أمل دنقل امير شعراء الرفض العرب


ولد امل دنقل عام 1940 بقرية القلعه ،مركز قفط على مسافه قريبه من مدينة قنا بالصعيد ,


و كان والده عالما من علماء الازهر الشريف مما اثر في شخصية امل دنقل وقصائده بشكل واضح.


سمي امل دنقل بهذا الاسم لانه ولد بنفس السنه التي حصل فيها ابوه على "الاجازة العالميه" فسماه باسم امل تيمنا بالنجاح الذي حققه


فقد امل دنقل والده وهو في العاشره من عمره مما اثر عليه كثيرا واكسبه مسحه من الحزن تجدها في كل اشعاره




أنهى دراسته الثانوية بمدينة قنا, والتحق بكلية الآداب في القاهرة لكنه انقطع عن متابعة الدراسة منذ العام الأول ليعمل موظفاً بمحكمة "قنا" وجمارك السويس والإسكندرية ثم موظفاً بمنظمة التضامن الأفرو آسيوي, لكنه كان دائم "الفرار" من الوظيفة لينصرف إلى "الشعر".




عاصر امل دنقل عصر احلام العروبه والثورة المصرية مما ساهم في تشكيل نفسيته وقد صدم ككل المصريين بانكسار مصر في1967 وعبر عن صدمته في رائعته "البكاء بين يدي زرقاء اليمامه"و مجموعته "تعليق على ما حدث ". شاهد امل دنقل بعينيه النصر وضياعه,وصرخ مع كل من صرخوا ضد معاهدة السلام,ووقتها اطلق رائعته "لا تصالح"والتي عبر فيها عن كل ما جال بخاطر كل المصريين ،ونجد ايضا تأثير تلك المعاهده و احداث يناير 1977 واضحا في مجموعته" العهد الآتي"." كان موقف امل دنقل من عملية السلام سببا في اصطدامه في الكثير من المرات بالسلطات المصريه وخاصة ان اشعاره كانت تقال في المظاهرات على السن الآلاف. عبر امل دنقل عن مصر وصعيدها وناسه ،ونجد هذا واضحا في قصيدته "الجنوبي" في آخر مجموعه شعريه له"اوراق الغرفه 8" . عرف القارىء العربي شعره من خلال ديوانه الأول "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" (1969) الذي جسد فيه إحساس الإنسان العربي بنكسة 1967 وأكد ارتباطه العميق بوعي القارىء ووجدانه




اصيب امل دنقل بالسرطان وعانى منه لمدة تقرب من الاربع سنوات وتتضح معاناته مع المرض في مجموعته "اوراق الغرفه 8"وهو رقم غرفته في المعهد القومي للاورام والذي قضى فيه ما يقارب ال 4 سنوات,وقد عبرت قصيدته السرير عن آخر لحظاته ومعاناته. لم يستطع المرض ان يوقف امل دنقل عن الشعر حتى قال عنه احمد عبد المعطي حجازي ((انه صراع بين متكافئين ،الموت والشعر)) .
رحل امل دنقل عن دنيانا في الحادي والعشرين من مايو 1983 لتنتهي معاناته في دنيانا مع كل شيء






و اليوم نستعرض قصيدة البكاء بين يدي زرقاء اليمامة








أيتها العرافة المقدَّسهْ..
جئتُ إليك.. مثخناً بالطعنات والدماءْ
أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسهْ
منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ.
أسأل يا زرقاءْ..
عن فمكِ الياقوتِ عن نبوءة العذراء
عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسهْ
عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء
عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء..
فيثقب الرصاصُ رأسَه.. في لحظة الملامسهْ!
عن الفم المحشوِّ بالرمال والدماء!!
أسأل يا زرقاء..
عن وقفتي العزلاء بين السيف.. والجدارْ!
عن صرخة المرأة بين السَّبي. والفرارْ؟
كيف حملتُ العار..
ثم مشيتُ؟ دون أن أقتل نفسي؟! دون أن أنهارْ؟!
ودون أن يسقط لحمي.. من غبار التربة المدنسهْ؟!
تكلَّمي أيتها النبية المقدسهْ
تكلمي.. باللهِ .. باللعنةِ.. بالشيطانْ
لا تغمضي عينيكِ، فالجرذان..
تلعقَ من دمي حساءَها.. ولا أردُّها!
تكلمي.. لشدَّ ما أنا مُهان
لا اللَّيل يُخفي عورتي.. ولا الجدرانْ!
ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدُّها..
ولا احتمائي في سحائب الدخانْ!
.. تقفز حولي طفلةٌ واسعةُ العينين.. عذبةُ المشاكسهْ
(ـ كان يَقُصُّ عنك يا صغيرتي.. ونحن في الخنادقْ
فنفتح الأزرار في ستراتنا.. ونسند البنادقْ
وحين مات عَطَشاً في الصحراء المشمسهْ..
رطَّب باسمك الشفاه اليابسهْ..
وارتخت العينان!)
فأين أخفي وجهيَ المتَّهمَ المدانْ؟
والضحكةُ الطروب: ضحكته..
والوجهُ.. والغمازتانْ!؟
* * *
أيتها النبية المقدسهْ..
لا تسكتي.. فقد سَكَتُّ سَنَةً فَسَنَةً..
لكي أنال فضلة الأمانْ
قيل ليَ «اخرسْ..»
فخرستُ.. وعميت.. وائتممتُ بالخصيانْ!
ظللتُ في عبيد (عبسِ) أحرس القطعان
أجتزُّ صوفَها.. أردُّ نوقها..
أنام في حظائر النسيان
طعاميَ: الكسرةُ.. والماءُ.. وبعض الثمرات اليابسهْ.
وها أنا في ساعة الطعانْ
ساعةَ أن تخاذل الكماةُ.. والرماةُ.. والفرسانْ
دُعيت للميدانْ!
أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأنْ..
أنا الذي لا حولَ لي أو شأنْ..
أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيانْ،
أدعى إلى الموت.. ولم أدع إلى المجالسة!!
تكلمي أيتها النبية المقدسهْ
تكلمي.. تكلمي..
فها أنا على التراب سائلً دمي
وهو ظمئً. يطلب المزيدا.
أسائل الصمتَ الذي يخنقني:
«ما للجمال مشيُها وئيدا.. ؟!»
أجندلاً يحملن أم حديدا..؟!»
فمن تُرى يصدُقْني؟
أسائل الركَّع والسجودا
أسائل القيودا:
«ما للجمال مشيُها وئيدا..؟!»
«ما للجمال مشيُها وئيدا..؟!»
أيتها العَّرافة المقدسهْ..
ماذا تفيد الكلمات البائسهْ؟
قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ..
فاتهموا عينيكِ، يا زرقاء، بالبوار!
قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار..
فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار!
وحين فُوجئوا بحدِّ السيف: قايضوا بنا..
والتمسوا النجاةَ والفرار!
ونحن جرحى القلبِ،
جرحى الروحِ والفم.
لم يبق إلا الموتُ..
والحطامُ..
والدمارْ..
وصبيةٌ مشرّدون يعبرون آخرَ الأنهارْ
ونسوةٌ يسقن في سلاسل الأسرِ،
وفي ثياب العارْ
مطأطئات الرأس.. لا يملكن إلا الصرخات الناعسة!
ها أنت يا زرقاءْ
وحيدةٌ.. عمياءْ!
وما تزال أغنياتُ الحبِّ.. والأضواءْ
والعرباتُ الفارهاتُ.. والأزياءْ!
فأين أخفي وجهيَ المُشَوَّها
كي لا أعكِّر الصفاء.. الأبله.. المموَّها.
في أعين الرجال والنساءْ!؟
وأنت يا زرقاء..
وحيدة.. عمياء!
وحيدة.. عمياء