مظاهر الغزو الفكري

مما ابتلي به المسلمون هذا النوع من الغزو و الذي قد يغفل عنه البعض نتيجة كثرة المحن و الشدائد التي تمر بها أمة الإسلام، و يظهر خطره و ضرره من حيث كونه غير محسوس به لدى البعض، إضافة إلى استمرار آثاره لدى الأجيال الجديدة، عاملا على تغيير الهوية الإسلامية المميزة.
و الغزو الفكري له مظاهر كثيرة و متعددة، تكاد تشمل جميع جوانب الحياة، بناءاً على دراسات دقيقة لأحوال المجتمعات الإسلامية.
فقد خطط أعداء الأمة الإسلامية، و تدارسوا الأمر فيما بينهم، و وضعوا مخططات تنفذ بكل دقة و نظام، و توالت مظاهر الغزو الفكري تنتشر بين المسلمين، و التي يلمسها المراقب و الباحث، و التي سوف نقف على بعضها من خلال المجالات التالية:

أولاً حملات التشويه:

و قد مست كل ما يتصل بالإسلام من عقائد، ونظم، و تراث، و تاريخ، و فكر، و حياة، و من أمثلة ذلك:

(1) - محاولة تشويه عقائد المسلمين، بغير سند و لا دليل. يقول رينان الفرنسي، و هو يصور عقيدة التوحيد في الإسلام : (بأنها عقيدة تؤدي إلى حيرة المسلم. كما تحط به كإنسان إلى أسفل الدرك).
و دائرة المعارف الإسلامية في إحدى طبعاتها تزعم أن "ابن تيمية" كان مسرفاً في القول بالتجسيد، ومن ثم كان يفسر كل الآيات والأحاديث التي تشير إلى الله بظاهر اللفظ، و قد تشبع بهذه العقيدة، إلى درجة أن ابن بطوطة يروي عنه، أنه قال من منبر جامع دمشق: (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ثم نزل درجة من درج المنبر).
(2) - محاولة تشويه القرآن الكريم، و هي محاولة قديمة و حديثة، و هي كغيرها بعيدة عن العلم و المنطق. يقول المستشرق جب: (إن محمداً قد تأثر بالبيئة التي عاش فيها، وشق طريقة بين الأفكار و العقائد الشائعة في بيئته، فالقرآن من صنع محمد صلى الله عليه وسلم و من ملاءمات هذه البيئة التي عاش فيها.
(3) - محاولة تشويه السنة النبوية، التي جندوا ما جندوا من أقلام، و كتب، و مجلات، و بحوث.
(4) - محاولة تشويه شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
(5) - محاولة تشويه التاريخ الإسلامي، و هي من أخبث المحاولات و أكثرها دهاءاً و مكراً فقد صور هؤلاء الحاقدون على الإسلام و المسلمين، أن الفتوحات الإسلامية فتوحات غزو و استعمار، و أن الخلافة الإسلامية خلافة تآمر، وسفك للدماء، و غير ذلك كثير مما لا يقره عقل و لا دين.
(6) - محاولة زعزعة الإيمان بالغيب عند المسلمين، و لذا جاءت المحاولة تشكك في كل ما لا تدركه الحواس، و تفسر الجزاء عند المصدقين به. . بأنه جزاء روحي، و الجنة والنار بأنهما شعور نفسي.
(7) - محاولة تشويه نظام الحياة الإسلامية، و بأنه لا يوجد نظام للحياة معروف في الإسلام من خلال:
- اتهامهم للقوانين والنظم الإسلامية بالرجعية وعدم القدرة على مواكبة ركب التحضر والتقدم.
- اتهامهم النظم الإسلامية بالمحلية و القصور و الإقليمية.
- اتهامهم بأنها عند التطبيق و التنفيذ، تعتمد على وحشية أو همجية أو قسوة، و بخاصة فيما يتصل بالرجم و القطع و الجلد.
- اتهامهم للقوانين و النظم الإسلامية، بأنها لم تحظ بإجماع المسلمين عليها، في عصر من العصور.
- اتهامهم لها بأنها تتجاهل الأقليات غير الإسلامية ، في ظل الدولة الإسلامية.


ثانياً: إحياء النـزعات الجاهلية التي لا تتفق مع تعاليم الإسلام كالدعوة إلى القومية، و الدعوة إلى الفرعونية، و الآشورية، و الفينيقية، و ما جرى مجرى هذا، مما يتنافى مع الإسلام.


ثالثاً : الدعوة إلى التحلل والإباحية: من أجل طعن الأمة في أخلاقها و قيمها، و قد شاعت في المجتمعات الإسلامية أمور تعافها الفطر السليمة. و لكنه الانحراف الذي لا يعترف بالقيم الفاضلة.

رابعاً: إبعاد العلماء والدعاة عن مراكز التوجيه و السلطة و القيادة: وذلك أمر له خطورته. وفي بعض المجتمعات تقلص دور العلماء، و أصبح قاصراً على خطبة الجمعة، و بعض الأحاديث التي تخضع للعيون الساهرة و المراقبة الدقيقة، و أصبح بعض العلماء يجرون وراء المناصب جرياً، تذل له الجباه، ويطلبون المناصب بما لهم من مآثر في الأتباع، و أياد في التصفيق و التأييد.

خامساً: التعليم و الثقافة، و لا يخفى أن الغزو الفكري، ينتشر من خلال مدارس التعليم ومعاهده وجامعاته أفضل من أي مظهر آخر.
وقد دخل الغزو الفكري إلى العالم الإسلامي، من باب يخيل إلى السطحيين من الناس أنه الباب الطبيعي. إذ حمل اسم العلم و المعرفة و التمدن. يقول القس زويمر: (المدارس أحسن ما يعول عليه المبشرون في التحكم بالمسلمين).
و من المعروف أن المسلمين أقبلوا على هذه المدارس بكثرة كاثرة، يلتهمون كل ما احتوته من عقيدة وفكر، لا يميزون صحيحها من فاسدها، ونفعها من ضرها.
و بما أن الثقافة ليست علوماً و معارف و أدباً و فنوناً فحسب، بل مناهج فكر و خلق، تصطبغ حياة الأمة بصبغتها في شتى ضروب نشاطها، فإن (الغزو الفكري) استطاع من خلال الثقافة، أن يلقي بمزيج من الأخلاط الغربية الملتمسة من الفكر الغريب المنحرف، و التوجيه الفاسد، القائم على التخطيط الشرير. و لذا قام الغزو الفكري بالدعوة إلى الأغراض الآتية:
1- الدعوة إلى إضعاف العلاقة بين المسلمين بقطع الروابط الثقافية و إحياء الثقافات الجاهلية.
2- الدعوة إلى العامية، و إلى تطوير اللغة.
3- إيجاد الشعور بالتبعية الثقافية، و الشعور بمركب النقص.
4- دفع الجامعات إلى الاعتماد على كتب المستشرقين العلمية.
5- توهين جهود المخلصين الثقافية و الإبداعية.
6- تمجيد القيم الغربية، و تسفيه القيم الإسلامية، و الدعوة إلى نبذها.
7- لفت أنظار المجتمعات إلى القشور، و إلهائها عما يفيد و ينفع.
8- إحياء المذاهب الفلسفية و الجدلية، و البعد عن الأساليب العلمية.
9- إنشاء الموسوعات التاريخية الإسلامية، وبذر الشكوك و لي الحقائق من خلالها.
10- الحرص على تكوين جيل مثقف، يحمل راية الاستشراق و الدعوة إليه.
11- الدعوة إلى تدريس العلوم الطبية وغيرها بلغات غير اللغة العربية، ليظل المسلم عنده إحساس بعجز اللغة العربية لغة القرآن.

سادساً : الخدمات الاجتماعية: و استغلالها كطريق يساعد على إمرار ما يراد إمراره، و لذلك أصبحت المخيمات، و المستشفيات، و المستوصفات، و الجمعيات الخيرية، و وكالات الإغاثة، و دور الأيتام، و المسنين، و غيرها. . .. مراكز غزو!!
و مما يلاحظ أن (الغزو الفكري) لم يقتصر على تلك المظاهر، و إنما كانت هناك خطوات أخرى، محسوبة و مدروسة و مخطط لها، و منها:
1- الإرساليات التبشيرية التي قل أن يخلوا مجتمع إسلامي منها.
2- الإعداد الصهيوني و التنسيق بينه و بين الفكر الغربي.
3- استغلال البعثات العلمية و الثقافية.
4- الامتيازات الأجنبية و الحصانات الدبلوماسية و استغلالها.
5- استغلال الأقليات والطوائف وإثارة النعرات.
6- التعاون بين التبشير والسياسة.
7- استغلال الحركات الوطنية، و التطلعات السياسية.
8- الرحلات، و جمعيات الصداقة، و الدعوة إلى العالمية، و المجتمعات الكشفية.
9- المساعدات الاقتصادية، و ربطها بتسهيلات، و تنازلات معينة.
10- الدعوة إلى الحوار الحر، مع نبذ العقائد و الأفكار، و التجرد للوصول إلى الحقيقة في زعم هؤلاء.
ــــــــــــــــ
*في الغزو الفكري/أحمد عبد الرحيم السايح، باختصار وتصرف.