بيان كثرة طرق الخير


قال اللَّه تعالى (البقرة 215): {وما تفعلوا من خير فإن اللَّه به عليم}.

وقال تعالى (البقرة 197): {وما تفعلوا من خير يعلمه اللَّه}.

وقال تعالى (الزلزلة 7): {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره}.

وقال تعالى (الجاثية 15): {من عمل صالحاً فلنفسه}.

والآيات في الباب كثيرة.

117 - وأما الأحاديث فكثيرة جداً وهي غير منحصرة فنذكر طرفاً منها:

الأول عن أبي ذر جندب بن جنادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال قلت: يا رَسُول اللَّهِ أي الأعمال أفضل؟ قال: <الإيمان بالله والجهاد في سبيله> قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: <أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمناً> قلت: فإن لم أفعل؟ قال: <تعين صانعاً أو تصنع لأخرق> قلت: يا رَسُول اللَّهِ أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: <تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

<الصانع> بالصاد المهملة هذا هو المشهور. وروي <ضائعاً> بالمعجمة: أي ذا ضياع من فقر أو عيال ونحو ذلك.

و <الأخرق> : الذي لا يتقن ما يحاول فعله.

118 - الثاني عن أبي ذر أيضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة؛ ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

<السلامى> بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم: المفصل.

120 - الرابع عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن ناساً قالوا: يا رَسُول اللَّهِ ذهب أهل الدثور بالأجور:

يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: <أوليس قد جعل اللَّه لكم ما تصدقون به: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة> قالوا: يا رَسُول اللَّهِ أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: <أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

<الدثور> بالثاء المثلثة: الأموال واحدها دثر.

121 - الخامس عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال لي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

122 - السادس عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ورَوَاهُ مُسْلِمٌ أيضاً من رواية عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل. فمن كبر اللَّه، وحمد اللَّه، وهلل اللَّه، وسبح اللَّه، واستغفر اللَّه، وعزل حجراً عن طريق الناس، أو شوكة أو عظماً عن طريق الناس، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر عدد الستين والثلاثمائة فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار> .

123 - السابع عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <من غدا إلى المسجد أو راح أعد اللَّه له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

<النزل> : القوت والرزق وما يهيأ للضيف.

125 - التاسع عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى الطريق. والحياء شعبة من الإيمان> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

<البضع> : من ثلاثة إلى تسعة بكسر الباء وقد تفتح.

و <الشعبة> : القطعة.

126 - العاشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش. فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر اللَّه له فغفر له> قالوا: يا رَسُول اللَّهِ إن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: <في كل كبد رطبة أجر> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وفي رواية للبخاري: <فشكر اللَّه له فغفر له فأدخله الجنة>

وفي رواية لهما <بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فاستقت له به فسقته فغفر لها به> .

127 - الحادي عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وفي رواية له: <مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأدخل الجنة>

وفي رواية لهما <بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر اللَّه له فغفر له> .

128 - الثاني عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

129 - الثالث عشر عنه أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

130 - الرابع عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

131 - الخامس عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <ألا أدلكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا ويرفع به الدرجات؟> قالوا: بلى يا رَسُول اللَّهِ. قال: <إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

132 - السادس عشر عن أبي موسى الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من صلى البردين دخل الجنة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

<البردان> : الصبح والعصر.

133 - السابع عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

134 - الثامن عشر عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <كل معروف صدقة> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ورَوَاهُ مُسْلِمٌ من رواية حذيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

135 - التاسع عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وفي رواية له: <فلا يغرس المسلم غرساً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة>

وفي رواية له: <لا يغرس مسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة> وروياه جميعاً من رواية أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

قوله <يرزؤه> : أي ينقصه.

<139 - الثالث والعشرون عن عدي بن حاتم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: <اتقوا النار ولو بشق تمرة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

140 - الرابع والعشرون عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إن اللَّه ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

<الأكلة> بفتح الهمزة: هي الغدوة أو العشوة.

141 - الخامس والعشرون عن أبي موسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <على كل مسلم صدقة> قال: أرأيت إن لم يجد؟ قال: <يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق> قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: <يعين ذا الحاجة الملهوف> قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: <يأمر بالمعروف أو الخير> قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: <يمسك عن الشر فإنها صدقة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.



التقوى



قال اللَّه تعالى (آل عمران 102): {يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللَّه حق تقاته}.

وقال تعالى (التغابن 16): {فاتقوا اللَّه ما استطعتم}.

وهذه الآية مبينة للمراد من الأولى.

وقال اللَّه تعالى (الأحزاب 70): {يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللَّه، وقولوا قولا سديدا}.

والآيات في الأمر بالتقوى كثيرة معروفة.

وقال تعالى (الطلاق 2، 3): {ومن يتق اللَّه يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب}.

وقال تعالى (الأنفال 29): {إن تتقوا اللَّه يجعل لكم فرقانا، ويكفر عنكم سيئاتكم. ويغفر لكم، والله ذو الفضل العظيم}.

والآيات في الباب كثيرة معلومة.

وأما الأحاديث: فالأول عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال قيل: يا رَسُول اللَّهِ من أكرم الناس؟ قال: <أتقاهم> فقالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: <فيوسف نبي اللَّه بن نبي اللَّه بن نبي اللَّه بن خليل اللَّه> قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: <فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

و <فقهوا> بضم القاف على المشهور وحكي كسرها: أي علموا أحكام الشرع.

عن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إن

الدنيا حلوة خضرة، وإن اللَّه مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يقول: <اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يخطب في حجة الوداع فقال اتقوا اللَّه وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم، تدخلوا جنة ربكم> رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ في آخر كتاب الصلاة وَقَالَ حَدِيثُ حَسَنٌ صحيح.





الإستقامه



قال اللَّه تعالى (هود 112): {فاستقم كما أمرت}.

وقال تعالى (فصلت 30، 31، 32): {إن الذين قالوا ربنا اللَّه ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم، ولكم فيها ما تدعون، نزلا من غفور رحيم}.

وقال تعالى (الأحقاف 13، 14): {إن الذين قالوا ربنا اللَّه ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون}.

85 - وعن أبي عمرو. وقيل: أبي عمرة سفيان بن عبد اللَّه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال قلت: يا رَسُول اللَّهِ قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. قال: <قل آمنت بالله ثم استقم> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

86 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <قاربوا، وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله> قالوا: ولا أنت يا رَسُول اللَّهِ؟ قال: <ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمة منه وفضل> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

و <المقاربة> : القصد الذي لا غلو فيه ولا تقصير.

و <السداد> : الاستقامة والإصابة.

و <يتغمدني> : يلبسني ويسترني.

قال العلماء: الاستقامة: لزوم طاعة اللَّه تعالى. قالوا: وهي من جوامع الكلم، وهي نظام الأمور، وبالله التوفيق.