مهلاً يا أصحاب الأقلام والقلوب السوداء

بمجرد أن انتهت من قراءة مقال الأقدام السوداء لصالح القلاب والذي نشر في جريدة الرأي الأردنية وجدت اندفاعاً من القلم ليمسك بيدي ويخط هذه الكلمات ولا شعورياً تجاوبت يدي مع القلم وإن كنت في عجالة من أمري لترد على هذا المقال بصورة عفوية ومباشرة في صلب الموضوع فلا أريد أن أخوض في الخلفيات الفكرية والأيدلوجية للكاتب ولا أتوسع في التنظير الفكري والسياسي للرد عليه فالكاتب حسب علمي هو وزير إعلام سابق ومتمرس في العمل الإعلامي والتنظيري، الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه هو انحياز هذا الكاتب تماماً لطرف واتجاه فكري واحد الذي انعكس على كتاباته بفقدانها للموضوعية والمصداقية فلم أقرأ مقالاً واحداً له يخلو من التهجم والتهكم على الحركة الإسلامية وكل ما يمت لها بصلة بداع أو بغير داع وعدم رضاه عن أي تصرف لهذا الاتجاه وإن اتفقت كل الأطراف على قبوله.
على أية حال بالنسبة للمقالة المذكورة والتي بدأت مباشرة بقوله ليست دفاعاً عن إسرائيل وفي الحقيقة الجانب الأكبر من المقالة هي دفاعاً عن إسرائيل وعملائها الذي عاثوا في الأرض فساداً وتخريباً وبطريقة متهكمة، يقول "إن ما جرى من فظائع خلال غزوة التحرير الثاني لغزة وقطاعنا لم يجر مثله حتى عندما اجتاحت إسرائيل مخيم جنين" وأقول على رسلك يا سيد قلاب، يبدوا أنك فعلاً نسيت مذبحة مخيم جنين وكيف دكت البيوت على رؤوس ساكنيها وأحرق الأخضر واليابس من بيوت ومؤسسات ومراكز، وكيف كانت استغاثات الأبرياء يسمعها العالم كله وعلى الهواء مباشرة ثم تخفت هذه الاستغاثات رويداً رويداً لتعلن موت أصحابها، وتعتصر قلوبنا حزناً وكمداً على ذلك بل لعلك نسيت تلك الصور التي تناقلتها مواقع الإنترنت وبعض وسائل الإعلام لقتل ذلك الشاب الفلسطيني وبدم بارد من قبل الجيش النظامي لإسرائيل بعدما تم تعريته من ملابسه في القدس، بل لعلك نسيت تلك الصورة للجنود الإسرائيليين وهم يلتقطون الصور التذكارية بجانب جثث الفلسطينيين التي أعدموها بطريقة وحشية بعد إطلاق النار عليها وجرها لمئات الأمتار أيضاً أمام الكاميرات، ولعلك نسيت صورة مذبحة عائلة غالية على شاطئ بحر غزة، ولعلك نسيت ولعلك نسيت.
على أية حال لا نبرر ولا نوافق على أي تصرف يتجاوز الحدود الإنسانية المتفق علها من أي طرف كان ولنكون موضوعيين فلا بد من نقل الحقيقة كاملة والصورة بمجملها عند الاستشهاد ببعض التصرفات التي بنيت عليها تهجمك وتهكمك على الذي حصل في غزة مؤخراً، الصورة الأولى هي تلك الخاصة بإعدام المدعو سميح المدهون وقد التمس لك عذراً أنك بعيد عن غزة أو أنك لم تسمع أو تعرف من هو سميح المدهون وما الذي فعله واقترفه في غزة فلو أنك سألت الأطفال قبل الكبار في غزة لأجابوك ولجنبوك الوقوع في الخطأ والظهور بمظهر الجاهل والذي لا يعرف شيء.
فبالتأكيد يا أستاذ قلاب المدهون لم يقتل من قبل الجماهير الغاضبة والمقهورة لأنه عضواً في فتح فأؤكد لك أن الكثير ممن شارك في ذلك هم أعضاء في فتح، وردة الفعل الغاضبة من الجماهير وإن كنت لا أتفق مطلقاً على الطريقة التي تمت بها لها ما يبررها فمسيح المدهون هو المتهم الأول في أحداث الفلتان الأمني والقتل وسفك الدماء وتهديد التجار وسرقة ممتلكاتهم في شمال قطاع غزة على مدى الأشهر القليلة الماضية والتي راح ضحيتها العشرات من أبناء هذا الشعب ولم تهدأ تلك الحوادث إلى بعد اتفاق فتح وحماس على نقل المدهون ليسكن في غزة قرب مقر الرئيس عباس أو ما يسمى بالمنتدى وللمفارقة العجيبة أنه منذ انتقال المدهون لتلك المنطقة هدأت تماماً منطقة شمال قطاع غزة وانتقلت الحوادث والجرائم والمشاكل لما سمي منطقة المربع الأمني لحرس الرئاسة والتي سكنها المدهون، وبعد ذلك إذا بحوادث الاختطاف والتعذيب وإطلاق الرصاص وإحراق الممتلكات بل واقتحام البيوت الآمنة واختطاف أهلها ثم قتلهم أمام أطفالهم وغيره من الجرائم التي صدمت الشارع الفلسطيني في غزة تتفاقم والمدهون هو ورائها وقطع الشك باليقين عندما صرح المدهون ومن خلال اتصال مباشر مع إذاعة صوت الشباب قبل مقتله بيومين وقال بالحرف الواحد "لقد أحرقت عشرين منزلاً وسوبر ماركت وحتى الآن أعدمت ثلاثين من كلاب حماس وسأخرج الآن لحرق المزيد ووالله لأذبح كل من يقول عن نفسه حماس في الشوارع كالخراف" أظنك يا أستاذ قلاب لم تسمع هذه التصريحات وأرجو أن أكون محقاً أنك لم تسمعها ولم تعرف هذه الحقائق لأنك ترى بعين واحدة وتسمع بأذن واحدة وأسألك الآن بالله عليك ألا تلتمس عذراًَ لمئات الضحايا من أبناء غزة لقتلهم هذا المجرم، وعلى فكرة لم يعرف لسميح المدهون أن شارك في المقاومة ضد الاحتلال البتة بل سلاحه وإجرامه كان موجه فقط ضد أبناء هذا الشعب.
أما المشهد الثاني الذي سقته فهو حادثة إعدام ذلك الشاب بالطريقة الإجرامية الهمجية بإلقائه من فوق بناية عالية فأنا متأكد أنك لم تعرف من الذي قتله وأن هذا الشاب تم اختطافه من خلال إحدى حواجز الأمن الوطني بعدما أنزل من السيارة بحسب شهود العيان وجريمته الوحيدة أنه ملتحي وبلحية خفيفة كما قال والده ولم يشفع له استغاثته أنه من فتح ويعمل في أجهزة الأمن فلقد أعمى الحقد الدفين في قلوب المجرمين أن يتحققوا من هذه المعلومات وظنوه يكذب وكما ذكرت في مقالتك بعدما عذبوه قتلوه بتلك الطريقة الهمجية.
أرجو يا أستاذ قلاب أن تتحقق من هذه المعلومات وتستمع للتسجيل المرئي لوالد ووالدة هذا الشاب والذي تم بثه على قناة الأقصى يذكرون هذه القصة بكلمات أبكت القلوب والعيون مع شهود العيان الذين أكدوا تلك الرواية وللعلم أيضاً فإن البرج السكني الذي ألقى منه هذا الشاب يقع في قلب ما يسمى منطقة المربع الأمني لحرس الرئاسة.
وحتى لا أطيل أختم وأقول إن الذي حصل في غزة قد آلمنا وأحزننا أنه حدث إلا أنه بمعايير الانفلات الأمني والغوغائية وردود أفعال الجماهير الغاضبة التي اجتاحت غزة في الأيام والأسابيع التي سبقتها ومقارنة مع أحداث مماثلة في مناطق أخرى من العالم قد حصل بصورة أدهشت وفاجأت الجميع من حيث سرعة انتهاء الأحداث والخسائر المادية والبشرية.
في النهاية أتمنى أن أقرأ مقالة للسيد القلاب عن عشرات بل مئات الجرائم التي حدثت بعدها وما زالت تحدث في الضفة الغربية من انتهاك للحقوق وحرق للممتلكات العامة والخاصة من مدارس ورياض أطفال ومؤسسات اجتماعية وبلديات ومكاتب ومنازل نواب في التشريعي ومن اعتقالات وتعذيب وقتل على الهوية والانتماء وكل ذلك يتم تحت مرأى ومسمع قوات الأمن الفلسطينية أو بأيديهم وبتسهيل مباشر وتنسيق مع قوات الاحتلال الإسرائيلي.

د. ماهر بدر صبرة