** نموذج من تأثير الدونمة في الأدب :
حديثنا هنا عن خالدة أديب : أبرز وجوه الأدب التركي المعاصر الداعية الناشطة للطورانية والقومية المتعصبة ، تخرجت من الأمريكان كولج في إستانبول عام 1901 وتزوجت مرتين ، الأول من مدرسها في الرياضيات صالح زكي والثانية من عبد الحق عدنان بك ، وزارت من البلاد الإسلامية كلا من مصر والهند وسوريا ، وعملت أستاذة للآداب الغربية في جامعة إستانبول عام 1918 / 1919 .
تعاونت مع الاتحاد والترقي واحتلت مكانا بارزا في عهدهم ، وكتبت روايتها الشهير (( طوران الجديدة )) لتعبر عن الأيديولوجية الطورانية ، ثم انضمت للكماليين وصارت من أبز شخصياتهم ، وكتبت روايتها (( اضربوا الغانية )) كانت على صلة شخصية بجمال باشا *[ كان جمال باشا وزير البحرية في حكومة الاتحاد والترقي وعضوا في محفل فريتاس أعم محافل الجمعية الماسونية ، وكان محفل فريتاس يرأسه قره صو ( إيمانويل ) وهو يهودي من سلانيك ، ويعد من أخطر أعداء المسلمين ، وبعد أن نجح الاتحاديون في خلع السلطان عبد الحميد تم تعيين قره صو مبعوثا عن مدينة سلانيك في برلمان الاتحاديين ] جمال باشا أحد قادة الاتحاد والترقي المشهورين وحاكم سوريا المعروف ، وكانت على صلة شخصية بمصطف كمال باشا قائد الحركة الكمالية ، ثم اختلفت معه وهربت من تركيا ، يقولون عنها إنها (( جان دارك الأتراك )) وقال عنها كاتب انجليزي (( لكي يستطيع الإنسان أن يقابل في أوروبا فنانة مثقفة مفكرة مثل خالدة أديب فعليه أن يبحث جيدا ويبحث كثيرا )) وقال عنها كاتب تركي معاصر ( إن خالدة أديب تكتب بمفهوم القومية الإنسانية ) وتقول خالدة أديب في روايتها ( طوران ) { أيتها المنطقة البديعة يا طورا الجديدة حدثينا عن الطريق إليك } وخالدة أديب تلميذة فيلسوف القومية التركية ضيا كوك آلب ، وضيا هذا تلميذ المفكر اليهودي دور كايم كما مر .
تقول خالدة أديب : (( إن الذهنية الشرقية تسببت في إظفاء نوع من القدرة الإلهية على الحاكم وأفسحت الطريق لفقر الأكثرية أمام عمة وغناء أشخاص قليلين ، وأكبر وصف للغرب أنه يعتنق فكرة القانون ، والقانون في الشرق يأتي من الله ، والقانون في الغرب يأتي من وضع الإنسان ، والنضال والحركة يشكلان لب الحياة في الذهنية الغربية )) .
كل ما ذكرنا مذكور في بعض المصادر التي تحدثت عن خالدة أديب فهو حديث تلميذتها المفكرة المسلمة ( منور عياشلي ) ، والسيدة منور من أسرة مسلمة عريقة ، كانت في سوريا أثناء الحرب حيث كانت خالدة أديب مديرة للمدرسة التركية في بيروت ، تقول السيدة منور : ( كان جمال باشا يعيش عيشة الملوك في سوريا أثناء الحرب العالمية الأولى .... سريعا ما برزت في قصر جمال باشا سيدة مختلفة كل الاختلاف عن السيدات الأخريات اللاتي نسمع عنهن سواء من ناحية المزايا أو من ناحية المساوئ ، وكانت معاملة جمال باشا لها تختلف عن معاملته للجميع ، فقد كان يحترمها أكثر مما يحترم الجميع ويعلي من قدرها فوق قدر الجميع ويعطيها أهمية أكثر مما يعطي الجميع ويستمع إليها باهتمام بالغ .
لم تكن هذه السيدة تحترم جمال باشا كما كانت السيدات الأخريات يفعلن لأنها كانت تجلس أمامه واضعة ساقا على ساق وتطلب من جمال باشا أن يشعل لها سيجارتها وكانت تدير مع الباشا مناقشات سياسية وفكرية ....... كانت هذه السيدة خالدة أديب ...... وسرعان ما تناقل المحيطون بها أن الدونمة اليهود ووالدها أديب أفندي دونمة يهودي كان موظفا صغير في القصر السلطاني يعني أنه عاش في قصر يلدز [ هذا القصر هو الذي اتخذه السلطان عبد الحميد الثاني مقرا لإدارة الدولة ] موظفا صغيرا لكنه مكث فيه مدة طويلة .
وابنته كانت معادية للقصر ، كانت قومية وطورانية متعصبة ... كم كانت خالدة أديب تشبه فتيات بني إسرائيل الجميلات وكان فيها جمال التوراة أي جمال العهد القديم .
جاءت خالدة أديب إلى سوريا مكلفة من حكومة الاتحاد والترقي لكي تنشر الثقافة التركية في سوريا وتعلم أبناء العرب اللغة التركية وتدعو إلى حب القومية التركية وبالتالي كان هدفها تتريك سوريا .
خصصت لها الحكومة مبنى مدرسة فرنسية تركها أصحابها أثناء الحرب ، كانت هذه المدرسة بجوار بيروت وكانت كالقصر .
افتتحت المدرسة ولم يكن بها طلبة بعد ، وكنت أدرس في ذلك الوقت في مدرسة ألمانية وكنت أحب مدرستي إلى أن قال جمال باشا لوالدي : [ يا أخي إننا نريد أن ندخل أولاد العرب في مدارسنا ومع ذلك فإن أولادنا يذهبون إلى مدارس أجنبية ، وخالدة أديب ساخطة على هذا وتشكو ، أليس لها الحق في سخطها وشكواها ؟!! ] .
وكان الأمر أمرا والحديد حديدا ، وحقيقة كان هذا الأمر بالنسبة لنا صلبا كالحديد .
... وكانت مديرة مدرستنا خالدة أديب هانم ....
مديرة سيئة الإدارة كنت مضطرة للدوام في مدرستها وداومت مدة ثلاثة أشهر لم أتلق في المدرسة درسا واحدا ، كل ما فعلناه نحن الطالبات هناك أن تحضرنا لأداء أوبرا من تأليف خالدة أديب ، موضوعها مأخوذ برمته من التوراة .. عنوان الأوبرا (( رعاة كنعان )) وأمرتنا المديرة خالدة أديب بتمثيله على المسرح ومثلناها في حضور الولاة والقادة العسكريين ومديري الشرطة وغيرهم .
كانت هذه الأوبرا تنغصني وتلمني كثيرا وتثير في نفسي التفكير الحزين .. فولاة الأمور الذين يقبضون على أزمة الأمور بأعينهم يتفرجون على هذه الأوبرا التي مثلناها أمامهم .. وكانت عبارة عن بشرى تعلن قرب قيام إسرائيل ).
كتبت خالدة أديب روايتين في حرب الاستقلال التركي أولهما (( قميص من نار )) والثانية (( اضربوا الغانية )) ... قميص من نار ليست بالرواية الجيدة وإن كانت تحمل عنوانا جميلا ، اضربوا الغانية كانت بمثابة الرواية الرائدة في طريق شيء تم اتباعه بعد ذلك يهدف إلى عداء الدين .
تزوجت خالدة أديب زواجها الثاني من عبد الحق عدنان بك ... وفي عهد أتاتورك كانت خالدة وزوجها مجبرين على مغادرة البلاد ، لا نعلم السبب الحقيقي من مغادرتها ولكن ( فالح رفقي بك ) وهو أحد المقربين جدا من أتاتورك في ذلك الوقت قال : (( الخلاف بين أتاتورك وخالدة أديب هانم لم يكن أكثر من خلاف بين رجل وامرأة )) .
مات أتاتورك فعادت خالدة أديب وزوجها عدنان إلى تركيا ، ألف زوجها كتاب (( الدين والعلم عبر التاريخ )) .. فلما قرأ
(( رأفت باشا )) ـ وكان على صلة بخالدة وزوجها ـ علق على الكتاب متفكها بقوله : (( كنا نظن أننا نجحنا في استقطاب خالدة أديب إلى الإسلام وجعلها تعتنقه فإذا بنا نجدها تهود عدنان بك )) .
هكذا تقول الكاتبة منور عياشلي عن خالدة أديب الكاتبة التي تعتبر من أكبر أعلام الأدب التركي (( الكمالي )) .
قريبا ستكون الحلقة العاشرة من يهود الدونمة و الأخيرة إن شاء الله وستتضمن الدونمة وتواجدهم في الإعلام مع مراجع البحث ومصادره .
** نموذج من تواجد الدونمة في الإعلام :
تعتبر جريدة حريت أكبر دار نشر في تركيا ، ومعدل توزيعها يفوق مثيلاتها من الصحف اليومية ويقرب توزيعها من المليون نسخة ، وتتبع جريدة حريت دارا راقية للطباعة والنشر تحمل اسم حريت أيضا ، ومن هذه الدار تصدر مجلات بين أسبوعية وشهرية تمثل المكانة الأولى في التوزيع بين المجلات ، منها مجلة حيات ومجلة التاريخ ، ولا شك أن لدار حريت بجريدتها ومجلاتها وكتبها أثر كبير بل أكبر الأثر في توجيه قطاعات ضخمة من الشعب التركي ، هذه الدار تملكها وتديرها أسرة من يهود الدونمة وتحتضن هذه المؤسسة الصحفية الضخمة كبار كتاب اليسار التركي .
كما أن جريدة مليت التركية جريدة واسعة الانتشار والثانية في معدل التوزيع بعد جريدة حريت ، وتتبع جريدة مليت دار للطباعة والنشر وتصدر سلاسل كتب مختلفة ، وهي مثلها مثل حريت تقوم على أحدث الأساليب الصحفية وأرقى تكنيك صحفي ليس في الشرق الأوسط فحسب ، بل وإنهما يضارعان من حيث الإخراج الكثير من الصحف الأوربية وكذلك ومن ناحية الأساليب الصحفية ، وجريدة مليت أيضا تحنو على اليسار التركي بمختلف اتجاهاته لدرجة أن جريدة (( صون حوادث )) تصف مليت بأنها الناطق المخلص بلسان حزب الشعب الجمهوري أقوى أحزاب اليسار التركي لكن بقي القول بأن مؤسسة مليت تملكها وتديرها أسرة يهودية دونمة هي عائلة ( إيبكجي ) ، ويكتب فيها وبجوار كتاب اليسار التركي أقلام يهودية تركية معروفة مثل (( سامي كوهين )) .
ويأتي دور جريدة جمهوريت التي أسسها ( يونس نادي ) وهي جريدة اليسار المتطرف في تركيا ، كان يرأسها يهودي من الدونمة اسمه (( نوري تون )) ومنذ عام 1972 واسم اليهودي الدونمة المحامي (( رشاد أتابك )) يسيطر على الجريدة كعضو منتخب في مجلس إدارة مؤسسة حريت وكوكيل عن (( ناظمة نادي )) زوجة مؤسس الجريدة وصحيفة جمهوريت ثالثة صحف تركيا توزيعا .
ويزيد في أهمية دور الدونمة في ساحة الصحافة أن هذه الصحف في مقدمة الصحف التركية ذات الفعالية الواضحة والنفوذ والتأثير سواء بين المثقفين ثقافة غربية أو يسارية أو بين بعض الطبقات الشعبية ، وعلى العموم فإن نفوذها واضح في التأثير على الرأي العام التركي .
لا تقتصر سيطرة الدونمة في الصحافة على ما ذكرنا ، فإننا قلنا هذا نموذج من تواجد الدونمة في الإعلام فالموضوع طويل ويحتاج إلى دراسات أكثر .
أما نفوذ الدونمة في الإذاعة والتلفزيون التركي فقد وصل إلى حد تعيين الكاتب اليهودي الدونمة المشهور إسماعيل جم إيبكجي وهو من أسرة إيبكجي وأفرادهم كلهم دونمة في منصب المدير العام للإذاعات والتلفزيون التركي وظل مهيمنا على اتجاه هذه الأجهزة وخططها والتعيينات فيها وتسيير برامجها حتى قامت حكومة الائتلاف في أوائل عام 1975 واشترك فيها الدكتور نجم الدين أربا كان وكان نائبا لرئيس الوزراء ، أصدرت هذه الحكومة بيانا نشر في الصحف التركية في السادس من أبريل ( نيسان ) عام 1975 قالت فيه (( إن الحكومة ستعمل على منع كل ما من شأنه الإضرار بالأمن الوطني والأخلاق التي تعمل الإذاعة والتلفزيون ـ التي كان إسماعيل جم يرأسها ـ على نشرها كما أنها ـ أي الحكومة ـ ستدخل في صراع مع الشيوعية أيضا )) .
وفي الرابع من مايو ( أيار ) من العام نفسه تم توقيع مجلس الوزراء على قرار بإعفاء إسماعيل جم المدير العام للإذاعة والتلفزيون من منصبه وأرسل القرار إلى رئيس الجمهورية للتصديق عليه فرفض التوقيع ، وقام رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض بالهجوم على هذا القرار واعتبر أسلوب الحكومة في إقالة إسماعيل جم سلوكا مستبدا هوائيا ، ولما عاد قرار إقالة إسماعيل جم إلى مجلس الوزراء بعد رفض رئيس الجمهورية التوقيع عليه ، صرح المتحدث باسم الحكومة أن الحكومة ستنفذ قرارها بإقالة المدير العام للإذاعة والتلفزيون حتى ولو لم يوقعه رئيس الجمهورية ، واضطر رئيس الجمهورية أخيرا للتوقيع على هذا القرار في 12 مايو ( أيار ) 1975 .
وبهذه الإقالة توفر للإذاعات التركية وتلفزيونها فرصة أفضل للبث الأخلاقي و ( إعادة بناء الأمة المعنوي ) كما يقول الدكتور نجم الدين أرباكان .
تبقى كلمة قصيرة عن التعريف بإسماعيل جم ، ولد عام 1940 وتلقى تعليمه في روبرت كولج ثم تخرج من كلية الحقوق في لوزن عام 1962 وعمل بالصحافة في جريدتي حريت ومليت محررا ثم مديرا للتحرير ، كما نشر عدة دراسات منها : * الإصلاح الزراعي ــ * تأخر تركيا ــ * مصر عبد الناصر .
مصادر البحث ومراجعه :
أ ـ الكتب :
Ibrahim Alaaddin : Sabatay Sevi . Istanbul.
وهو كتاب جيد موضوعه تاريخ المسيح المزيف ساباتاي زفي ، وينتهي بانقسام حركة الدونمة .
Yilmaz Oztua : Turking Tarihi, Istanbul.
وهو كتاب في التاريخ العام للدولة العثمانية من اثني عشر مجلدا وفي الجزئين التاسع والعاشر معلومات وافية عن القرن السابع عشر .
Munevver Ayasli : Isittiklerim – Gorduklerim – Istanbul, 1973 .
وهو كتاب ذكريات ترويه الكاتبة منور عياشلي ، تحدثت فيه عن ذكرياتها الأدبية والتاريخية ، وتحدثت فيه عن شخصيات عديدة مخضرمة بين عهد الدولة العثمانية وعهد تركيا الحديثة .
Izzet Nuri Gun ve Yalcin Celikler : Masonluk ve Masonlar.
وهو كتاب عن الحركة الماسونية في تركيا والماسون الأتراك ، وبه فصل عن الماسونية والإتحاد والترقي .
Ahmad Kabakl : Turk Edebiyati ; Istanbul , 1967 .
وهو كتاب في ثلاثة مجلدات تحدث فيه مؤلفه عن تطور الأدب التركي وفنونه ، والجزء الثالث دراسة في الأدب التركي الحديث .
ب ـ المجلات :
1ـ سبيل ، العددان 12 ، 18 : وهي مجلة أسبوعية تصدر في استانبول وصدرت بها دراسة عن الدونمة لأرطغل دوزداغ ، واستقى الكاتب أغلب ماد دراسته من كتاب إبراهيم علاء الدين السابق الذكر .
2- Hurriyet Yilligi : 1975 , Istanbul .
وهي سنوية تصدرها دار حريت بها موجز أخبار العام في تركيا والعالم وموضوعات أخرى .
ج ـ الموسوعات :
1- Buyuk Meydan Lars , Donme Mad.. Istanbul, 1969.
وهي ترجمة تركية لموسوعة لاروس بها إضافات كثيرة للموضوعات التركية وغيرها من الزيادات ومادة دونمة فيها تحتوي على معلومات قيمة .
2- Islam Anskiopedisi : Istanbul .
وهي الترجمة التركية لدائرة المعارف الإسلامية وأضيفت لها مواد خاصة بالأتراك وزيادة وتعديل في كثير من الموضوعات الأخرى بحيث صارت أكثر نفاسة من أصلها ، ومادة دونمة فيها من وضع هيئة التحرير التركية .
3ـ دائرة المعارف الإسلامية ( الطبعة العربية ) ولا تحتوي في مادة دونمة على أي زيادات وإنما هي ترجمة عن أصلها في اللغات الأوربية .
انتهى هذا البحث الشيق الذي يصف الدونمة وحالها في العصرين العثماني والتركي الحديث وغيرها ..




كتب البحث : فهد محمد الخرمي
مؤلف البحث:د / محمد عمر
أستاذ التاريخ الإسلامي


انتهى