يقول الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى) (البقرة من الآية 185).

فقد أظلنا موسم عظيم و شهر كريم شهر الخير و البركات شهر القرآن و الفرقان شهر الفتوح و الانتصارات شهر رمضان الذي كانت فيه من الوقائع و الأحداث ما غير وجه التاريخ.

ففيه كانت غزوة بدر الكبرى التي كانت بداية عزة المؤمنين و يوم الفرقان المبين الذي فرق فيه الله بين أولياء الرحمن و أولياء الشيطان حين فرقت بينهم العقيدة، (إذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال: 42).

فالتقى الآباء بالأبناء بين الأسنة والحراب في اليوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك من السنة الثانية من الهجرة ذلك اليوم الذي أعز الله فيه أولياءه و خذل أعداءه وامتن به على عباده (وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

وفي السنة الثامنة، وفي شهر رمضان أيضا، كان الفتح العظيم الذي أعز الله به دينه و نصر جنده، و طهر به بيته المحرم من رجس الأوثان و المشركين، و دخل الناس به في دين الله أفواجا.

و في سنة ستمائة و ثمانيةً وخمسين يوم الجمعة الخامس و العشرين من رمضان المبارك أيضا هب المسلمون بقيادة الملك المظفر قطز لقتال التتار الذين غزوا بلاد المسلمين و أسقطوا الخلافة و خربوا الدولة الإسلامية و استباحوا بيضة المسلمين و شردوهم شذر مذر، فقيض الله للأمة هذا القائد الصنديد و المقاتل الشجاع ليردها إلى عزتها و يذكرها بأمجادها فالتقاهم في معركة عين جالوت المجيدة حين زالت الشمس، و تفيئت الظلال، و هبت الرياح، و دعا الناس و الخطباء على المنابر؛ فكان الظفر للمسلمين و دارت الدائرة على الكافرين، و قطع دابرالذين ظلموا و الحمد لله رب العالمين.

و هذا غيض من فيض و إلا فلو ذهبنا نتتبع الانتصارات التي حازها المسلمون في هذا الشهر الكريم على مدار التاريخ لطال بنا المقام.

وإننا إذ نستذكر تلك الأيام العظام كلما زارنا هذا الشهر الكريم لنتشوق ونتطلع إلى مثلها وسط ما يعيشه المسلمون اليوم من ذل العباد،وتكالب الأمم والأعداء،وتسلط الكفار والطواغيت عليهم.

ويمر علينا هذا الشهر الكريم في هذه السنة بعد عام من الحرب العالمية الموحدة من قبل طواغيت العالم أجمع بقيادة أمريكا الصليبية ضد الإسلام و أنصاره من المجاهدين في كل مكان.. نعم حرب عالمية ضد الإسلام؛ هذه هي الحقيقة التي يجب أن يعيها كل مسلم و إن سماها الأعداء بمسميات أخر و ألبسوها لباسا غير لباسها بدعاوى الحرب على الإرهاب و نحوه؛ فالمسلمون كل بحسب طاقته واجب عليهم أن يحاربوا ويرهبوا أعداء الله من الكفار والمرتدين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (الأنفال: من الآية60)، وقال تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) (التوبة:14) وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:123).

وغير ذلك من الآيات الكثيرة والأحاديث العديدة التي توجب على المسلمين قتال الكفار حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، بل في كتاب ربنا سورة كاملة اسمها سورة االقتال؛ يقول الرب تبارك وتعالى فيها: (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ).

فهذه فريضة من فرائض الدين لا يمكن لأحد إلغاءها أو محوها من دين المسلمين؛ و من لم يرق له ذلك و لم يعجبه و يسلم به؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه و ليمت إن شاء نصرانيا أو يهوديا أو مرتدا إلى غير ملة!!

إذا تقرر هذا وفهمه كل مسلم علم أن حرب أمريكا وأحلافها اليوم على ما يسمونه بالإرهاب؛ هي في حقيقتها حرب على الإسلام و فرائضه و شرائعه، و أن الخلايا النائمة التي يتحدثون عنها ليست هي مجموعة خاصة من المسلمين المجاهدين المنتظمين في تنظيم القاعدة أو غيره؛ بل يعنون بذلك كل مسلم ينتمي لملة الإسلام، و نومه عندهم هو في الحقيقة تفريطه في دينه و تقصيره في فرائضه؛ فإذا استيقظ من غفلته و راجع دينه و عرف الواجبات المتحتمة عليه تجاهه، و سعى في تأديتها؛ فهو و أمثاله عندئذ الخلايا النائمة التي استيقظت و يجب ضربها و القضاء عليها عندهم؛ هذه هي حقيقة و طبيعة المعركة الدائرة اليوم بين قوى الكفر المتمثلة بأمريكا و حلفائها من كفار الغرب و الشرق و أذنابها من طواغيت الردة في بلادنا كل هؤلاء من جهة و في عدوة، و بين كل مسلم يلتزم بإسلامه و يؤمن بقرآنه في العدوة الأخرى.

نعم إنها أيام حاسمة انقسم الناس فيها إلى فسطاطين وفتح الله تعالى بها لأهل الإسلام صفحة جديدة ستغير بمشيئته تعالى واقعهم المرير الذي رسفوا في أغلاله عقودا.

فلا يجوز للمؤمن أن يخذل دينه أو أن يبقى سلبيا لا دور له في نصر الدين في مثل هذه الأيام الحاسمة.. قال تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا) (الحديد: من الآية10).

وتلك حروب من يغب عن غمارها ليسلم؛ يقرع بعدها سِنّ نادم

فعلى كل مسلم أن ينهض بنفسه إلى مصاف أنصار الدين و أن ينحاز إلى صفهم و يلحق بقافلتهم حيث كانوا، وأن يرقى بأعماله و تطلعاته إلى قدر المسؤولية العظيمة الملقاة عليه و الواجب المحتم تجاه دينه؛ بالسعي لنصره بالغالي والنفيس، فدينه لا غير هو المستهدف من الأعداء شاء أم أبى.

قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

فعليه أن يجعل من هذا الشهر محطة للمراجعة و رص الصفوف و إعادة ترتيب الجهود و جدولة المهمات؛ لتكون تطلعاتنا و تشوقاتنا إلى الأمجاد والانتصارات التي عاشها المسلمون في مثل هذا الشهر الكريم جادة لا كأماني السراب.

و لا ينبغي أن يكون هذا الشهر عندنا كأي زائر عابر؛ ما دام هو شهر الجد و الاجتهاد و شهر الفتوحات و الجهاد عند سلفنا الصالح.. فهو موسم الطاعات و الخيرات، رفعه الله و شرفه على سائر الشهور و جعل صيامه و قيامه سبباً لمغفرة الذنوب و الخطايا و عتق الرقاب من النار. يراجع فيه العباد أنفسهم ويتزودون من خير زاد إن خير الزاد التقوى.

يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

فالحكمة العظمى منه كما قال الله لعباده: (لعلكم تتقون).

لعلكم تتقون الله فتقومون بحقوقه فتجرّدون له سبحانه العبودية وتحقّقون له التوحيد وتتبرّؤون من الشرك والتنديد وتجاهدون في ذلك حق جهاده.

لعلكم تتقون فتجتنبون مساخط الله وتكثرون من طاعاته فتسترون عوراتكم وعيوبكم بلباس التقوى.. ولباس التقوى ذلك خير.

إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تجرد عريانا وإن كان كاسيا
وخير خصال المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا

سأل عمر أُبَي بن كعب عن معنى التقوى؟ فقال أُبَي: يا أمير المؤمنين أما سلكت طريقا ذا شوك؟ قال: بلى، قال: فما صنعت؟ قال: شمرتُ واجتهدت - أي اجتهدتُ في توقي الشوك - قال أُبَي: فذلك التقوى.

فالتقوى: حساسيةٌ المؤمن من التعرض للفتن والمعاصي والخطايا، وخشيةٌ دائمة من مخالفة أمر الله، وحذرٌ دائم من التفريط والتقصير في حقوقه، وتوقٍ دؤوب لأشواكِ الطريق من شهوات وشبهات وفتن وموبقات.

خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرةً إن الجبالَ من الحصى

و قال علي رضي الله عنه عن التقوى: (هي الخوفُ من الجليل، والعملُ بالتنزيلُ، والقناعةُ بالقليل، والاستعدادُ ليوم الرحيل).

وقال غيره من السلف نحوا من ذلك، وجميعهم تدور أقاويلهم في الدائرة نفسها وتصب في إناء واحد فمن نبع واحد ارتوا وعن عين عذبة فريدة صدروا.

فعلى كل منتسب للإسلام أن يجتهد في هذا الموسم العظيم بتجديد إيمانه فهو سلاحه الأول الذي يواجه به مؤامرات الكفار؛ فيتزود من التقوى ويغترف وينهل في هذا الشهر الكريم من الصيام والقيام والذكر والتوبة والإنابة ما يصحح به سلوكه ومسيرته ويجدد به عزمه على أن يكون من أنصار الدين.

وهو فرصة كي يراجع كثير من المشايخ والمنتسبين للعلم تقصيرهم في حق دينهم ويقلعوا عن تسخيرهم الدين لخدمة الحكام وجعله مطية للطواغيت، ويجتنبوا تزوير الحقائق الشرعية لصالح الطواغيت؛ فيكفوا عن جعلهم ولاة أمور شرعيين ويرعووا عن تنصيبهم أئمة للمسلمين ويتوبوا ويصلحوا ويبينوا.. فيحذروا المسلمين من هذا الزور.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) أخرجه البخاري.

وهو فرصة يراجع فيها كثير من الدعاة تقصيرهم في دعوتهم ويتقوا الله فيها فيصفّوها من شوائب الانحراف والركون إلى أعداء الله وينقوها من شبهات الانهزام والتخذيل والإرجاف التي يعوقون بها الجهاد ويخذلون بها عن المجاهدين.

فمن لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه!!

وهو فرصة كي يراجع فيها كثير من أهل اليسار من أغنياء المسلمين واجبهم تجاه إخوانهم المجاهدين في كل مكان فالجهاد بالمال صنو الجهاد بالنفس وليتذكروا في جوعهم وصيامهم المعسرين والفقراء والمساكين والمستضعفين والمعوزين من أبناء ونساء إخوانهم المأسورين والمسجونين والملاحقين من قبل أعداء الله في كل بقاع الأرض، فلا بد لهم إن كانوا مؤمنين صادقين أن يشعروا بمصابهم ويحزنوا لحزنهم ويشاطروهم همومهم فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم،ومثل المسلمين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. فيحمله ذلك على أن يتذكرهم ويدعوا لهم ويخلفهم في أهلهم ويرحم أولادهم ويعطف عليهم و يواسيهم ويعطيهم مما أعطاه الله ويسعى في تخفيف مصابهم وآلامهم.

فقد كان النبي صلى الله عليه و سلم أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فقد كان صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة.

وهي فرصة يراجع فيها المسلمون أنفسهم فيحاسبوها على هجر القرآن.. فرمضان شهر القرآن (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان) والله تعالى ذمّ الذين يهجرون كتابه، فقال: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) (الفرقان:30).

ومن أعظم أنواع هجره هجر تطبيقه وتحكيمه وتحكيم شرائعه وحدوده في حياة المسلمين عموما وفي محاكمهم وسياساتهم وعلاقاتهم.

وهي فرصة يراجع فيها أهل الدعة والترف والإخلاد إلى الأرض أنفسهم فيعدّوا أنفسهم للجهاد ويهيئوها لتحمل المشاق والصعاب في سبيل نصرة دينهم؛ إذ قد جعل الله هذا الشهر مدرسة يتربى فيها المسلم على قوة الإرادة والصبر، واحتمال الشدائد وترك التنعم، فإن النعيم لا يدرك بالنعيم ومن رافق الراحة فارق الراحة.

ونصرة دين الله بحاجة للجد والجلد والاجتهاد.

عن أبي عثمان النهدي قال: أتانا كتاب عمر بن الخطاب وفيه: (اخشوشنوا واخشوشبوا واخلولقوا وتمعددوا وإياكم والتنعم وزي العجم).. والتمعدد: هو العيش الخشن الذي تعرفه العرب نسبة إلى معد.