أمارات .. لا أظنها كذابة ؟

كلمات لا أظنها تؤدي ربع ما تصبو إليه، ولكن!
قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب".
قام ذات ليلة مفجوعاً وجلاً، وما يقوم عليه الصلاة والسلام إلا لأمر عظيم!.
فماذا عساه كان يقصد بكلماته؟!.
هل كان يقصد فقراً؟!.
أم كان يقصد بها حرباً؟!.
أم أنه قصد موتاً؟!.
هل من قارئ للحديث؟!
وهل من متدبر لكلماته؟!.
وهل من مُتفكّر فيه، ثم مذكّر به؟!.
إن الأمر أَدْهَى وَأَمَرُّ، كما قال صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي كافراً ويصبح مؤمناً؛ يبيع دينه بعَرَضٍ من الدنيا". [رواه مسلم].
فوالذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، إنّ هذا لهو البلاء العظيم.
فأين تذهبون؟!.
إنّه أمرٌ غفل عنه الكثيرون، وتناساه المتناسون، وقصّر فيه العاملون، وتشاغل عنه المتشاغلون، حتى قال الله فيهم: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ). وقال عز وجلّ: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ).
فهل من مدّكر؟!.
وهل من واعظ ومتعظ؟!.
وهل من ناصح ؟!.
أمورٌ تحدث عياناً بياناً، وعلى مرأى ومسمع في أرض الواقع.
فهل فكر فيها أحد؟!.
أين أولو الأبصار؟! (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).
أحداثٌ يشيب منها الولدان، وأمورٌ تقض المضاجع!.
فأين اليقظة؟! وأين العبرة؟! وأين.. وأين؟!.
فيا ليت قومي يتعظون!.
أحداث تترى، يتلو بعضها بعضاُ، كأنها تقول:

لقـد أسمعـت لـو ناديـت حيـّاًولكن لا حياة لمـن تنـاديولو نـاراً نفخـت بها أضاءتولكــن أنت تنفـخ في رمـادِ
وقد قال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة: " يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج. قالوا يا رسول الله، أيما هو؟! قال: القتلُ القتل". [رواه البخاري].
فماذا يعني هذا؟!.
وقال صلى الله عليه وسلم: " سيخرج قوم في آخر الزمان؛ أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". [رواه البخاري].
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " وعظُم البلاء بهم، وتوسّعوا في معتقدهم الفاسد؛ فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق من الإبط، وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها... ". [فتح الباري 12/ 285].
فما زال هؤلاء يخرجون، وفي عصرنا هذا يتزايدون، ومنهم الإباضية، والحرورية، والرافضة، والباطنية، والقدرية، والجهمية، والمعتزلة، وغيرهم، وبلاد الرافدين وفارس تشهد بذلك.
فماذا يعني هذا؟!.
تضرب أرضَ الباكستان في الساعة الواحدة ثلاثُ ُهزّات.
فماذا يعني ذلك؟!
يُقتل في العائلة الواحدة في العراق أحد عشر شخصاً،
فماذا يعني ذلك؟!.
تتفجر أرض شرقي آسيا براكيناً - إن لم تكن ناراً - فطيناً.
فماذا يعني ذلك؟!
كَثُرَت الفتنُ والزلازل، والربا، والمحن!.
فماذا يعني هذا وذاك؟!.
إنّ الحادث جلل والخطب أعظم. فهي دلالات وأمارات لا أظنها كذابة.
والذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، إنه لمصداق قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ). ومصداق قوله جلّ شأنه: (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ). كما أنه ترجمان إنذار، وقد سبقه تنبيه حينما وافتنا المصادر النبوية: "بعثتُ أنا والساعة كهاتين".
فهذه من العلامات التي ظهرت وتحققت في عصرنا هذا؛ فقد انتشرت التجارة على مستوى أهل الأرض، فأصبح لها من القوة ما ليس للجيوش الجرارة، وأضحت حروب اليوم تجاريةً، تقيم دولاً وتهدم شعوباً!. بل صارت تستخدم كعقوبات دولية!.
وهكذا تقاربت الأسواق، وكثر الربا والزنا والغناء، وتفشّت المنكرات واستُهين بالمحرمات!.
فهل من وقفة صادقة تُخاطبُ بها الضمائر، لتستيقظ بعد طول رقاد؟!.
هل من موعظة كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يعظ أصحابه عن أناس غرتهم الحياة الدنيا، وغرهم بالله الغرور؟!.
هل من استعداد ليوم تشخص فيه الأبصار؟!.
لا إله إلا الله! ما أغفلنا!
يشيع في كل يوم غادٍ ورائح، ترك أهله وأصحابه، وكفى بالموت واعظاً.
مالكم لا تستفيقون؟!.
تذكروا يوم الحسرة؛ يوم الآزفة، يوم الجمع، يوم القارعة، يوم الطامة.
وهي أكبر طامة في التاريخ، وليست طامّة عسكرية أو اقتصادية، ولا دولية، بل هي أكبر وأعظم من ذلك، وكل طامّة سواها تهون.
تذكروا يوم الجاثية وما يعني من أهوال! ويوم الحاقة، ويوم الغاشية.
يوم تكوّر الشمس التي تكبر الأرض بأربعين مرة – كما يقال - يوم تنكدر النجوم من شدة الهول، يوم تسير الجبال وتنسف نسفاً، فهذه الجبال فكيف بالإنسان؟!.
يوم تعطل العشار، وتحشر الوحوش، يوم تسجّر البحار وتفجّر، يوم الصاخة، يوم تزلزل الأرض، وتحدث أخبارها، يوم تفتح السماء لنزول الملائكة، يوم يضطرب العالم إيذاناً بنهايته.
تذكروا هذه الوصية من الملك القدوس: (أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ).
أيها الناس:
اعدوا للأمر عدته، فإنما هي ساعات وثوانٍ.
قال علي رضي الله عنه - والذي عرف شأن الدنيا - قال وهو جالس في الكوفة عليه ثوب مرقع: "يا دنيا يا دنيّا، غُرّي غيري؛ طلقتك ثلاثاً، عمرك قصير وزادك، حقير وسفرك طويل... ".
قال ابن القيم رحمه الله: "علي ابن أبي طالب لا يراجع الدنيا بعدما طلقها لأنه راوي حديث في أبي داود: لعن الله المحلّل والمحلّل له".
فطلقوا الدنيا، وبتوها ثلاثاً