رسالة في السياسة


عرّفت السياسة بأنّها رعاية شؤون الناس وتدبير أمرهم، وقد أخذ هذا التعريف من واقع السياسة عند البشر قاطبة، ومن نصوص كثيرة تدلّ عليه، منها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن ابن عمر: «كلّكم راع فمسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته...».

ورعاية شؤون الناس تكون بالوقوف على مشاكلهم ومعالجتها، وبتدبير شتى أمورهم الدنيوية، وبالسعي إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم من جلب مصلحة لهم ودرء مفسدة عنهم، وبضمان أمنهم ودفع العدو عنهم، وبتوفير الحاجات الأساسية لهم من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، وهو أقلّ ما يضمن لهم كرامة إنسانية.



واعلم، أن ليس الغرض في هذا المقام التطرّق إلى مفهوم السياسة وبحثه، إنما الغرض هنا التوطئة لرسالة قلّ نظيرها، تتعلّق بأمور الحكم والسياسة أرسلها طاهر بن الحسين لابنه عبد الله بن طاهر لما ولاه المأمون الرّقة ومصر وما بينهما، حوت من الحكم والنصائح ما لو أخذ به في الحكم والسياسة لكفى، إذ بيّنت حقيقة الرعاية من منظور إسلامي، ووضحت واقع السياسة الشرعية وما يجب على الحاكم التّحلي به في أمر تدبير الشؤون. وقد أورد ابن خلدون الرسالة في مقدّمته (الفصل الحادي والخمسون، ص338، دار الأرقم، لبنان) وقدّم لها بقوله: "ومن أحسن ما كتب في ذلك وأودع كتاب طاهر بن الحسين لابنه عبد الله بن طاهر لما ولاه المأمون الرّقة ومصر وما بينهما. فكتب إليه أبوه طاهر كتابه المشهور عهد إليه فيه، ووصاه بجميع ما يحتاج إليه في دولته وسلطانه من الآداب الدينية والخلقية والسياسة الشرعية والملوكية، وحثه على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم بما لا يستغني عنه ملك ولا سوقة". وبعد أن ساق الرسالة ختم الكلام بقوله (ص346): "وحدث الإخباريون أن هذا الكتاب لما ظهر وشاع أمره أعجب به الناس، واتصل بالمأمون فلما قرئ عليه قال: ما أبقى أبو الطيب يعني طاهراً شيئا من أمور الدنيا والدين، والتدبير والرأي والسياسة وصلاح الملك والرعية وحفظ السلطان وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه وأوصى به، ثم أمر المأمون فكتب به إلى جميع العمال في النواحي ليقتدوا به ويعملوا بما فيه. هذا أحسن ما وقفت عليه في هذه السياسة. والله أعلم".

فهي إذن رسالة راقية تستحقّ منّا القراءة المتأنية من أجل الوقوف على معانيها السامية، وها نحن نضعها كاملة بين يدي القرّاء الكرام لعلّها تثير فكرا أو تحرّك شعورا لدى قارئها فيقارن بين ما يجب أن يكون وبين ما هو كائن.



نصّ الرسالة (الكتاب):

بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له وخشيته ومراقبته عز وجل ومزايلة سخطه. واحفظ رعيتك في الليل و النهار، والزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك وما أنت صائر إليه وموقوف عليه ومسئول عنه، والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله عز وجل و ينجيك يوم القيامة من عقابه وأليم عذابه؛ فإن الله سبحانه قد أحسن إليك وأوجب الرأفة عليك بمن استرعاك أمرهم من عباده وألزمك العدل فيهم والقيام بحقه وحدوده عليهم والذب عنهم والدفع عن حريمهم ومنصبهم والحقن لدمائهم والأمن لسربهم وإدخال الراحة عليهم، ومؤاخذك بما فرض عليك وموقفك عليه وسائلك عنه ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت. ففرّغ لذلك فهمك وعقلك وبصرك ولا يشغلك عنه شاغل، و أنه رأس أمرك و ملاك شأنك وأول ما يوقعك الله عليه. وليكن أول ما تلزم به نفسك وتنسب إليه فعلك المواظبة على ما فرض الله عز وجل عليك من الصلوات الخمس و الجماعة عليها بالناس قبلك، وتوقعها على سننها من إسباغ الوضوء لها وافتتاح ذكر الله عز وجل فيها ورتل في قراءتك وتمكن في ركوعك و سجودك و تشهدك ولتصرف فيه رأيك ونيتك و احضض عليه جماعة ممن معك و تحت يدك و ادأب عليها فإنها كما قال الله عز وجل {تنهى عن الفحشاء و المنكر}.

ثم اتبع ذلك بالأخذ بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم و المثابرة على خلائقه و اقتفاء أثر السلف الصالح من بعده، و إذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة الله عز وجل وتقواه وبلزوم ما أنزل الله عز وجل في كتابه من أمره و نهيه وحلاله وحرامه و ائتمام ما جاءت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قم فيه بالحق لله عز وجل، ولا تميلنّ عن العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس أو لبعيد.

وآثر الفقه و أهله و الدين وحملته وكتاب الله عز وجل والعاملين به فإن أفضل ما يتزين به المرء الفقه في الدين والطلب له و الحث عليه والمعرفة بما يتقرب به إلى الله عز وجل؛ فإنه الدليل على الخير كله والقائد إليه والآمر والناهي عن المعاصي الموبقات كلها. ومع توفيق الله عز وجل يزداد المرء معرفة و إجلالاً له و دركاً للدرجات العلى في المعاد مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك و الهيبة لسلطانك و الأنسة بك و الثقة بعدلك.

وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها، فليس شيء أبين نفعاً و لا أخص أمناً و لا أجمع فضلاً منه. والقصد داعية إلى الرشد و الرشد دليل على التوفيق و التوفيق قائد إلى السعادة وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد فآثره في دنياك كلها.

ولا تقصر في طلب الآخرة والأجر والأعمال الصالحة والسنن المعروفة ومعالم الرشد والإعانة والاستكثار من البر والسعي له إذا كان يطلب به وجه الله تعالى و مرضاته ومرافقة أولياء الله في دار كرامته. واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز ويمحص من الذنوب و أنك لن تحوط نفسك من قائل ولا تنصلح أمورك بأفضل منه، فأته واهتد به تتم أمورك وتزد مقدرتك وتصلح عامتك وخاصتك. وأحسن ظنك بالله عز وجل تستقيم لك رعيتك والتمس الوسيلة إليه في الأمور كلها تستدم به النعمة عليك.

ولا تتهمن أحداً من الناس فيما توليه من عملك قبل أن تكشف أمره فإن إيقاع التهم بالبراء و الظنون السيئة بهم آثم إثم. فاجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك واطرد عنك سوء الظن بهم، و ارفضه فيهم يعنك ذلك على استطاعتهم ورياضتهم. ولا تتخذن عدو الله الشيطان في أمرك معمدا؛ فإنه يكتفي بالقليل من وهنك ويدخل عليك من الغم بسوء الظن بهم ما ينقص لذاذة عيشك. و اعلم أنك تجد بحسن الظن قوة وراحة، و تكتفي به ما أحببت كفايته من أمورك و تدعو به الناس إلى محبتك و الاستقامة في الأمور كلها. و لا يمنعك حسن الظن بأصحابك والرأفة برعيتك أن تستعمل المسألة البحث عن أمورك. والمباشرة لأمور الأولياء وحياطة الرعية والنظر في حوائجهم و حمل مؤوناتهم أيسر عندك مما سوى ذلك فإنه أقوم للدين وأحيى للسنة.

وأخلص نيتك في جميع هذا و تفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم أنه مسئول عما صنع و مجزي بما أحسن و مؤاخذ بما أساء؛ فإن الله عز وجل جعل الدين حرزاً و عزاً و رفع من اتبعه و عزّزه.

واسلك بمن تسوسه و ترعاه نهج الدين و طريقة الأهدى. وأقم حدود الله تعالى في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه ولا تعطل ذلك ولا تتهاون به ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة فإن في تفريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك. واعتزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة وجانب البدع والشبهات يسلم لك دينك وتتم لك مروءتك.

وإذا عاهدت عهداً فأوف به و إذا وعدت الخير فأنجزه. واقبل الحسنة وادفع بها، و اغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الكذب والزور، و أبغض أهل النميمة، فإن أول فساد أمورك في عاجلها وآجلها، تقريب الكذوب، و الجراءة على الكذب؛ لأن الكذب رأس المآثم، و الزور و النميمة خاتمتها، لأن النميمة لا يسلم صاحبها وقائلها لا يسلم له صاحب ولا يستقيم له أمر. وأحبب أهل الصلاح و الصدق، و أعز الأشراف بالحق، و أعن الضعفاء، وصل الرحم، و ابتغ بذلك وجه الله تعالى وإعزاز أمره، والتمس فيه ثوابه و الدار الآخرة. واجتنب سوء الأهواء و الجور، و اصرف عنهما رأيك و أظهر براءتك من ذلك لرعيتك. وأنعم بالعدل سياستهم وقم بالحق فيهم، وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى. واملك نفسك عند الغضب، و آثر الحلم والوقار، وإياك والحدة و الطيش و الغرور فيما أنت بسبيله.

وإياك أن تقول أنا مسلط أفعل ما أشاء؛ فإن ذلك سريع إلى نقص الرأي وقلة اليقين بالله عز وجل و أخلص لله وحده النية فيه واليقين به. و اعلم أن الملك لله سبحانه وتعالى يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء. ولن تجد تغير النعمة وحلول النقمة على أحد أسرع منه إلى جهلة النعمة من أصحاب السلطان، والمبسوط لهم في الدولة إذا كفروا نعم الله وإحسانه واستطالوا بما أعطاهم الله عز وجل من فضله.

ودع عنك شره نفسك ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدخر وتكنز البر والتقوى واستصلاح الرعية وعمارة بلادهم والتفقد لأمورهم والحفظ لدمائهم و الإغاثة لملهوفهم. واعلم أن الأموال إذا اكتنزت ادخرت في الخزائن لا تنمو وإذا كانت في صلاج الرعية وإعطاء حقوقهم وكف الأذية عنهم نمت و زكت وصلحت بها العامة وترتبت بها الولاية وطاب بها الزمان و اعتقد فيها العز والمنفعة. فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله. وفر منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم وأوف من ذلك حصصهم وتعهد ما يصلح أمورهم ومعاشهم؛ فإنك إذا فعلت ذلك قرت النعمة لك واستوجبت المزيد من الله تعالى وكنت بذلك على جباية أموال رعيتك وخراجك أقدر وكان الجميع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتك. وطب نفساً بكل ما أردت، وأجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب وليعظم حقك فيه وإنما يبقى من المال ما أنفق في سبيل الله وفي سبيل حقه. واعرف للشاكرين حقهم وأثبهم عليه وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة فتتهاون بما يحق عليك؛ فإن التهاون يورث التفريط و التفريط يورث البوار. و ليكن عملك لله عز وجل وفيه وارج الثواب منه فإن الله سبحانه قد أسبغ عليك فضله. واعتصم بالشكر وعليه فاعتمد يزدك الله خيراً و حساناً؛ فإن الله عز وجل يثيب بقدر شكر الشاكرين وإحسان المحسنين.

ولا تحقرن ذنباً ولا تمالئن حاسداً ولا ترحمن فاجراً ولا تصلن كفوراً ولا تداهنن عدواً ولا تصدقن نماماً ولا تأمنن غداراً ولا توالين فاسقاً ولا تتبعن غاوياً ولا تحمدن مرائياً ولا تحقرن إنساناً ولا تردن سائلاً فقيراً ولا تحسنن باطلاً ولا تلاحظن مضحكاً ولا تخلفن وعداً ولا تزهون فخراً ولا تظهرن غضباً ولا تباينن رجاءً ولا تمشين مرحاً ولا تزكين سفيها ولا تفرطن في طلب الآخرة ولا ترفع للنمام عيناً ولا تغمضن عن ظالم رهبة منه أو محاباةً ولا تطلبن ثواب الآخرة في الدنيا.

وأكثر مشاورة الفقهاء واستعمل نفسك بالحلم وخذ عن أهل التجارب وذوي العقل والرأي والحكمة. و لا تدخلن في مشورتك أهل الرفه والبخل ولا تسمعن لهم قولاً؛ فإن ضررهم أكثر من نفعهم.

وليس شيء أسرع فساداً لما استقبلت فيه أمر رعيتك من الشح. واعلم أنك إذا كنت حريصاً كنت كثير الأخذ قليل العطية وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلاً؛ فإن رعيتك إنما تعقد على محبتك بالكف عن أموالهم وترك الجور عليهم. ووال من صافاك من أوليائك بالإفضال عليهم وحسن العطية لهم. اجتنب الشح واعلم أنه أول ما عصى الإنسان به ربه وأن العاصي بمنزلة الخزي وهو قول الله عز و جل {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} فسهل طريق الجود بالحق واجعل للمسلمين كلهم من فيئك حظاً ونصيباً و أيقن أن الجود أفضل أعمال العباد، فأعده لنفسك خلقاً وارض به عملاً ومذهباً. وتفقد الجند في دواوينهم ومكاتبهم و أدرّ عليهم أرزاقهم ووسع عليهم في معايشهم يذهب الله عز وجل بذلك فاقتهم فيقوى لك أمرهم وتزيد قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصاً وانشراحاً. وحسب ذي السلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته ذا رحمة في عدله وعطيته وإنصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسعته. فزايل مكروه أحد البابين باستشعار فضيلة الباب الآخر ولزوم العمل به تلق إن شاء الله تعالى نجاحاً وصلاحاً وفلاحاً.

واعلم أن القضاء من الله تعالى بالمكان الذي ليس فوقه شيء من الأمور؛ لأنه ميزان الله الذي تعدل عليه أحوال الناس في الأرض. وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح أحوال الرعية وتؤمن السبل وينتصف المظلوم وتأخذ الناس حقوقهم و تحسن المعيشة يؤدى حق الطاعة ويرزق الله العافية والسلامة ويقيم الدين ويجري السنن والشرائع في مجاريها. واشتدّ في أمر الله عز وجل وتورع عن النطف وامض لإقامة الحدود. وأقلل العجلة وابعد عن الضجر والقلق و اقنع بالقسم وانتفع بتجربتك وانتبه في صحتك واسدد في منطقك وأنصف الخصم وقف عند الشبهة وأبلغ في الحجة ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة و لا مجاملة ولا لومة لائم وتثبت وتأن وراقب وانظر وتفكر وتدبر واعتبر وتواضع لربك وارفق بجميع الرعية وسلط الحق على نفسك ولا تسرعن إلى سفك دم؛ فإن الدماء من الله عز وجل بمكان عظيم فلا تبغ انتهاكاً لها بغير حقها.

وانظر هذا الخراج الذي استقامت عليه الرعية وجعله الله للإسلام عزاً ورفعةً ولأهله توسعة ومنعة ولعدوه كبتاً وغيظاً ولأهل الكفر من معاديهم ذلاً و صغاراً فوزعه بين أصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم ولا تدفعن شيئاً منه عن شريف لشرفه لا عن غني لغناه ولا عن كاتب لك و لا عن أحد من خاصتك ولا حاشيتك و لا تأخذن منه فوق الاحتمال له. ولا تكلف أمراً فيه شطط. واحمل الناس كلهم على أمر الحق فإن ذلك أجمع لإلفتهم وألزم لرضاء العامة.

واعلم أنك جعلت بولايتك خازناً وحافظاً وراعياً وإنما سمي أهل عملك رعيتك لأنك راعيهم وقيمهم. فخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ونفذه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم. واستعمل عليهم أولي الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعلم والعمل بالسياسة والعفاف. ووسع عليهم في الرزق؛ فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت وأسند إليك فلا يشغلك عنه شاغل ولا يصرفك عنه صارف فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الأحدوثة في عملك و استجررت به المحبة من رعيتك وأعنت على الصلاح فدرّت الخيرات ببلدك وفشت العمارة بناحيتك وظهر الخصب في كورك وكثر خراجك وتوفرت أموالك وقويت بذلك على ارتياض جندك وإرضاء العامة بإفاضة العطاء فيهم من نفسك وكنت محمود السياسة مرضي العدل في ذلك عند عدوك وكنت في أمورك كلها ذا عدل و آلة و قوة و عدة. فتنافس فيها ولا تقدم عليها شيئاً تحمد عاقبة أمرك إن شاء الله تعالى.

واجعل في كل كورة من عملك أميناً يخبرك أخبار عمالك ويكتب إليك بسيرهم وأعمالهم حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لأموره كلها. فإن أردت أن تأمرهم بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك فإن رأيت السلامة فيه والعافية و رجوت فيه حسن الدفاع و الصنع فأمضه وإلا فتوقف عنه، وراجع أهل البصر و العلم به ثم خذ فيه عدته فإنه ربما نظر الرجل في أمره و قد أتاه على ما يهوى فأغواه ذلك وأعجبه فإن لم ينظر في عواقبه أهلكه ونقض عليه أمره. فاستعمل الحزم في كل ما أردت و باشره بعد عون الله عز و جل بالقوة. و أكثر من استخارة ربك في جميع أمورك.

وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره لغدك وأكثر مباشرته بنفسك فإن لغد أموراً وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت. و اعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه فإذا أخرت عمله اجتمع عليك عمل يومين فيشغلك ذلك حتى تمرض منه. و إذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت بدنك ونفسك و جمعت أمر سلطانك.

وانظر أحرار الناس وذوي الفضل منهم ممن بلوت صفاء طويتهم وشهدت مودتهم لك ومظاهرتهم بالنصح والمحافظة على أمرك فاستخلصهم و أحسن إليهم. وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة واحتمل مؤونتهم وأصلح حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم منافرا وأفرد نفسك بالنظر في أمور الفقراء والمساكين ومن لا يقدر على رفع مظلمته إليك والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه فسل عنه أحفى مسألة ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك ومرهم برفع حوائجهم وخلالهم إليك لتنظر فيما يصلح الله به أمرهم. وتعاهد ذوي البأساء ويتاماهم وأراملهم واجعل لهم أرزاقاً من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين أعزه الله تعالى في العطف عليهم والصلة لهم ليصلح الله بذلك عيشهم ويرزقك به بركة و زيادة. وأجر للأضراء من بيت المال وقدم حملة القرآن منهم والحافظين لأكثره في الجراية على غيرهم وانصب لمرضى المسلمين دوراً تأويهم وقواماً يرفقون بهم وأطباء يعالجون أسقامهم وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إلى سرف في بيت المال.

واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيهم لم يرضيهم ذلك ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم طمعاً في نيل الزيادة و فضل الرفق منهم. وربما تبرم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه ويشغل ذكره و فكره منها ما يناله به من مؤونة ومشقة. وليس من يرغب في العدل ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الآجل كالذي يستقل ما يقربه إلى الله تعالى وتلتمس به رحمته.

وأكثر الإذن للناس عليك وأرهم وجهك و سكن لهم حواسك واخفض لهم جناحك وأظهر لهم بشرك ولن لهم في المسألة والنطق واعطف عليهم بجودك وفضلك. وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس و التماس للصنيعة والأجر من غير تكدير ولا امتنان؛ فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله تعالى.

واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى قبلك من أهل السلطان والرياسة في القرون الخالية و الأمم البائدة. ثم اعتصم في أحوالك كلها بالله سبحانه وتعالى والوقوف عند محبته والعمل بشريعته وسنته وبإقامة دينه وكتابه واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ودعا إلى سخط الله عز وجل.

واعرف ما يجمع عمالك من الأموال وما ينفقون منها ولا تجمع حراماً ولا تنفق إسرافاً.

وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم وليكن هواك إتباع السنن وإقامتها و إيثار مكارم الأخلاق ومعاليها وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيبا فيك لم تمنعه هيبتك عن إنهاء ذلك إليك في ستر، وإعلامك بما فيه من النقص؛ فإن أولئك أنصح أوليائك و مظاهريك.

وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتاً يدخل فيه بكتبه ومؤامراته وما عنده من حوائج عمالك وأمور الدولة ورعيتك. ثم فرغ لما يورد عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك وكرر النظر فيه والتدبر له فما كان موافقاً للحق والحزم فأمضه واستخر الله عز وجل فيه وما كان مخالفاً لذلك فاصرفه إلى المسألة عنه والتثبت منه. ولا تمنن على رعيتك ولا غيرهم بمعروف تؤتيه إليهم. ولا تقبل من أحد إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور المسلمين ولا تضعن المعروف إلا على ذلك.

وتفهم كتابي إليك وأمعن النظر فيه والعمل به، واستعن بالله على جميع أمورك واستخره؛ فإن الله عز وجل مع الصلاح وأهله. وليكن أعظم سيرتك وأفضل رغبتك ما كان لله عز وجل رضا، ولدينه نظاماً، ولأهله عزاً وتمكيناً، وللملة والذمة عدلاً وصلاحاً.

وأنا أسأل الله عز وجل أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك والسلام. ا.هـ