بن مسعود : إن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى ما يكون للفجور في قلبه موضع إبرة يستقر فيه ، وإنه ليكذب ويتحرى الكذب حتى ما يكون للصدق في قلبه موضع إبرة يستقر فيه .

وقال أبو بكر الصدِّيق : إياكم والكذب فإنه مجانب الإيمان .

وقال سعد بن أبي وقاص : المؤمن يطبع على الخلال كلها غير الخيانة والكذب .

وقال عمر رضي الله عنه : لا تبلغ حقيقة الإيمان حتى تدع الكذب في المزاح .

الكذب الجائز:
ويكون في مواضع ثلاثة : الحرب ، للإصلاح بين المتخاصِمين ، وكذب الزوج على زوجته والعكس لأجل المودة وعدم الشقاق.
عن أسماء بنت يزيد قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يحل الكذب إلا في ثلاث : يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس" . رواه الترمذي ( 1939 )، و حسنه الشيخ الألباني في "صحيح الجامع" ( 7723 )