‏09‏/06‏/2007
بسم الله الرحمن الرحيم
سعادة الأخ مدير تحرير صحيفة …. حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تشرفت بقراءة مقال د. زهير محمد جميل كتبي "عمر قاضي في الميزان"، المنشور في جريدة الندوة العدد 14729 و تاريخ 19/3/1428 ، ذلك المقال الصادق الذي تناول و بشفافية متناهية بعضا من الجوانب المشرقة للإنجازات المشرفة لأحد رجالات الدولة الأوفياء: المهندس عمر قاضي.
وقد حفزني ما قامت به الصحيفة العريقة أن أكتب لصحيفتكم، التي لا تقل عراقة والتي عرف عنها اهتمامها بنشر صادق الخبر بكل إقدام و شجاعة، لأن أكتب لسعادتكم لا رياء و لا سمعة بل إبراء للذمة و اعتراف مني بفضل هذا الرجل على كل من تشرف بالعمل تحت مظلة إدارته، و لما لمسته من صدق و دقة و أدب جم عرض فيه كاتب المقال لصفات و أخلاق و مهارات المهندس عمر قاضي عندما تشرف بخدمة هذه البلاد الطاهرة وكان له قصب السبق في إرساء قواعد التخطيط والتطوير الهندسي والإداري. وقد وجدت أن على مثلي ممن عملوا تحت مظلته على مدى هذه السنين الطويلة واجب الوفاء ورد الجميل لهذا الرجل القدوة وبحكم الصحبة والمعاصرة له من بدايات عمله التي كانت في ربوع المنطقة الشرقية مديراً عاماً لتخطيط المدن والإدارة الهندسية بالمنطقة عام 1390هـ في عهد الملك الباني فيصل بن عبد العزيز رحمه الله . ومع بداية الخطة الخمسية الأولى للبلاد حيث قام بتنفيذ توجيهات ولاة الأمر حفظهم الله ، و ذلك بإرساء قواعد البنية التحتية لمشروعات بلديات المنطقة الذي كان باكورتها مشروع التحسين العاجل لمدينتي الدمام والخبر تنفيذاً لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك فهد رحمه الله يوم أن كان وزيرا الداخلية آنذاك وكانت البلديات تتبعها، فكان تكليفه برئاسة لجنة مختارة ، بتنفيذ هذا المشروع وتفويضه كافة الصلاحيات الفنية والإدارية والمالية ليتم إنجازه في مدة زمنية لا تزيد عن سبعة شهور، قلب خلالها وجه عروسي المنطقة الشرقية الخبر و الدمام على مستوى ميادينها وشوارعها، تنظيماً وتخطيطاً وتجميلاً على أرقى مستوى حضاري في تخطيط المدن ، وبالفعل كان هذا المشروع متميزا و رائدا في جميع مراحل تنفيذه ، دراسة و إعدادا، وآلية طرحه و إسناده و التخطيط له، حيث منح الأمر السامي في حينه اللجنة المكلفة بالإشراف على تنفيذ المشروع العاجل صلاحيات تجاوزت الروتين وذلك باتباع طريقة الإسناد المباشر للمقاولين، فضلا عن فورية صرف المستحقات و المستخلصات حسب اللوائح والأنظمة ، وعلى ضوء هذه القفزة النوعية انطلقت لجنة الإشراف برئاسة المهندس عمر قاضي باتخاذ القرارات مواكبة تطلعات ولاة الأمور للنهوض العاجل بمستوى الخدمات، حيث تشكلت لجان فرعية للدراسة و إعداد المخططات و أخرى ميدانية لأعمال التنفيذ والمتابعة لتترجم المخططات لواقع ملموس يحقق الهدف من هذا المشروع. فما تكاد دراسة مخطط تنتهي حتى يتحول إلى فرق التنفيذ الميداني ليترجمها إلى واقع تخطيطي ملموس ، وهكذا وفي أقل من سبعة أشهر فتحت و طورت و حسنت و أضيئت 17 شارعا رئيسيا في الدمام ، وستة شوارع عملاقة في الخبر مع ميادينها و ساحاتها ومواقفها و طرق خدماتها. ولا تزال هذه الشوارع حتى اليوم تلبي حاجة حركة المرور و انسيابها دون أي ازدحام أو اختناق يشهد له الواقع الحالي للمدينتين على الرغم من مضي أكثر من 30 عاما على إنجازه .
وهكذا، وبفضل الإرادة و التصميم و العزيمة التي كان يملكها المهندس عمر قاضي ترجمت الأقوال إلى أفعال منجزة لعشرات الآلاف من الأمتار المسطحة للشوارع و الطرق و عشرات ألوف أخرى من مسطحات الأرصفة المبلطة و آلاف من أعمدة الإنارة، و المئات من الإشارات الضوئية واللوحات الإرشادية، وما لا يقل عن 20 ألف شجرة و 100 ألف مسطح أخضر تزين ميادين المدينتين ترويها شبكات الري الهندسي من مصادر المياه الجوفية التي تضخ من آبار عادية وارتوازية ، تجعل الرآي يستشعر آفاق تلك النهضة العليمة والوعدة . هذا وقد شرف الملك الباني فيصل رحمه الله هذا المشروع بزيارة كريمة منح على إثرها مشروعات مرافق خدماتيه أخرى في مجال الأصحاح البيئي ممثلة في مشروعي الصرف الصحي للمدينتين ليكمل ما هدف إليه مشروع التحسين العاجل في إرساء قواعد البنية التحتية لمدن المملكة على أسس حضارية تواكب المدن المتحضرة في العالم.
و كان المهندس عمر قاضي يواصل مع فريق عمله حتى الثالثة صباحاً دون كلل أو ملل ويعود في اليوم التالي كعادته في أولى ساعات الدوام بكل همة ونشاط فكان بحق قدوة للعاملين ، ومثال يحتذى لجميع الموظفين .
ثم توالت إنجازاته على مستوى التخطيط العمراني في المنطقة مستخدماً مؤهله الأكاديمي بدرجة ماجستير في تخطيط المدن من الولايات المتحدة الأمريكية، إلى توجيه جميع الهيئات الاستشارية والعالمية العاملة في المنطقة إلى تنفيذ جميع متطلبات عقودهم في التخطيط الحضري للمدن وانتهت هذه المتابعة
والإشراف والمحاسبة إلى إنهاء المخططات الإرشادية لحوالي ثمانية عشر مدينة على ضفاف شاطئ الخليج من الأحساء إلى العيون والعمران إلى سيهات و القطيف و صفوى و رأس تنورة ثم إلى عمق الصحراء في الحفر و القيصومة و الخفجي فضلا عن الدمام و الخبر، ولم يغادر المنطقة حتى أرسى في دوائرها و بلدياتها و مراكز خدماتها قواعد التنظيم الإداري و التخطيط الحضاري الواعد لتطوير المدن و تحسينها على أرقى الأساليب الحديثة أسوة بمدن العالم المتقدم وقد أهله ذلك بفضل الله تعالى إلى الانتقال إلى الرياض عاصمة المملكة مديرا عاما لتخطيط المدن ثم وكيلا للوزارة ، مكملا مشواره الطويل في التخطيط و التنظيم والإدارة بكل كفاءة و اقتدار.
وعلى سبيل المثال لا الحصر ألخص بعض منجزات هذا الرجل الذي يحرص على أداء الواجب و يطمح إلى تقديم المزيد بكل تواضع و صمت، خلال مدة خدمته في المنطقة الشرقية، و هي قليل من كثير قدمه معاليه لخدمة بلاده بشعوره الوطني الصادق و لا يتسع المجال للوقوف على كافة التفاصيل فما لا يدرك كله يدرك جله وعلى أمثالنا ممن رافقوه أن يقدموا شهادتهم بكل مصداقية لبيان تاريخه الناصع ، و أن يكشفوا عن صفحة مضيئة أخرى من حياته.
فأقول :
أولا: كان المهندس عمر قاضي المؤسس الأول لتخطيط المدن والإدارة الهندسية في المنطقة الشرقية في فيلا بسيطة بحي العدامة بالدمام، و كان يعمل معه مجموعة قليلة العدد من المواطنين و المتعاقدين ، ثم تحولت هذه الفيلا فيما بعد إلى فيلتين متجاورين تضم أفضل الكفاءات الهندسية والإدارية التي ترجمت فكره وتطلعاته بأسلوبه المتميز إداريا و فنيا على كافة بلديات المنطقة الشرقية .
ويحضرني بهذه المناسبة أن أروي واقعة لا أنساها عندما كانت الإدارة بالمنطقة الشرقية تعاني من ضيق المكان الذي لم يعد كافيا لاحتواء الجهاز العامل فيها. و حدث وقتها أن زاره في مكتبه معالي الدكتور غازي القصيبي عندما كان مديرا عاما لسكة الحديد، و أوضح له المهندس عمر قاضي أن المكتب بحجمه و موقعه أصبح لا يتناسب و الدور الهام و الفاعل الذي يؤديه بالمنطقة بالإضافة إلى تطلعاته المستقبلية. و بإحساس المسؤول و المواطن الصالح لم يخرج الدكتور غازي القصيبي من مكتب المهندس عمر إلا وقد تنازل عن أرض تابعة لحجوزات السكة الحديد ذات مساحة و موقع ملائم على الشارع الرئيسي بالدمام ليقام عليها مبنى لمكتب تخطيط المدن بالمنطقة يليق بحجم عمله و يعين العاملين فيه على إنجاز أعمالهم، ثم تحول الموقع حاليا إلى مع تطور البلاد إلى مقر أمانة منطقة الدمام.
ثانيا: و بعد أن أرسى قواعد الإدارة العامة لتخطيط المدن تنظيما على المستوى الإداري و الفني استطاع أن ينجز في فترته المحدودة بالمنطقة الشرقية حوالي 18 مخططا إرشاديا لمدن حديثة و قديمة، بالإضافة إلى تخطيط كورنيش المنطقة الساحلية التي تضم حاضرة الدمام الكبرى: الدمام و الخبر وما بينهما، مع مخططات استعمالات الأراضي التي تترجم الغاية من التخطيط على الأساليب الحديثة وذلك بتخصيص أماكن للحدائق و كذلك أماكن للنزهة والترفيه و ملاعب الأطفال و حدائق عامة و أماكن للخدمات و أخرى للمواقف والمساجد وكل ما يخدم المواطنين. و تجلى عمق هذا التخطيط في الضوابط العمرانية للمباني و ذلك بتنظيم ارتفاعاتها و ارتداداتها و تنسيق مواقعها و تأمين مواقفها، و ذلك بمنتهى الرقي و الحضرية التي تواكب العصر الحديث.
وقد ترك هذا التخطيط بصماته و أداءه على مدن المنطقة الشرقية حتى الآن، فلا اختناقات مرورية ولا ندرة في مواقف السيارات، فضلا عن توافر الأماكن التجارية و السكنية والترفيهية. وكل ذلك كان يعود لحرص هذا الرجل الصادق و إصراره على إرساء قواعد التخطيط على أسس علمية متطورة .
ثالثا: قام عام 1395 بإعداد أول معرض تخطيط لمدن المنطقة الشرقية الذي افتتحه الملك فهد يرحمه الله حين كان وزيرا للداخلية، ومعه العديد من أفراد الأسرة المالكة، و نظرا لشدة إعجاب الملك بذلك المعرض أمر بتحويله إلى معرض على مستوى المملكة.
رابعا: في مجال المشروعات على ضوء ميزانية 94/95 و 95/96، حيث رشد ما خصص في كلا الميزانيتين بكل حكمة و اتزان و ترجمها إلى واقع عملي مشهود ينبض بالحيوية و الخدمة العملية للمواطنين، فوجه مشاريع الطرق و الإنارة إلى مناطق التوسع السكاني ثم العمراني و نحو المناطق التي تفتقر للإصحاح البيئي، فردم المستنقعات التي كانت مراتع لبعوض الملاريا، تحت مسمى "ردم المناطق المنخفضة" و حول هذه المساحات المهدرة إلى مخططات حديثة سرعان ما وصلت إليها الطرق ليتحول أهل المدن القديمة العشوائية كالقطيف و سيهات و أمثالها على ساحل الخليج إلى مدن حضرية مخدومة بالمرافق العامة غيرت وجه المنطقة و أكسبت شاطيء الخليج إطلالة رائعة.
خامسا كانت الخطوة الموفقة و الطموحة للمهندس عمر قاضي بفك التداخل بين مقاولي الخدمات من صرف صحي و مياه و طرق و إنارة و اتصالات و كهرباء لتنظيم تنفيذ المشروعات و تقليل نفقاتها و هدرها للطاقات و الاعتمادات المالية والوقت نتيجة فقدان هذا التنسيق، و نحن في سباق مع الزمن، وكان أول اجتماع للعاملين في المنطقة تحت مظلة إمارة المنطقة الشرقية و بترتيب و تنظيم صاحب تلك الفكرة السديدة المهندس عمر قاضي .
وختاما فإني أهيب بكل الذين عملوا مع المهندس عمر قاضي و عاصروه في مراحل حياته العملية من موظفين و زملاء مهنة، سواء في المنطقة الشرقية أو الرياض أو المدينة المنورة ومكة المكرمة، أن يدلوا بدلوهم وفاء لهذا الرجل و لأمثاله الذين خدموا هذا الوطن الكبير و أن يكشفوا عن جهود الخير وعن كل التجارب التي واكبت النهضة الحديثة بالمملكة العربية السعودية لرجال أكفاء مخلصين أمثال معالي المهندس عمر قاضي بتوفيق الله تعالى ثم بتوجيهات القيادة السعودية الرشيدة .
.
والله من وراء القصد،،،
أخوكم المهندس/ عبد المجيد عبد الجبار
ص. ب. 7906
هـ 0504537328
مكة المكرمة
المملكة العربية السعودية