بَــشــــــــر
وردت كلمة «بشر» في لغة التنزيل سبعاً وثلاثين مرةً في آيات مختلفات. وقد وقفتُ على هذه الآيات فوجدت «البشَر» فيها هو المخلوق الضعيف أَزاء الخالق القوي الكبير: ـ «بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ"
ثمّ إن «البشر» متساوون في أنهم ضعاف أمام الخالق، وأنهم هم والأنبياء سواء من حيث أنهم جميعاً خلق الله، سوى أن الأنبياء والرسل قد أُوحيَ إليهم فكُلّفوا ببيَّنات ورسالات. قال تعالى: ـ «مَا هَذَا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلْون مِنْهُ»
والنبي صاحب بيِّنة أو رسالة، وإنه ممن اصطفاه الله لأمر من الأمور ـ جلت عظمته ـ وقد أدرك الناس هذه الحقيقة. ـ قال تعالى: «مَاأنْتَ إلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ» ـ وقال تعالى أيضاً: «قُلْ إنّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ»
فالرسول والنبي من البشر خُصَّ بالوحي والرسالة والبيّنة. وقد فهم الخلق أن الأنبياء منهم: «فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَاسْتَغْنَى الله»
إن هذا «البشر» من هذه الأرض، خُلق منها، وعليها دَرَج، وإليها يعود: ـ «وَمِن آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ» ـ «وَإِذْ قال رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ»
أقول: وفي هذا القدْر من الآيات الكريمة كفاية أخلص منها لأُقرّر أن «البشر» في «القرآن» من الكلم القرآني، فلم أجده في الشعر الجاهلي مما بين أيدينا من نصوصه الوافرة.
ثمّ إني أُحسّ أن «البشر» يعني في أول إطلاقه «الهالك أو الفاني» الذي لم يُرزق البقاء والخلود بالنظر إلى الذات الإِلهية العلية الباقية الخالدة.
ويحسن بي أن أرجع إلى أصل هذه المادة فأجد «البَشَرة» بفتحتين وهي أعلى جلدة الرأس والوجه والجسد من الإِنسان وهي التي عليها الشَّعر، وهذا يعني أنها ظاهر الجلد.
إن هذه المادة التي تصرفت بها العربية فجاء الفعل «بَشَّر» أي انطلقت وانبسطت بشرته إعراباً عن الارتياح، ومنها: البشارة والتباشير وبَشَّرت الشجرة، وغيرها كثير. ألا ترى أنّ هذه المادة تعني أن «البشرة» شيء فانٍ وأنه لابد من هَرَم فعَجْز فموت، ومن هنا سُمّي بها المخلوق الفاني أي الإِنسان فكان «بشراً» أي هالكاً وفانياً ؟!
من كتاب: من وحي القرآن، تأليف: الدكتور إبراهيم السامرائي