دورات هندسية

 

 

الكتابة عن العمارة العربية.. هوس أم وعي جديد؟ ــ كائنات من الاسمنت والحجر تتغذي بروح

النتائج 1 إلى 7 من 7
  1. [1]
    mustafa756i
    mustafa756i غير متواجد حالياً

    عضو فعال

    تاريخ التسجيل: Apr 2007
    المشاركات: 55
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0

    الكتابة عن العمارة العربية.. هوس أم وعي جديد؟ ــ كائنات من الاسمنت والحجر تتغذي بروح



    قد تكون الكتابة عن العمارة في بلداننا العربية ضربا من هوس تحديث الثقافة التي تجد في فن العمارة ما يغذي البصر والفنون وهما جانبان مهمان في تحديث الفكر العربي المعاصركله. فقد تكون ثمة مدينة مبنية علي احدث الطرز المعمارية، ولكن إنسانها ما يزال يعيش في القرون الوسطي القديمة رغم أنه يعيش في منزل حديث ويتعامل مع مدينة حديثة ويركب عربة حديثة ويستعمل ادوات اتصال حديثة. اما ما يلقن كل هذه الامكنة من فعل فهو نتاج عقل قديم.. من هنا قد تصبح الكتابة عن فنون العمارة في صلب الحداثة وفي جوهرها، وقد تكون مجرد تعريف قد لا يرقي إلي مهمة التنويه بأهميتها في بلداننا العربية. فالانسان بلا منزل حديث حتي ولو كان بسيطا، يعيش لا شعوريا في مناخ الكهف ــ الرحم. ولك بعد ذلك ان تعيد تركيب هذا الكائن فلا تجد فيه شيئا معاصرا يمكنه ان ينمو طبيعيا. من هنا لا تكون عمارة البيوت مجردة من تغذية احاسيس الفرد وحياته فقط، بل تمارس دورا فاعلا في تنمية قدراته الابداعية والانسانية، وأولها تخفيف ظاهر العداء للغير.
    1
    برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة ثقافية متميزة وهي الكتابة عن العمارة العراقية والعربية. بدأ بكتابتها مهندسون معماريون جمعوا بين الثقافة الأدبية ــ النقدية، وبين الشعر والفن التشكيلي. وقد قرأنا في هذا الصدد عددا من الكتب التي شكلت محور اهتمام الثقافة المعمارية في الفترة الاخيرة من بينها كتب المهندس رفعت الجادرجي الأخيضر والقصر البلوري وشارع طه وهمرسمت في جدلية العمارة ومعني المدينة لعدد من المؤلفين الفرنسيين والحرية والتنظيم في عالم اليوم لمجموعة من المثقفين والكتاب الفرنسيين. وحي الميدان في العصر العثماني. د. بريجيت مارينو وترجمة د. ماهر شريف. وتخطيط المدن للدكتور احمد الغفري و المدينة العربية للدكتور جمال حمدان. والتقاء العمارة العربية بالشعر للدكتور عبدة بدوي. والمدينة الموقوفة لوضاح شرارة. والمدينة العربية الاسلامية لصلح الهذلول. وكتاب المهندس خالد السلطاني رؤي معمارية.
    فن الكتابة المعمارية
    وغيرها من الكتب. وبصدد رؤي معمارية الذي يعد بحق فتحا في الثقافة المعمارية الحديثة وجدته من الكتب الأساس التي يمكنها ان تعلمنا فن الكتابة عن العمارة وفن الثقافة المعمارية معاً. والذي يمكن ان يكون رافدا للعديد من الكتابات الشعرية والنثرية والنقدية لما يمتلكه من حس غني بالموروث، دقيق في الربط والتصور وواضح في تبني العلاقة بين الموروث والمعاصرة. فهو يمتلك مبادئ معمارية معقدة ولكنها كتبت بعبارة شعبية ممتلئة بالمعلومات الواضحة والسهلة مما يعني ان الكتابة عن العمارة التي عدها ارسطو ليست فنا، وانما هي بناء صرف فأخرجها من سياق كتابه فن الشعر، هي في صلب الحداثة إذا حسبنا أن فن العمارة يحمل في أحشائة نثرية اجتماعية وتشكيلة بصرية وهاتان المفدرتان لم تكونا معروفتين بعد يومذاك. فالمنزل مثلا يتحول اليوم من مكان للسكن إلي مكان للتأمل علي العكس مما يقول الفيلسوف بايكون وهو ذو نظرة مادية ان المنزل يبني لكي يعيش الناس فيه لا ليتأملوه. فالعزل بين العيش وبين التأمل هو كالعزل بدات بين النوم وبين التغذية. فبحسب رؤية بايكون يمكن أن يكون لكل وظيفة بيت وهذا غير منطقي في عصر الاختزال والتجزئ. فعمارة البيت الحديث مثلاً وان وزعت بعض مهماته علي امكنة مدينية اخري خففت عنه أعباء البيت القديم تتحول الوظيفة المعمارية هنا إلي فن جامع يمزج فيه المعماري بين فنون عدة. يمكنها ان تؤلف سياقا معرفيا جديدا. لم يكن في صلب مفهوم ووظيفة البيت القديم ولعل هذه النقطة المهمة في سياق وبنية البيت الحديث لم تكن بمثل هذه القدرة من الشمولية لو لم يكتشف الإنسان المكان المشغول الذي يتسع لمعان عدة، بوصفه لغة فنية معمارية مستخلصة من قيم جمالية وثقافية ومكانية محتوية لأزمنة وامكنة عدة. البيت الحديث سواء اكان بيتا صغيرا، ام جامعا، ام مدينة، ام عمارة أم مصرفا. هو لغة فنية غير مستقرة علي تكوين ثابت علي العكس من البيوت القديمة التي لا تجري فيها إلا وظائفها المختص بها. وإذا أتينا للثقافة نجد المكان هو اللغة المعاصرة المولدة لطرائق سرد لم تكن معروفة في الانواع الادبية قبل اليوم وهذه الميزة حديثة لم تكن معروفة وقد بدأت ثقافتنا الإبداعية تولي العلاقة بين الإنسان ومكانه أهمية استثنائية بعدما كشف النقد عن امكانات المكان فنياً.
    انساننا العربي ما زال تحت هيمنة مفردات التحديث الظاهر لكل الحياة الاجتماعية دون ان يبادر لصياغة وجوده الحديث بنفسه. فهو يسمح للآخرين بأن يخترقوه فكل ما هو غربي في عرفه جيد، وكل ما هو غير ذلك رديء ومتخلف. حتي في وعينا الثقافي وممارسة النخبة المثقفة لدورها السياسي في الحياة فقد وجدت أن الثيمة
    الغربية إلي ما قبل الحرب العالمية الثانية كانت بيد التيار القومي الذي انتج نموذج هتلر الاوروبي ثم تعدد عندنا في الشرق ليصبح بنسخ عدة قد لا تجد لها هوية. لذا فالحياة المدنية الشرقية قد تركت الساحة للعسكري ورجال الامن. وللمال ولمن هو من العشيرة لان يتحكموا فيه يأتي الدكتور خالد السلطاني وهو مهندس معماري واستاذ اكاديمي معروف ليؤلف كتاباً في العمارة يسميه رؤي معمارية والتسمية دالة علي ان ما سنقرأه في هذا الكتاب هو رؤي مهندس مختص والتسمية جد متواضعة لا تتلاءم ومحتوي مادة صفحة وجهد مؤلفه الهندسي ولكنه التواضع الكبير الذي يمتلكه هذا الكتاب.
    الاستاذ القيادي في مجال الدرس والعمل والثقافة يكشف لنا بحس المهندس الميداني ان تصورنا عن العمارة الاسلامية في الاندلس وبلاد الشام ــ سوريا والاردن ولبنان وفلسطين ــ اي في فترة حكم الامويين لها انها تمتلك قيما جمالية وتصميمية جديدة مكنت القدرات المحلية من ان تصوغ اشكالا فنية غاية في المتانة والجمال، لتتحول إلي قيم حضارية شاهدة علي تقدم علمي وثقافي. والدكتور السلطاني يسلط الضوء التفصيلي علي البنية الداخلية للجوامع والكنائس والبيوت القديمة متتبعا اثرها الثقافي والبنائي بما يجعله مكونا نظرية جديدة مفادها اننا في كل تصوراتنا الحديثة عن العمارة لا يمكن ان ننفصل عن ذلك الارث القديم الذي اسسه المعماريون العرب الاوائل وهو ارث فيما لو درس دراسة ميدانية جديدة لامكنه ان يظهر لنا مستويات من القدرة المعرفية الكامنة في وظائفه وجمالياته لم تجدها في نظريات المعماريين الحديثة. ولكن نتيجة لتطور المادة المستخدمة في العمارة والخبرة المعملية لفن وتقنية الهندسة المعمارية ومن ثم دخولها ميادين معرفة جديدة، غيرت من كون العمارة كتلة ومكانا إلي كونها فكرة معاصرة عن المدنية وتحمل ضمن بنيتها وظائف ومتطلبات معاصرة توجب علي المهندسين العرب والاسلاميين ان يقفوا علي انجازات العمارة المعاصرة دون ان يفقدوا الصلة المنهجية والمعمارية في بنية وتشكيلات العمارة الاسلامية القديمة، خاصة في بلاد الشام اولا، ثم في بلاد الاندلس ثانيا، وصولا إلي ما اضافه المعماريون الغربيون في البلاد العربية والعراق منها بوجه خاص من منجزات جديدة تمكنهم من استيعاب متطلبات الحياة المعاصرة ثالثا.

    مثادر في الفلسفة الاسلامية
    وفي الوقت نفسه ربطها بالقديم بوصفها احدي البني الصيانية للفلسفة العربية الاسلامية، وبالجديد بنظرية بوصف مجتمعاتنا تتطلع إلي تجديد ذاتها دون الانغلاق علي الجديد في العالم الذي قد لا تكون موافقة لمتطلبات الحياة العربية، ومناخ الارض العربية وتربتها، وسجايا الناس وقيمهم الثقافية. فالتحديث الذي ينشده الدكتور خالد السلطاني خاصة في فصول الكتاب الاخيرة التي تتحدث عن الحداثة في العمارة لا يفرض حداثة ما معينة ان لم تكن الحداثة مبتدئة بالانسان اولا. فالذي حدث في مجتمعاتنا العربية هو اننا نقلنا تكنلوجية التحديث دون ان ننقل مقومات الحداثة لان الغاية كانت تحديث آليات المجتمع، من بناء وآليات ومعدات، بينما بقي انسان هذا المجتمع يرزح تحت قيم البداوة والريف والثقافة الناقصة والمدنية المعطلة بمثل هذه الصدمة المعرفية المكانية كان الفرد منا ينظر للانجاز المعماري بشيء من الدهشة والانبهار ولكن استخدامنا له كان قاصرا عن المجارات العملية له بما ينفع تطور احاسيسنا وقدراتنا العقلية والثقافية لذلك نجد انفصالا بين ان تكون البنوك بمعمار حديث وضخم دالا بها علي قيمة ومتانة الاقتصاد وبين ان يتحول الفرد عند استعماله النقد إلي قيمة ثانوية لانه غير قادر علي ردم الهوة الفاصلة بين اقتصاد الدولة ومدخولاته . لذلك يصبح البناء معاديا وإن كان جميلا ويصبح العمران مضادا وان كان خطوة للحداثة. فالمفارقة لا تصنعها الإيديولوجية المعمارية الغربية في المجتمعات الشرقية فقط، بل تصنعها الطريقة التي يتم بها الغاء الناس من المشاركة العملية في صياغة هذا الوجود. المعماري الدكتور خالد السلطاني في رؤاه المعمارية يدخلنا في صلب الحداثة والتحديث للمجتمعات العربية المعاصرة من خلال الموروث التاريخي للعمارة الاسلامية وهو ميدان بحثه ومحتواه هو القدرة المعمارية للاسلام كدين مجتمع علي التعامل مع حاجات الناس اليومية معماريا بما يجعل الدين قيمة حضارية تنتشر وتتسع. وهو استعمال جمالي وظيفي له امكانية ان يستبطن التراث الديني دون ان يظهره علانية لواجهة دعائية. انه يعالج المعمار المعاصر من خلال شريحتين الاولي هي الخبرات المحلية التي زاوجت بين التجربة والدرس والثانية هي المحصلة لدور الاستعمار في الشرق ومع رعيل من المعماريين الاكفاء الذين أسسوا لفن عمارة يزاوج بين موروثات عالمية دون ان يخدشوا تراثا لنا او قيما او مفاهيم إلا بحدود الجمالية غير النفعية مثل جعلهم الواجهات الزجاجية منتشرة في بعض التصاميم في مناخ لكله شمس وهي ثيمة غربية وجدت لحاجة الغرب إلي مزيد من الشمس فيصنعون واجهات العمارة ومداخلها من الزجاج.
    في قراءتنا لكتاب الدكتور خالد سلطاني رؤي معمارية وهو من المثقفين القلائل الذين جمعوا الثقافة إلي الاختصاص العلمي في الهندسة المعمارية نجد انفسنا امام ظاهرة الكشف الحذر عن قيم معمارية وثقافية هي نتاج البني السياسية القديمة والتي بإمكانها ان تصوغ نوعا من وعينا المعماري ــ السياسي المعاصر دون ان نتكئ كليا علي ثقافة الغير. ومن دون ان نعتبر كل ما هو عربي ــ اسلامي كاملا وخاليا من العيوب والنواقص. وهذه مفارقة محببة ليس فيها ما يجعل القديم منسياً ولا الجديد مهيمناً. رغم أن المفردة الثقافية التي ترافق القديم. فيها نغمة التعالي الديني، ومع ذلك لا ضير مادامت تلك النظرة قد انتجت رؤي ففي هذا الكتاب الذي شيد بيته الفني علي فهم الظاهرة المعمارية المعاصرة ــ القديمة في شرقنا العربي من خلال تلك المساهمات المعمارية التي اسسها الفكر العربي ــ الاسلامي ضمن منطقه الاجتماعي ــ السياسي ــ الثقافي البسيط فانتج نماذج حية ومثيرة ولها مديات تأسيسية في الوعي الجمعي. يمكنها ان تنهض من جديد إذا ما اختبرت بتقنية حديثة. ان الكتاب رؤي معمارية ابتدء يصب في تحديث الانسان العربي، قبل تحديث المكان العربي. ومن هنا تتحول معالجتنا لبعض ما ورد فيه اتفاقا او اختلافا هو في صلب تحديث الرائي قبل تحديث الرؤي. المهمة الاخري في نظري هي أن الكتاب إذا يعالج العمارة فنيا وتقنيا ويوشي بحثه بعشرات المصادر المعرفية من مختلف اللغات وله بعد ذلك مشاهدات من الخارج واراء آخرين، إنما يطرح وفي العمق من البحث الهوية العراقية للعمارة وقد: سلكت طريقتي الاولي هو هذا الغني الذي تشهده العمارة العراقية من ممارسات وبحوث عملية ونظرية متمثلة بالإرث الذي استوطنته من العمارة الإسلامية في بلاد الشام وفي الأندلس ومن العمارة العالمية من خلال آراء المفكرين والمعماريين ثم من خلال البنية النظرية ــ العقلية للتصورات العملية عن العمارة وهي تتداخل في السياقات الاجتماعية والسياسية وقد افرز له مساحة واسعة في الكتاب متتبعا مصادر الحداثة ودور المهندسين العراقيين في التنويه بالعمارة العالمية والمدي الذي اخذوا منها ثم الكيفية التي وظفوا بها استفادتهم تلك والطرق الفنية والتحديثية الخاصة بهم التي ميزتهم كمهندسين لهم رؤية وطريقة وأساليب عمل وفن مختلفة عن الآخرين. الثانية هي هذا الغني الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي والفكري الذي عليه المجتمع العراقي بأن يجعل من العمارة طريقة للتحديث، وفي الوقت نفسه ممارسة سياسية واجتماعية. إنك ما أن تقرأ الكتاب حتي تجد صورة كبيرة للعراق مرتسمة ليس من خلال العمارة وفنونها وممارسة وشخصية المعماريين العراقيين فحسب بل ومن المصادر والمعارف والممارسات التي سبقته بحيث يفرز فصولا للحداثة وللتأسيس في العمارة العراقية مذكرا لنا فضل الاساتذة المعماريين ودورهم وتقنياتهم في الجمع بين الاصالة العربية القديمة والحداثة دون أن يغفل الجانب النقدي من الممارسة والوعي بالتراث والمعاصرة. ان الكتاب يرسم وبدقة صورة الثقافة المعمارية في العراق وهي تتواشج مع نسيج اجتماعي سياسي غني.

    2
    معني القيم الكبري
    الدكتور خالد السلطاني خريج موسكو، يعني أنه نشأ في أرضية تعاين الواقع بعين مادية فهو كأي طالب تفتحت قريحته علي الدهشة من المدينة ذات الافق الثوري والمقترنة بثقافة ريفية متحولة طبقياً وساحات وبيوت تلائم الطبيعة الاشتراكية للنظام، وثمة بنية عسكرية تشمل كل مرافق المجتمع ليأتي بثقافته تلك ليطبقها في واقع مادته الرمل والماء وثقافته بضع تصورات عن الثقافة الاسلامية وفي ميادين تمتزج فيها لغة السيف والغزو بلغة الشعر والترحال. وفي نظام لاهوية واحة حتي اسلاميته ليست مبدأ قارا في الممارسة الحياتية. هل ثمة مفارقة بين الدراسة والتطبيق؟ هذا ما لم تجب عليه التجربة ولكن الكتاب يوحي بها في معالجاته عندما تهيمن عليه فكرة البنية الاسلامية في العمارة ويجعل منها قيمة كبري دون أن تعود الذاكرة به إلي دروس اكاديمية تعلمها. فبعد أن يتخرج. من مدينة الاحلام المتأرجحة والتي ستجهض لاحقا بحكم الاثقال العالمية عليها يعين في جامعة بغداد أُستاذا، وصديقا للثقافة وللمعرفة الشعبية. وكان من الحكمة ان يكون بيننا دون ان يدعي وهو القدير علي تحويل حفنة من تراب الفراتين الي تكوين شعري يلقن اجيالا قادمة من القراء ما معني الثقافة المعمارية والشعرية، ويقول لنا عبر مئات الصفحات الممتلئة دقة ومعلومة ما معني ان تكون ثمة عمارة في الاندلس ما زالت تؤثر في مباني مدننا وثقافتنا إلي اليوم وما قيمة تلك العمارة عالميا وما موقعها في سياق التصور الحديث للعمارة رغم أنها الخلاصة لرؤية توسعية قامت عليها الدولة الإموية. وما معني المبادئ التي يقوم عليها الدين الاسلامي وهي تتجسد في حجر وفناء وديوان واعمدة وزخرفة. وما معني ان تولد الثقافة من الخطوط والتقاطعات والمقرنصات وزوايا البناء وسمكه والسقوف والأيوان والاعمدة والفراغات، تقول الشعر وهي من الحجر، وتقول الرواية وهي ممتلئة بالفراغات، وتقول عن الدين لمجرد انها تطل بفتحة علي السماء.

    حصانة ضد السياسة
    وتقول اللغة المعمارية لمجرد انها تمتلك ارقاما ومعادلات، وتمتلك تراثا متداخلا لمجرد ان مهندسا اجنبيا حل علي ارضنا واعطي صلاحيات للعمل والتصميم، وتمتلك سياسة لمجرد ان الموافقات علي اقامة بناء او صرح او جامعة يمر عبر بوابات المجالس والوزارات والسياسات والإيديولوجيات. انه بحق كتاب يولد فينا معرفة لتواريخنا المجهولة. والتاريخ لا يكتب إلا متي ما اصبح الثانوي والهامشي. وغير الثقافي، في صلب عملية تحديث المجتمع فالدكتور السلطاني من الاساتذة الذين رفدوا الدرس الاكاديمي في جامعة بغداد بما يمكن ان يؤسس لقاعدة معمارية غنية وجديدة. وقد تخرج علي يدية طلبة يعدون اليوم اساتذة وادباء. لذا فالكتاب لم يوضع للمهندسين فقط، بل للادباء وللمثقفين الذين يجدون في العمارة واحدة من روافد المعرفة الابتداء لكل تعامل مع المكان ومع الزمان. ومع خصائص البيئة المحلية ومع مكوناتها التي تسبغ علي البناء خصوصيات ذاتية كجزء من سيكولوجية اجتماعية تري في البناء توافقا او تعارضا مع الثقافة القديمة واصطدامها بحاجات المدينة الحديثة الامر الذي يتطلب احيانا كسرا متعمدا للذائقة القديمة من اجل الاستجابة لمتطلبات الحداثة وهذا ما حدث في كل مدننا العربية الحديثة التي ارادت ان تلحق بركب العمارة العالمية واسواقها واحتياجاتها المعرفية والتسويقية والاقتصادية و في الوقت نفسه المحافظة علي طرز ومكونات بنائها القديم بوصفها حاملة لقيم دينية ومعمارية المهندسين الاسلاميين الذي ابتدأوا بفن العمارة يوم كان العالم يعد الكوخ والمأوي الحجري والريفي عمارته الكبري. ضمن هذا السياق يضع الدكتور السلطاني كل المعارف المفترقة والمتفقة في سياق المجتمعات العربية الحديثة فيصد قلمه عن الربط المباشر والسطحي بين القديم والجديد ضمن الموضوع الواحد لذا نجده يعمد إلي تفصيل جسد كتابه إلي فصول واقسام يعالج فيها في تقنية متفردة كل فصل بتاريخ وكل فصل بمهمة وشاهد، وكل فصل بثيمة نقدية ومعرفية واحدة. ثم يجمع الكل في سياق زمني محدد. لينتقل بذلك إلي سياق زمني اخر، وفصول بمواد اخري مفترقة زمنية وتاريخية، وبعيدة مكانية عن بعضها البعض. ليمهد ذلك كله للدخول إلي العمارة الحديثة من دون ان يحدث في منهجيته أي شرخ، او يوحي الكتاب ان المؤلف يعتمد بنية المقال المفرد المختلف ليجمعه في عنوان واحد هو رؤي. بل ان هذه الفصول التي شكلت العمارة الأموية والاندلسية والعربية والشامية والعراقية القديمة مادته الاولي، خاصة في القسم الاول من الكتاب، كانت موضوعة تحت هيمنة مفردة واحدة هي الثقافة الاسلامية بكل فروعها وشعبها ومللها ونحلها وارائها وامكنتها وقادتها وايديولوجيتها. ليخلص في هذه الفصول التي تقترب من الدرس الاكاديمي التفصيلي لمفردات جزئية وانشائية في المعمار، إلي الحديث عن الممهدات للحداثة المعمارية اللاحقة. ثم ما بعد هذه الممهدات اخذا بعين الاعتبار القيمة العملية للمهندسيين العراقيين والعرب والاجانب في صياغة العمارة العربية في الازمنة والمراحل التي تبعت انهيار الدولة العباسية في العراق .
    3
    بين الجادرجي وفتحي ومكية
    ومع قدرات المهندسين علي صهر النماذج العالمية في بوتقة المهمات الوطنية، تلك التي تجسد خيالاتها علي ارض الواقع بطريقة فنية معمارية تقربنا من تحويل المكان المشغول والوظيفي إلي بنية معرفية محسوسة بجمالية تراثية أو بجمالية فنية تمتزج بها الخبرة بالموروث، المعرفة بالتجربة، القديم بالجديد. وكتابة عن معماريين عراقيين متميزين أيضاَ كما هي كتابة عن عمارة عراقية وعربية متميزة، ولذا فهي ليست كتابة عن مدرسة عراقية معمارية وإن لم تخل الكتابة عنهما معا من البحث عن نواة لمدرسة عراقية تلمسنا أولياتها في كتابات ومفاهيم وأبنية المهندس رفعت الجادرجي وإحسان فتحي ومحمد مكية وغيرهم. ولكن مع ذلك، لا نجد تميزات كبيرة لهذه العمارة، ولا ملامح قارة لمدرسة عراقية في العمارة بل رؤي حديثة كما يسميها بحق الدكتور خالد السلطاني وافكار مؤسسة لعمارة. لم تغفل خصوصيات العراق وفي الوقت نفسه تحاذي الإنجاز العالمي وتحاوره واخري قديمة تجمعت كلها في بوتقة الحداثة والتجديد لتنصهر علي يد مختبرين بالمجهود المعماري الذي يتصل في جوانب كثيرة منه بالشعر والتشكيل أكثر منه بالبناء الجامد وبالمخيلة الممسطرة علي الورق.. وقد يعود سبب عدم وجود مدرسة عراقية معمارية، بالمعني الكبير لهذه المفردة، بالرغم من وجود خصائص لاتجاه معماري عراقي متميز سنأتي عليه في مقالة أخري، إلي جملة عوامل منها أن المهندسين العراقيين لا يمكنهم أن يطوروا دراساتهم وتصميماتهم باتجاه الحداثة وخلفهم تكمن سلطة تاريخية للمدرسة الإسلامية في العمارة، مهيمنة علي تفكير الساسة المعماريين أو المرتبطين بالرغم من أن تلك المدرسة الاسلامية لم نقرأ عنها ما يفيد إمكانياتها أن تواكب الحداثة في الشرق بقدر ما وجدنا واضحا في الدراسات الغربية وفي عمارتها ومثالنا علي ذلك ما بقي من آثار الاندلس كما يفصل ذلك بشعرية جميلة الدكتور خالد السلطاني في بحثه رؤي معمارية، وكما هو قائم علي أرض الاندلس للمعماري الخيالي والواقعي معا كاودي بعمارته التي استلهمت تراثنا الاسلامي ومخيلة ألف ليلة الشعرية. هذه السلطة المهيمنة التي تمارس دائما ضغوطا قاهرة علي التحديث، لا نجدها لا جزء من العقلية التي تقف بوجه أي تطور في البحث وفي التحديث. رغم عدم موافقة الدكتور سلطاني علي ذلك، شأنها شأن المفكرين الاسلاميين الكبار الذين يمارسون بنصوصهم القديمة ضغوطا علي الدرس النقدي والفلسفي الحديث ولأي اجتهاد فقهي أو ديني أو فني أو معماري. وهذه اشكالية كبيرة قد لا تظهر بوادرها مباشرة بين المهندسين، وعلاقتهم بالمدينة الحديثة ولا بين الدرس ومصممي العمارة ومتطلبات المناخ والبيئة والمنفعة والجمالية. بل تظهر عندما تصطدم بقيم تراثية قديمة لا نجد لها قبولا في عمارة اليوم مثل الفراغ والكتلة والوظيفة الدينية التي يتوفر عليها البناء مهما كانت أغراضه واهدافه مما اضطر الكثير من المهندسين العراقيين تلافيا لهذه الإشكالية لأن يلصقوا بواجهات العمارة نتفا من ثيم اسلامية كالأقواس والدوائر والفراغات السماوية وبعض الزخارف والأربسك العربي القديم وشيئاً من قيم البداوة في تصميمات البادية كالخيمة والبيت العربي. الخط العربي وكلها ملصقات تزينية تجعل من عمارة العراق مثلا خليطا مشوها من ثقافات عدة ومن مدارس مختلفة. هذه الخلفية الضاغطة هي جزء من بنية السلطة العربية ــ الإسلامية الحاكمة حتي لو لم تعلن ذلك رسميا. فالبنية الدينية القديمة كائن صياني يستثمره الحكام لتثبيت وجودهم في بنية السلطة نفسها. وعبثا نطمئن إلي الافكار العامة التي تنادي بالحرية والتطوير. فثمة قوي غير معلنة تمارس دورا قياديا علي كل تطور وتقدم ومنها العمارة.
    4
    تلبية الحاجات المدنية
    وفي العراق وبقدر ما قوبلت به فنون العمارة علي مستوي البناء والدرس الأكاديمي من تطور وتقدم لافت للنظر ومن ثم ترحيب من قبل المعنيين، ثمة قوي خفية كانت تمارس دورا مضادا لكل تطور، ناعتة إياه بالتقليد والنقل واحتذاء تجارب مستوردة وتطرح العمارة الإسلامية القديمة بديلا لكل تحديث، واقفة بالضد من التيار الاستشراقي الذي رافق نهاية الدولة العربية في الأندلس تلك الرؤية التي كانت جزءاً من ثقافة استعمارية رغم أن هذه الرؤية الاستشراقية لم تثبت تاريخيا بعد أن تصدي لها مفكرون أوربيون ملمحين إلي دور الثقافة العربية والعمارة الاسلامية في نهضة الكثير من الفنون في أوربا. أما مفكرونا العرب فقد لزموا رأيا آحاديا في هذا الجانب، فبقدر ما كانت للعمارة الإسلامية من خصائص نفعية وجمالية ضمن فترتها ووظائفها القديمة بحاجة لأن تتغذي بتيارات الحداثة ومواكبة الجديد في التصميم والتنفيذ لا سيما ان الحاجة المدنية للمعمار الحديث تفرض نوعا من الانفتاح علي تجارب قريبة منا. فالمتخلفون يربطون تصوراتهم ببنية الجوامع والأسواق والمدن القديمة وهي بنية لا تركن إلي اي تصور حديث بقدر ما تركن إلي تصور واحد هو طبيعة المنطقة وهوية الناس الاقتصادية والقبلية والزراعية والدينية وقد فرضت نوعا من العمارة تجتمع فيها كل هذه الخصائص.

    اوروبا وراء الثقافة المعمارية
    خذ بنية البيت الإسلامي ــ العربي ففيه جزء للمنام وآخر للمضافة وثالث للخزن ورابع للأسرة وخامس للعب وسادس للاستحمام وسابع للمقهي.. الخ أنه جمع في داخله كل وظائف المجتمع العامة.. ومن هنا فالعمارة العراقية لا تملك مدرسة ولا اتجاها قارياً، بل هي عمارة حديثة ومتطورة نتيجه رغبات مهندسيها واصرارهم علي التطوير والتقدم رغم ما يواجهونه من موانع معلنة وغير معلنة كما أن معظم المهندسين العراقيين هم من خريجي الجامعات الأوربية وهذه ميزة تحسب لهم لا عليهم وفي هذه الجامعات تدربوا علي ثقافات أوربية تستفيد من العمارة الإسلامية كتراث معماري لكنها تدير وجهها لها بحكم الاكتشافات العلمية الهائلة في ميدان الحديد والصلب والصناعة والتقنية المعمارية والدرس الأكاديمي التطبيقي والنظري ومن ثم خضوع النظرية والتطبيقات المختلفة لها في ميدان اختباري معاصر. من هنا يمتلك المهندسون العراقيون خبرة دراسية ونظرية وثقافية تمكنهم من أن يطبقوا ما تعلمه علي تجارب خاصة أولا حيث أن كل المهندسين تقريبا بدأوا في تجربة بناء البيت العراقي ــ الأوربي ونقول بمثل هذه الازدواجية لعلمنا أن هذه الخبرات كانت تزاوج بين متطلبات بيئة ومتطلبات تقنية وادارة عمل محلية معظمهم من الأسطوات ذوي الخبرات العملية الفردية لا توجد في اي بلد من بلدان الجوار مدرسة معمارية متميزة لا في البلدان العربية ولا في البلدان الإسلامية كايران وتركيا. ونعني بالمدرسة المعمارية ليست تلك التي تؤكد مفاهيم العمارة الاسلامية وهذا التأكيد ليس مدرسة حديثة بل هو مواصلة للقديم برؤي جديدة. مما يعني أن ما نذهب إليه بشأن العمارة العراقية ينطبق علي كل العمارة في البلاد الأسلامية. وهذا الأمر يدفعنا إلي وضع تصور لا يخرج عن كل مفردات بنية الكيان السياسي والثقافي لهذه البلدان من أنها تخضع لمعايير غير ثقافية وغير معاصرة. هناك قوي ماضوية مهيمنة تمارس ثقالا معرفيا علي كل مفردات التحديث. وهناك قوي فردية مفردة تحاول أن تصنع شيئا مغايرا ومستقبليا، ولكنها عاجزة عن الاستمرار بحكم المتغيرات السياسية الكثيرة في الداخل وهيمنة القوي الاجنبية علي التحكم بمسارات التحديث في الخارج وهناك امكانيات مالية كبيرة ولكنها خاضعة لتصورات غير مدنية بل جلها يذهب للبنية العسكرية والقبلية في بنية العمارة فهي تعتقد ان بنية بنك مركزي للدولة لا بد وان يكون مشابها لبنية بنك ما في أوربا. بمثل هذه التصورات لا نجد ملامح لمدرسة عراقية في العمارة مثلما لا نجد ملامح معاصرة لمدرسة عربية. في العمارة .

  2. [2]
    med-dz
    med-dz غير متواجد حالياً
    عضو فعال


    تاريخ التسجيل: Jul 2007
    المشاركات: 125
    Thumbs Up
    Received: 1
    Given: 0
    .... مؤثر :)

    موضوع رائع للنقاش ...

    " فن الكتابة المعمارية " أكثر من رائع ..

    مجهود كبير و موضوع جميل ..


    لك الشكر مع تمنياتي لك بالتوفيق .. :)


    تحياتي ،

    0 Not allowed!


    "Its the Same Old-story ... Well They Just didn't REALIZE"

  3. [3]
    mustafa756i
    mustafa756i غير متواجد حالياً
    عضو فعال


    تاريخ التسجيل: Apr 2007
    المشاركات: 55
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0
    شكرا جزيلا لك واتمنى ان اسمع نقاش في هذا الموضوع

    0 Not allowed!



  4. [4]
    عبد الباسط معماري
    عبد الباسط معماري غير متواجد حالياً
    جديد


    تاريخ التسجيل: Sep 2009
    المشاركات: 8
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0
    شكرا جدا على هذا المجهود ممكن تعطونا صور لواجهات معمارية قديمة في الخليج

    0 Not allowed!



  5. [5]
    Alinajeeb
    Alinajeeb غير متواجد حالياً
    عضو متميز جداً
    الصورة الرمزية Alinajeeb


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 1,051
    Thumbs Up
    Received: 1
    Given: 0
    مجهود يشكر عليه

    يالله رمضان مودعنا

    0 Not allowed!



  6. [6]
    فواز غزال
    فواز غزال غير متواجد حالياً
    جديد


    تاريخ التسجيل: Jan 2010
    المشاركات: 2
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    شكرا على المعلومات المطروحة
    إذا تكرمتم أريد المزيد من المعلومات لتطوير الحس الفني في العمارة
    مشكورين

    0 Not allowed!



  7. [7]
    mohamed2009
    mohamed2009 غير متواجد حالياً
    عضو متميز جداً
    الصورة الرمزية mohamed2009


    تاريخ التسجيل: May 2009
    المشاركات: 1,547
    Thumbs Up
    Received: 12
    Given: 0
    السلام عليكم بارك الله في حسناتك وزادك في العلم بسطه

    0 Not allowed!



  
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML