فقه الواقع
إنَّ الحَمدَ لله نَحمَدُهُ ونَستعينُهُ ونَستغفرُهُ ، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسنا ومِن سيِّئاتِ أعمالِنا ، مَن يَهدِهِ اللهُ فلا مُضلَّ لهُ ، ومَن يُضِلل فلا هادِيَ لهُ .
وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شريكَ لهُ .وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُهُ .أمَّا بَعد :
فإنَّ رَسولَ اللهِ مُحمَّداً -صلى الله عليه وسلم- يقولُ : (( يُوشِكُ الأُمَمُ أن تـَداعى عَليكُم ، كما تـَداعى الأكَلَةُ إلى قَصْعَتِها )) .
فقال قائلٌ : ومِن قِلَّةٍ نَحنُ يَومَئذٍ ؟
قال : (( بَل أنتُم يَومَئذٍ كثيرٌ ، ولكنَّكُم غُثاءٌ كَغُثاء ِ السَّيل ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللهُ من صُدورِ عَدُوِّكُم المَهابَةَ منكُم ، وَلَيَقْذفَنَّ اللهُ في قُلوِبكُم الوَهَن )) .

فقال قائلٌ : يا رَسولَ اللهِ ! وما الوَهَنُ ؟
قال : (( حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ المَوت ))
1.
واقعُ المُسلمين :قـَد تـَجلَّى هذا الحَديثُ النَّبويُّ الشريفُ بأقوى مظاهرِهِ وأجلى صُوَرِهِ، في الفتنةِ العظيمَةِ التي ضَرَبَت المُسلمين؛فَفَرَّقـَت ْكلمَتـَهُم،وَشـَتـَّتـَتْ(صُفوفَـَهُم). وَلـَقـَد أصابَ طـَرَفٌ مِن هذه الفتنةِ القاسيةِ جَذْرَ قـُلوبِ عَددٍ كبيرٍ مِن الدُّعاةِ وَطـَلـَبَةِ العلم ِ ، فانقـَسَموا ـ وللأسَف الشديدٍ ـ على أنفُسهم ، فصارَ بَعضُهُم ( يَتـَكلـَّمُ ) في بَعض ٍ ، والبَعضُ ( الآخَرُ ) ينقـُدُ الباقين ، ويَرُدُّ عليهم ... وهكذا ...
معرفةُ الحقِّ بالردِّ :
وليسَت تلك الرُّدودُ ( مُجَرَّدة ً ) ، أو هاتيكَ النَّقـَداتُ ( وَحدَها ) بضائرةٍ أحداً مِن هؤلاء أو أولئكَ ، سواءٌ منهم الرَّادُّ أم المَردودُ عليه ، لأنَّ الحَقَّ يُعرَفُ بنوِرهِ ودلائِلهِ ، لا بِحاكيِه وقائِلهِ ـ عند أهل ِ الإنصافِ ، وليسَ عندَ ذوي التعصُّب والاعتساف ـ ؛ وإنَّما الذي يَضيرُ أولئكَ أو هؤلاء : هو الكلامُ ، بغَير علم ٍ ، وإلقاءُ القَول ِ على عَواهِنِهِ ، والتكلُّمُ بغَيرِ حقَّ على عبادِ الله
مسألةُ (( فقه الواقع )) :
ولـَقـُد أثيرَت أثناءَ تلك الفتنةِ العَمياء ِ الصمَّاء ِ البَكماء ِ مسائلُ شَتَّى ؛ فِقهيَّة ً ، ومَنهَجيَّة ً ، ودَعَويَّة ً ، وكان لنا ـ حينَها ـ أجوبة ٌ علمَّية ٌ عليها بِحَمد الله سبحانهُ ومِنَّتِه .
ومِن المَسائل التي أعقَبَت تلك الفتنة َ، وكَثُرَ الخَوضُ فيها : ما اصْطَلحَ ( البَعضُ) على تَسميِتِه بـ((فقه الواقع))!!
وأنا لا أخاِلفُ في صورَةِ هذا العلم ِ الذي ابتَدعوا لهُ هذا الاسمَ، ألا وهو ((فقه الواقع))؛ لأنَّ كثيراً مِن العُلَماءِ قـَد نَصُّوا على أنَّه يَنَبغي على مَن يَتَوَلونَ تَوجيهَ الأمَّةِ وَوضعَ الأجوبَةِ لِحَلِّ مشاكلهم : أن يَكونوا عالمينَ وعارفينَ بِواقِعِهِم ؛ لذلك كان مِن مَشهورِ كلماِتهِم : (( الحُكمُ على الشيءِ فَرعٌ عَن تَصَوُّرهِ )) ، ولا يَتَحقَّق ذلك إلا بمَعرفَةِ ( الواقِع ) المُحيطِ بالمسألَةِ المُرادِ بَحثُها ؛ وهذا مِن قَواعدِ الفُتيا بِخاصَّةٍ ، وأصول ِ العلم ِ بعامَّةٍ .
فَفِقهُ الواقع ـ إذاً ـ هو الوقوفُ على ما يَهُمُّ المُسلمين مِمَّا يَتَعلَّقُ بشؤوِنهِم ، أو كيدِ أعدائِهم ؛ لتحذيرِهم ، والنُّهوض ِ بهم ، واقعيَّاً ، لا كلاماً نَظَريَّاً2 ، أو انشغالاً بأخبارِ الكُفَّارِ وأنبائهم ... أو إغراقاً بِتحليلاِتهِم وأفكارِهم!!
عِلَّة ُ ذلَ المُسلمين :
ولا بُدَّ هُنا مِن بيان ِ أمرٍ مهمٍّ جدَّاً يَغفلُ عنه الكثيرون ، فأقولُ : ليسَت عِلَّة ُ بقاء ِ المُسلمين فيما هم عليه مِن الذُّلِّ واستعبادِ الكُفَّارِ ـ حتى اليَهود ـ لبَعض ِ الدُّوَل الإسلاميَّة ، هي جهلَ الكثيرين مِن أهل ِ العلم ِ بفقهِ الواقع ، أو عَدمَ الوقوفِ على مُخَطَّطاتِ الكُفارِ وَمُؤامراتِهم ، كما يُتوهمُّ !
مِن أغلاط بَعض ( الدُّعاة ) :
ولذلك فأنا أرى أنَّ الاهتمامَ بفقه الواقع اهتماماً زائداً بحَيث يكونُ منهجاً للدُّعاةِ والشبابِ ، يُرَبُّونَ وَيَتَربَّونَ عليه ، ظانَّينَ أنَّهُ سبيلُ النَّجِاةِ : خَطأُ ظاهِرٌ وَغَلَطٌ واضحٌ !
والأمرُ الذي لا يَختِلَفُ فيه مِن الفُقهاء ِ اثنان ، ولا يَنتطحُ فيه عَنزان : أنَّ العلَّةَ الأساسيَّة للذُّلِّ الذي حَطَّ في المُسلمين رِحاَلهُ :
أوَّلاً : جَهلُ المُسلمين بالإسلام الذي أنزَلَهُ اللهُ على قَلبِ نبيَّنا عليه الصَّلاةُ والسَّلام .
وثانياً : أنَّ كثيراً مِن المُسلمين الذين يَعرفونَ أحكامَ الإسلام ِ في بَعض ِ شؤوِنهم لا يَعملونَ بها
التَّصفيَة ُ والتَّربيَة ُ :
فإذاً : مِفتاحُ عَودَةِ مَجـِد الإسلام ِ : تَطبيقُ العلم ِ النَّافِع ِ ، والقيامُ بالعَمَل الصَّالح ِ ، وهو أمرٌ جليلٌ لا يُمِكنُ للمُسلمين أن يَصِلوا إليه إلا بإعمال ِ مَنهج ِ التَّصفيةِ والتَّربَيةِ ، وهُما واجبان ِ مُهمَّان ِ عَظيمان ِ 6 :
وأرَدتُ بالأوَّل ِ منهما أموراً :الأوَّل : تصفيَة ُ العَقيدةِ الإسلاميَّة مِمَّا هو غـَريبٌ عنها ، كالشركِ ، وجَحُدِ الصَّفاتِ الإلهيَّة ، وتأويلها ، وردّ الأحاديث الصَّحيحةِ لتعلُّقها بالعَقيدة وَنحوِها .
الثَّاني : تصفيَة ُ الفقهِ الإسلاميِّ مِن الاجتهاداتِ الخاطئةِ المُخالِفةِ للكتابِ والسُّنَّة ، وتحريرُ العقول مِن آصارِ التَّقليد ، وظُلمات التعصُّب .
الثَّالث : تصفية ُ كتب التفسيرِ ، والفقهِ ، والرَّقائق ِ ، وغيرها مِن الأحاديث الضَّعيفة والمَوضوعَة ، والإسرائيليَّات والمنُكَرات .
وأمَّا الواجبُ الآخرُ : فأريدُ بهِ تربَية َ الجيل ِ النَّاشئ على هذا الإسلام ِ المُصفَّى مِن كلِّ ما ذكَرنا ؛ تربية ً إسلامية ً صحيحة ً منذ نُعومَةِ أظفارِهِ ، دونَ أيِّ تأثرٍ بالتربَّيةِ الغربَّيةِ الكافِرَةِ . ومِمَّا لا رَيبَ فيه أنَّ تحقيقَ هذين الواجبَين يَتطّلَّبُ جُهوداً جبَّارة ً مُخلصَة ً بينَ المُسلمين كاَّفة ً : جماعاتٍ وأفراداً ؛ من الذين يَهُمُّهُم حقَّاً إقامَة ُ المُجتمع ِ الإسلاميِّ المَنشودِ ، كل ٌّ في مَجالهِ واختِصاصِه
الإسلاُم الصَّحيحُ :
فلا بُدَّ إذاّ مِن أن يُعنى العُلماءُ العارِفونَ بأحكام ِالإسلام ِالصَّحيح بَدَعوَةِ المُسلمين إلى هذا الإسلام الصَّحيح، وتفهيمهم إيَّاهُ ثم تربيتهم عليهِ،كمثل ما قال اللهُ تعالى:وَلكنْ كُونوا رَبَّانيَّين بـِما كُنْتُمْ تُعَلَّمونَ الكِتابَ وبما كُنْتُم تَدْرُسونَ" 7 . هذا هو الحلُّ الوحَيدُ الذي جاءَت به نُصوصُ الكتابِ والسُّنَّة ، كما في قوله تـَعالى: إنْ تَنْصُروا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبَّتْ أقْدامَكُم" ، وغيره كثير
كيف يأتي نـَصرُ اللهِ ؟
فـَمِن المُتـَّفـَق عليه دونَ خِلافٍ ـ ولله الحَمد ـ بين المُسلمين أنَّ مَعنى " إنْ تَنْصرُوا اللهَ" ، أي : إنْ عملتُم بما أمَرَكُم به : نصَرَكُم اللهُ على أعدائكُم .
ومِن أهمِّ النُّصوص ِ المُؤيِّدَةِ لهذا المَعنى مِمَّا يُناسِبُ واقعَنا الذي نعيشُه تماماً ، حيثُ وَصْفُ الدَّواء ِ والعلاج ِ معاً ؛ قولهُ : (( إذا تبايَعتُم بالعِينَة ، وَأخَذتُم أذنابَ البَقـَر ، وَرَضيتُم بالزَّرع ، وَتركُتم الجهادَ ، سَلَّطَ اللهُ عليكُم ذُلاً لا يَنزعُهُ عَنكُم حتى ترجِعوا إلى دينكُم )) 9 .
القولُ الوَسَط ُ الحقُّ في (( فقه الواقع )) :
فالأمرُ ـ إذاً ـ كما قال الله تعالى : "وَكَذلكَ جَعَلناكُم أمَّة ً وَسَطا ً "14 ؛ ففقهُ الواقع بمَعناهُ الشرعيِّ الصَّحيح هو واجبٌ بلا شكّ ، ولكنْ وجوباً كِفائيَّا ً ، إذا قامَ به بَعضُ العُلماء ِ سَقطَ عَن سائرِ العُلماء ِ ، فضلا ً عَن طلاّبِ العلم ِ ،فضلا ً عَن عامَّةِ المُسلمين! فلذلك يَجبُ الاعتدالُ بدعوة المُسلمين إلى مَعرفِة (( فقه الواقع )) ، وَعَدمُ إغراقهم بأخبارِ السِّياسة ، وَتـَحليلاتِ مُفكِّري الغـَرب، وإنَّما الواجبُ ـ دائماً وأبَداً ـ الدَّندَنَة ُ حولَ تـَصفية الإسلام ِ مِمَّا عَلَقَ به مِن شوائبَ ، ثم تربَية ُ المُسلمين : جماعاتٍ وأفراداً ، على هذا الإسلام المُصَفَّى ، وَرَبطُهُم بـِمَنهَج ِ الدَّعوةِ الأصيل :الكتاب والسُّنَّة بفـَهم سَلَف الأمَّة
خـَطَرُ الطَّعن بالعُلماء ِ :
أمَّا الطَّعنُ في بَعض ِ العُلماء ِ أو طُلاّب العلم ِ ، وَنَبْزُهمُ بجهل فقهِ الواقع ، وَرَميُهم بما يُستـَحيى مِن إيرادهِ : فهذا خَطَأ وَغـَلطٌ ظاهرٌ لا يَجوزُ استمرارُهُ لأنَّهُ مِن التباغُض ِ الذي جاءَت الأحاديثُ الكثيرةُ لِتـَنهى المُسلمينَ عنه ، بَل لِتـَأمُرَهمُ بضِدِّهِ مِن التَّحابِّ والتَّلافي والتَّعاوُن
كيف نُعالِجُ الأخطاءَ ؟
وأمَّا الواجبُ على أيِّ مُسلم ٍ رأى أمراً أخطَأ فيه أحَدُ العُلماء ِ أو ( الدُّعاةِ ) : فهو أن يَقـَومَ بتـَذكيرِهِ ، وَنُصحِهِ : فإن كان الخَطَأ في مكان ٍ مَحصور ٍ : كان التـَّنبيهُ في ذلك المكان نَفسهِ دونَ إعلان ٍ أو إشهار ٍ ، وبالّتي هي أحسَنُ للّتي هي أقوَمُ . وإن كانَ الخَطأ مُعلَناً مَشهوراً ، فلا بَأسَ مِن التـَّنبيهِ والبيان ِ لهذا الخَطأ ، وعلى طريقةِ الإعلان ، ولكن كما قال اللهُ تعالى : " ادْعُ إلى سَبيل ِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوعِظَةِ الحَسَنةِ وَجادِلهُم بالَّتي هيَ أحْسَنُ "16 . ومِن المهمِّ بيانُهُ أنَّ التَّخطئة المُشارَ إليها هنا ليسَت التَّخطئةَ المبنيَّة َ على حماسةِ الشباب وعَواطِفِهم ، دونَما علم أو بيِّنةٍ ، لا ؛ وإنَّما المُرادُ : التـَّخطئة ُ القائمة ُ على الحُجَّةِ والبيان، والدَّليل ِوالبُرهان 17.
وهذه التَّخطئة ُ ـ بهذه الصُّورة اللَّيِّنَةِ الحكيمَة ـ لا تـَكونُ إلا بينَ العُلماء ِ المُخِلصينَ وطُلاَّبِ العلم النَّاصحين ؛ الذين همُ في علمهم ودَعوتهم على كلمةٍ سواء ، مَبنيَّةٍ على الكتاب والسُّنَّة ؛ وعلى نَهج سَلَف الأمَة .
أما إذا كان مَن يُرادُ تـَخطِئتُهُ مِن المُنحَرفينَ عَن هذا المَنهج الرَّبَّاني فله ـ حينئذٍ ـ مُعامَلة ٌ خاصَّة ٌ ، وأسلوبٌ خاصٌّ يَليقُ بـِقـَدْرِ انحِرافِهِ وَبُعدِهِ عَن جادَّةِ الحَقَّ والصَّواب .

1 ـ حديثٌ صحيحٌ ، تراه مُخَرَّجاً في (( الصَّحيحة )) ( 958 ) .
2 ـ أمَّا الكلامُ ( النَّظريُّ ) الذي ليسَ لهُ مَن ( يتبنَّاهُ ) عمَلاً ، ويُخرجهُ إلى حيِّزِ ( الواقع ) فعلاً ؛ فقد وَصَفهُ شيخنا في بَعض مجالسهِ مع الأخ الدكتور ناصر العُمَر بأنهُ (( عَبثٌ وجُهدٌ ضائعٌ )) ، كما في شريطِ التسَّجيل ِ المَنشورِ من تلكَ المجالس ِ . ( علي ) . وانظر ما سيأتي ( ص 57 ) .
3 ـ المائدَة : 2
4 ـ فهم للمُسلمينَ ـ جماعاتٍ وأفراداً ـ ضياءُ السبَّيل ِ ومنارُ الطريق ِ ؛ وعلى نهجهم يَسيرون . (علي ) .
5 ـ الشورى : 48 .
9 ـ وهو مُخرَّجٌ في كتابي (( سلسلة الأحاديث الصَّحيحة )) ( رقم : 11 ) .
10 ـ التوبة : 38 .
11 ـ آل عمران : 19 .
12- مُحمَّد : 19.
13 ـ أنظر ما سبَق ( ص 14 ) .
14 ـ البقرة : 143 .
15 ـ مُخرَّج في (( الصيحة )) ( 1083 ) .
16 ـ النَّحل : 125 .
17 ـ فـَلْيُتاْمَّل هذا الكلامُ وَلْيُتـَدَبَّر . ( علي ) .
18 ـ انظر (( الدُّرّ المَنثور )) ( 4 / 99 ) .