خلالَ الأسابيع الماضية تزايد الاحتقان واشتد على الساحة العربية الإقليمية معَ تداخلات معقدة عديدة على عدة أصعدة، وكان العراق فيها كالمعتاد محور هذا الاحتقان والمواجهة، سواء كانَ ذلكَ من حيث مآلات مستقبله الذاتي بينَ الوحدة والتحرير والإنقاذ الوطني الذي تقوده المقاومة الإسلامية الوطنية في العراق، ومعها القاعدة الصلبة الحقيقية للقوى المناهضة للاحتلال منذ التاسع من أبريل، والاحتلال المقصود هنا بمعناه الحقيقي القائم على الأرض الممتزج بينَ الأعمال العسكرية العدوانية للاحتلال والعملية السياسية الصادرة عنه والمندمجة معَ مشروعه، وهذا يعني أن طرفي الاحتلال هُما في ذاتِ المسؤولية بغض النظر عن تعدد أدوارهما وصورهما في واشنطن وطهران.
هذا الاحتلال المزدوج بلا شك كانَ ولا يزال مسؤولاً عن تقسيمِ المجتمع واحتقانه واستزراع ميلشياتٍ أثارت الفوضى، وأراقت الدماء، وقتلت العراق إنساناً وأرضاً، وبالتالي فإن مسؤوليتها قائمة في استقدام مجموعاتِ العنف والفوضى الوحشية، أكانَ ذلك قائماً على يدي مخابراتها أو اختراقاتها أو تقاطعاتها الأمنية، أو كان انطلاقاً ذاتياً من تلك المجموعات، هيأ لها المحتلون هذا الواقع المروع الذي استقدمهم واستفز فيهم روحاً لا تعقلُ ولا تعي، ولا تُقدّرُ مصلحةً ولا تحترمُ النفس التي حرَّمَ اللهُ قتلها.
وطريقتي في صياغة الرؤية التحليلية لمستجدات المنطقة أحرصُ فيها دائماً على الابتعاد عن الضجيج والحرب الإعلامية بين هذه الأطراف العربية المتداخلة في صراعها مع المحور الإقليمي والدولي، خاصةً وأن الضجيج قد يُخفي وراءه حقائق أمنية وسياسية على الأرض تُقدم الصورة الحقيقية للحدث، ومدى تورط هذا الطرف أو ذاك فيه.

دمشق في عين الحدث مرة أخرى

لقد انصبت الأنظار مجدداً إلى دمشق وكنتُ قد توقعتُ ذلك حينَ ذكرت بأن دمشق اللاعب الرئيس في بغداد (3)، وذلك قبل تصريحات نائب الرئيس السوري، بغض النظر عن دوافعها أو ردود الأفعال عليها.
لكن الحراك السياسيْ الذي شهدته دمشق وبغداد وطهران تتابعَ وفق نفسِ المسار الذي حدّدتُهُ في تحليلي للموقف السوري الإيراني، ومهمة دمشق القائمة الآن على شراكة اندماجية حقيقية معَ حكومة الاحتلال التي يقودها نوري المالكي؛ لتحقيق ثمرة وحدة الموقف بينها وبين طهران، وبالتالي تأمين إعادة ولادة العملية السياسية لنفس التيار والأحزاب التي رعاها الاحتلال، ونفذ من خلالها إلى العراق، وتثبيت هذه النتيجة حكماً طائفياً على العراق لمصلحة هذا المحور.
وهذه عملية دقيقة جداً للغاية فيها من الصراع والتحالف بينَ المحورين ومساراتٌ حساسة، غيرَ أنَّ محور طهران لا يزالُ هوَ المتغلب على الأرض، بغض النظر عن تزايد التوقعات بالعمل العسكري المتوقع أن تُوجهه واشنطن لإيران وسنفردُ ذلك في بحثٍ مستقل، وإن كنتُ سابقاً قد تعرضتُ لذلك، وذكرت أنه ليسَ من مصلحة الخليج وأمنه العربي واستقراره السياسي اندلاعُ هذه الحرب.
أبرز حدثين رئيسين يدخلان في دراسة هذا المسار المعقد هماَ تعزيز الموقف السوري في مواجهة مشروع المقاومة الإسلامية الوطنية في العراق، وذلك من خلال زيارة نوري المالكي لدمشق، وإعلان الجانبين بشكل واضح وصريح تأييد دمشق للعملية السياسية القائمة، والنص على تأييدها للعمليات الأمنية التي تقوم بها القوات الدولية وقوات حكومة الاحتلال في العراق، وتزامن ذلك مع زيارة للسيد نجاد الرئيس الإيراني إلى كابلْ التي أعلنَ فيها دعمهُ للحكومة الأفغانية التي عينها الأمريكيون بقيادة كرزاي، مما أعاد الحديثَ مجدداً عن تقرير (بيكر هاملتون)، والذي أثنى فيه على موقف طهران خلال الحربين على بغداد وكابل، ونصَّ التقريرُ في حينه على نصحه للإدارة الأمريكية بحثّ طهران على استئناف هذا الدور.
ولسنا هُنا نطرح هذه السياقات على أنها رهنٌ لاتفاقٍ محدد المعالم بحثته طهران وواشنطن في مفاوضاتهما الأمنية الأخيرة، ولكنها قطعاً ستبقى لعباً بالبطاقات الأخيرة للطرفين سواء وقعت المواجهةُ أو أُجّلتْ، ولعلَّ ما يسندُ هذه الصورة المؤتمر الأمني الذي عُقدَ قي دمشق، وحضرته واشنطن وقاطعتهُ السعودية، وهو ما تلاه الهجومُ المباشر على المملكة.

الهجوم السوري على الرياض.. قراءةٌ أخرى

على الرغمَ من التنديد الأمريكي الموسمي الدائم بدمشق إلاّ أن تسلسل الهجوم على السعودية من كلا الطرفين: المحور الأمريكي والمحور الإيراني خاصة في تحميلها مسؤولية ما أفرزه الاحتلال من اضطرابٍ أمني قد تزايدَ بشكلٍ مُنظم منذ تصريح الملك عبد الله حينَ وصف العراق بأنّه ضحية احتلالٍ ظالم وطائفية بغيضة، غيرَ أن التصريحات المتتابعة مؤخراً لتحميل الرياض المسؤولية الأمنية على الرغمَ مما يظهرُ جلياً من أن عمليات العنف العشوائية التي يرتكبها شبابٌ سعوديون تُوظفهم حالةُ الفوضى القائمة منذ الاحتلال في العراق هوَ عملٌ فردي مستقل ينشأ من فكرةٍ يتلقاها هذا الشاب، ثم تصل إلى عبوره للحدود، واستيعابه من قبل هذه المجموعات الحقيقية في انتمائها للقاعدة أو الوهمية، والتي تُدار من قبل العملية الأمنية المشتركة لطهران وواشنطن. هذا التسرب لا يمكن أن يُقارن بميليشيات عسكرية وأجهزة أمنية ضخمة تُدار مباشرة من طهران، ومن هنا يبدو جلياً حجم التلاعب الإعلامي بالقضية.
وأعقبَ هجوم خليل زاده المشهور تصريحاتٍ عنيفة متتالية من أطرافٍ في الائتلاف الشيعي الحاكم في العراق ضد السعودية، ثم تلاهُ تصريح علي الأحمد رئيس معهد الخليج للدراسات، وهوَ أحد مناضلي أيدلوجية الثورة الإيرانية التي تحولت مهمته إلى واشنطن تحتَ المظلة الحقوقية، والمعروف بدعم أعضاء الكونغرس الموالين لإسرائيل له، وقد شُوهدَ في مناسباتٍ عده عبرَ شهاداتٍ ألقاها في المؤسسات الأمريكية، محاولاً إثبات أن المجتمع السعودي مجتمعٌ إرهابي بانتمائه الديني المجرد من خلال استشهاده بحديث صحيح مسلم المشهور (لتقاتلنّ اليهود وتقتلونهم ... الحديث) على أساس أن المجتمع السعودي يؤمن بهذا الحديث.. أما تصريح علي الأحمد فهـــو: "إن السعودية ستدفع ثمن دعمها للإرهاب في العراق"، وأعقبَ ذلك ما ورد في خطاب السيد نصر الله من "تحذير" حسب تعبيره من تقسيم السعودية، وهوَ ما ينتقلُ إلى مفهوم التهديد أحياناً، لأن الجماعة الفكرية العقائدية الوحيدة التي تتناغم معَ مشروع التقسيم هيَ ذات بناء أيدلوجي إيراني مشترك بينها وبين فرع الثورة في لبنان، وسيتضح ذلكَ أكثر في السياق القادم، ثمّ اختتمت سلسلة هذه الهجمات بهجوم الشرع الأخير، وما يهمُّني هنا القسم الذي يخدم المشروع الإيراني في الهجوم، بغض النظر عن أجواء الصراع الإعلامي والسياسي بين الطرفين.

تطورات الوضع العراقي ومعسكرات البقاع.. أين المشترك

المعروف تماماً لدى المحللين السياسيين في المنطقة بأن بناء أذرعة الثورة الإيرانية في الخليج كانَ يمرُّ عبرَ دمشق، وذلك من خلال عبور الآلاف من مناضلي أيدلوجية الثورة الإيرانية إلى إيران عبرَ البطاقات المرفقة بجوازاتهم، فتُختم البطاقة في الدخول والخروج دون الجواز، والتي كانت تُرفقها المعابر السورية فيعبرُ أولئك الشباب من دول الخليج سواء للتدريب العسكري في البقاع اللبناني أو التلقي الفكري والعقائدي، وهوَ ما كانَ لهُ أثرٌ كبيرٌ في تأزم العلاقات الطائفية في المجتمع العربي في الخليج وبروز خطاب المحاصصة الطائفية الذي تبنته واشنطن في المنطقة، ثمَّ حصلَ انكسارٌ تاريخي في هذه الحركة الثقافية توجه بها للشراكة السياسية والإعلامية مع واشنطن تحت اللافتات الحقوقية وتكثّفتْ هذه الاتصالات، وصولاً إلى التلاعب بالتركيبة الديموغرافية للمنطقة، والاستثمار السياسي لها كلٌ بحسبِ مصالحه الإستراتيجية الكبرى.
ومعَ تبين قدرة دمشق وتفوقها في اختراق مجموعات الشباب السعودي وتشكيلها من خلال مشايخ يتبنون المظهر والخطاب السلفي، فيعيدون توظيف أولئك الشباب لأهداف لا يُمكن تقديرُ مداها الأمني، إلاّ أن ذلك يُعطينا دلالةً واحدةً هي التي ترتكزُ عليها مفاصل هذه الخطة الأمنية، وهي رسالة ومشروع في آن واحد بأن دمشق ستفعل هاتين البطاقتين في معركة العراق الدائرة أو انعكاساتها عليها، والتلويح ببطاقة تهديد للطرف العربي الذي قد يُفشل ثمرة وخلاصة التعاون الأمريكي الإيراني في احتلال العراق؛ لكي يقوم كيان مسلوب الإرادة يخضعُ لإستراتيجية طهران ودمشق، ويبقى تفاوضهما مع الأمريكيين عند بدء الانسحاب هو المحدد الأكبر لهذه القضية، وليسَ قوى المقاومة الوطنية العراقية، و القوى السياسية المناهضة للاحتلال، إلاّ بالقدر الذي تتحكمُ فيه دمشق بهذه القوى، فتحول هذا الحضور والإنجاز العسكري التاريخي الكبير إلى إحدى بطاقاتها التفاوضية مع واشنطن.
وإدراك هذه الرسالة من قبل القيادة السعودية هو ما يُفسر ردة الفعل القوية من الرياض بصورة مفاجئة لم تعتد عليها دمشق التي كانت تُراهن دائماً على أن التهديدات الضمنية تُعطيها مساحة أكبر للحراك، لكن التغير الذي طرأ على السياسة الخارجية السعودية بعد تولي الملك عبد الله فاجأ دمشق بهذا الموقف.

التفوق سيكون حليفاً للقويّ والمستقل

منقول عن الكاتب ..... مهنا الحبيل

هذه الوضعية المتقدمة تتداخلُ بلا شك معَ الموقف الأمريكي المضطرب من نتائج انسحابه النسبي، وإعادة توزيع قواته في العراق والجامح في آنٍ واحد إلى تصحيح وإنقاذ وضعه الإستراتيجي في نفس الوقت الذي يسعى فيه لتأمين حالة سياسية تستغرقها، وتستهلكها أحلامُ السلام مدةً من الزمن يُؤمنُ خلالها مرحلياً الكيانُ الصهيوني بسياجٍ أمنيّ آخر عبرَ السياسة الداخلية التي يُديرها محمود عباس أو السياقات الأمنية الموازية.
ولكن الحالة في العراق مختلفة إذا أدركَ الطرف العربي المستقل عن واشنطن وطهران، ولو كانَ هذا الاستقلال عن الإرادة الدولية قائماً وحسب على حماية مصالحه الأمنية، ومستقبل استقراره وهويته في المنطقة والطرف هُنا بالطبع سيكونْ المملكة العربية السعودية ودول الخليج.
إن استثمار التقاطعات الناجحة والحضور الفاعل والمؤثر هي التي تكفلُ النجاح للسياسة الخارجية للعمق العربي الإسلامي في الخليج الذي بالضرورة تتقاطع مصلحته مع استقرار العراق المستقل والعربي والموحد، وهوَ بالضبط نقيض ما ذكرهُ العاهل السعودي من السبب الحقيقي لتدمير العراق احتلالٌ ظالم وحكمٌ طائفي بغيض، وعلى ذلك فأمامَ المملكة فرصة كبيرة بأن يتحول هذا الموقف إلى خيار رادع ليسَ لمصلحة وحدة العراق وإنقاذه فحسب، ولكن لحماية الأمن القومي السعودي، وذلك عبر استضافة مؤتمر القوى المناهضة للاحتلال بما فيها الممثلون السياسيون لفصائل المقاومة الوطنية العراقية للخروج بميثاقٍ وطنيٍ عراقي يكفلُ الانتقال الأكثر سلامة وأمناً للمنطقة، من خلال حكومة العراق الحر الانتقالي، والتي ستعملُ على توحيد نسيجه الاجتماعي واستعادة رباطه العربي، خاصةً وأن هذه المقاومة هي القوة الأولى الفاعلة على الأرض من الأطراف العراقية، وذلك في تحديد مسارات مستقبل العراق ووحدتـــه.
وأما الطرف الأمريكي فلا بدَّ من أن يتحملَ مسؤولية عدوانه التاريخي، ولكن ذلك أيضاً لن يمنعه من أن يستفيد من انسحاب مؤمن له في حال قبلَ التعامل مع نتائج هذا المؤتمر.
إن المدارات الدقيقة والحالة الحرجة التي يعيشها العراق والخليج تجعل من الضرورة لمن يُريد أن يُؤمّن استقلاله واستقراره أن يكون حراكه ومشروعه مستقلٌ بإرادته الوطنية فالحالة الأمريكية المضطربة للغاية في الداخل الأمريكي وعلى الساحة العراقية لا يمكن أن يُعتمد عليها أو يُوثقَ بها، فضلاً عن مبادئ أي انتماءٍ عربي إسلامي، ولذا فإن لم تكنْ للدولة العربية الإسلامية المحورية في المنطقة مشاريعُ مستقبلية تتواصلُ بها مع الأطراف الوطنية على الساحة العراقية، فلن ترحم الأحداث هذا الخليج، وسيلجأ الأمريكيون حينها للتعامل مع هذا الطرف الإقليمي القوي الذي بسط سيطرتهُ على الأرض، وسيُطرح حينها ماذا بعدَ العراق.
والمراهنة على تفوق الأمريكيين في الضربة العسكرية، ووضع كل البيض في سلتهم مرَّة أخرى سيكونُ هذه المرَّة التضحية بحزامِ السلامة الأخيــــر