يحكي محمد مكيّة المعماري العراقي البغدادي سيرة حياته من دون عناء واعتناء، أي بذاك النوع من العفوية الاولى التي تكاد تبدو بدائية، والتي ينتظر صدور مثلها عن رجل ...




السيرة الخام والعفوية لحفظ صورة مدينة



كتب : نزيه خاطر



اسم الكتاب : خواطر السنين
المؤلف : المعماري محمد مكيه
الناشر : دار الساقي - لندن
سنة النشر : 2005

يحكي محمد مكيّة المعماري العراقي البغدادي سيرة حياته من دون عناء واعتناء، أي بذاك النوع من العفوية الاولى التي تكاد تبدو بدائية، والتي ينتظر صدور مثلها عن رجل بسيط وعادي ويومي لا عن مثقف أكاديمي امتزجت أيامه بحوادث بلاده، وعلى مدى القرن العشرين، الأخطر والأعنف والأخصب. حتى أني مراراً وأنا اتابع مطالعة "أخباره" المروية على بركتها اذا جاز القول، عرفت من عدم الاهتمام بالمحتوى والسطحية في القول، ما كاد يجعلني على خطوة من ايقاف قراءتي، لولا شعور ما بوجود حصاد وإن على نقيض ما كنت آمل في قطافه وازداد تلمسّي لثرائه مع كل صفحة كنت أقلّبها في الكتاب الصادر حديثاً تحت عنوان "خواطر السنين"( ). فحيث بحثت عن معلومات أستكمل بفضلها معرفتي بالعمارة العراقية التي نجحت بحسب علمي عبر عدد من رموزها في خلق معادلة معمارية ناضجة جداً بين الركائز الموصوفة للبناء البغدادي التراثي ومعطيات الحداثة المعقودة على العيش العصري والمواد الجديدة الممثّلة أولاً بالباطون، وقعت على عدد وفير من تفاصيل عيش من الصميم البلدي العراقي ذي الهوى الجنوبي (الكوفة الأهوار...) والايقاع الشعبي البغدادي (محلّة صبابيغ الآل في جوار سوق الغزل وجامع الخلفاء...). وجذبتني هذه المرويات الصغيرة عن المنزل العائلي، والصيفية على السطوح، ودور الحمار في تنقّل أهل الدار، والعلاقة مع ناس المحلّة والصلات بالمدينة بغداد التي تبدو بعيدة تماماً عن العيش البلدي في الحي. وأمور لا تحصى أعادت الى ذاكرتي بعض "خبريات" معمّري قرى الجرد من عقّال وجويّدين وهم يسترجعون أزمنة من القرن الماضي ما بين الحكم العثماني والانتداب الفرنسي، وعندما كان الناس يعيشون على القنديل رقم 4. فما شدّني في قوة الى محتوى مرويات قريبة من الشفهية ضاعف لديّ الشعور بكم كان التطور كبيراً وعنيفاً بين بغداد عام 1914، عام ولادة محمد مكيّة، وبغداد 2005، ومكيّة في لندن بين مقيم ولاجئ و"رجل في الحقل ورجل في البور" على ما يقول أهل الجرد، والمعماري في الحادية والثمانين وفي الانتظار...

"(...) كانت وسيلة النقل القارب والحمار والعربات التي تجرها الخيول، والاخيرة جديدة العهد ببغداد يومذاك (...)" يقول مكيّة في بداية خبرياته البلدية قبل ان يعلن مؤكداً: "(...) فالحياة ببغداد لم تختلف في القرن الخامس عشر الميلادي عنها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكأن هناك سكون بين الازمنة (...)" ليصل الى النقطة التي ينعقد عندها خلافه مع الاتجاه الجديد لمدينة تتأهل تنظيماً لزمن المواصلات السريعة فيقول: "(...) اختفت ملامح بغداد الشعبية وأصالتها وآثارها العريقة (وذلك منذ العشرينات في القرن الماضي) لتحل مكانها طرق وشوارع مستقيمة باستقامة مسطرة مهندس الطرق لمجاراة التطور الصناعي، فرضتها حركة العربات الآلية الطاغية، خالية من التهذيب والاحساس، تشير الى التخلّف الحضاري (...)"، وهي المدينة التي تنمو في نظره الى مواقع منفصلة تماماً عن جذورها، التي يرفضها المعماري محمد مكيّة، خريج جامعتي ليرول وكمبردج، راوياً على نحو المختصر المفيد، وإن في بخل جلي في التفاصيل، عيشه في منزل بلدي في محلة شعبية في قلب مدينة عرفها حميمية ومكتظة بالوجوه الأليفة وقريبة جداً ومحافظة جداً ومن دون تعصّب ديني او مذهبي، وهي منذ اكثر من نصف قرن تمحو معالمها وتهدم ذاكرتها وتصنع لحاضرها وجهاً لا يحمل هويتها.

وضمن هذا الانطباع العام لمعماري صارع طويلاً بلا جدوى لانجاح رؤيته لبغداد منتمية الى جذورها العباسية، نتابع بكثير من الاهتمام المرويات المعطرة بحنين طري لرجل يحكي من شبه منفى ذكريات زمن عاش فيه كما يحب المدينة التي يحب. وقد يكون السبب وراء الطبيعة المختصرة جداً للمرويات كونها صادرة عن ذاكرة أضحت على مسافة عمر من الذي تتذكره. هكذا تمرّ الخبريات خفيفة وبريئة ولذيذة ودائماً ضمن الذي يقوله انسان "محافظ ومحترم" يفرّق جيداً بين الخاص والعام، وبين الذي يُروى والذي يبقى في الكتمان. وتوزعت هذه المرويات التي يصح وصفها بالبورجوازية البغدادية البلدية على أربعة فصول زائد دليل وثائقي لجامعة الكوفة المشروع الذي "عطّله" وصول حزب البعث الى الحكم بحجة خطر التلاحم بين العمائم والأفندية، أي بين رجال الدين الشيعة والاساتذة الجامعيين. ويلفت في كتاب "خواطر السنين" الغياب الكامل للفن المعماري كهاجس مركزي دائم في مرويات محمد مكيّة، رغم الحضور المعنوي في صورة "المعنى المغيّب" لمهنة أراد لها صاحبها أن تساهم ضمن أطرها في تأصيل البناء الجديد من طريق تركيز عناصرها على تراث اسلامي عريق ليس غريباً عن نشأتها وفخامتها ومجدها. وكتاب "خواطر السنين" يروي ولا يفصّل، يؤكد ولا يبرهن، ينتقي أخباره من دون متابعتها حتى النهاية، ويبدو مقالا إن أثار موضوعاً، وسريعاً لو تناول خبراً، وغير دقيق وغير مليء وغير مقنع، مع ضرورة الاشارة دوماً الى أنه من صنع ذاكرة عبرت شفهياً عن ذاتها تاركة لآخر هو رشيد الخيّون أمر تحريرها.

ولكل ذلك هو كتاب للقراءة، فمادته رغم كل ما قلناه، وبسبب ما قلناه، ثمينة رغم بخل تفاصيلها، مفيدة لمن يهوى جمع الوثائق عن واقع المدن العربية في الداخل في النصف الثاني من القرن العشرين، وإن كانت تحكي قصة مدينة وحياة عربي اختار الفن المعماري في مرحلة التحولات العمرانية الكبرى في العالم العربي، فهي كمادة خام تقدّم الى القارئ في عفوية المتحدث الشفهي تفي بغرضها، اي بالرغبات التي حضّت على تأليفها ومن ثم على نشرها، كأنها مشغولة أولاً لحفظ صورة مدينة ودور معماري حاول الخدمة، وثانياً للاعتراض على الاتجاه غير المقبول من محمد مكيّة لعمران عربي إنما عراقي خاصة ينمو الى خارج جذوره ضد تراثه.



نشر هذا المقال عن الكتاب بقلم الكاتب نزيه خاطر في جريدة النهار اللبنانية الصادرة يوم 2 يوليو 2005.

منقووووول