لم يعد سرا خفيا ما يحدث في العراق منذ اربع سنوات، فقد بان كل شيء علي حقيقته بلا رتوش او تزويق، وانكشف المضموم وظهر المجهول والمعلوم جنبا الي جنب بلا تردد او خشية، وما عاد العملاء المزدوجون لامريكا واسرائيل وايران يستحون من اظهار خياناتهم واعلان مواقفهم ومطاليبهم في تصريحات واحاديث علي الملأ، في مشاهد تبعث القشعريرة في الابدان، وكل ذلك بفضل ديمقراطية المستر بوش وتشيني والانسة كوندي وهو الاسم المدلل لوزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس، وسفيرهم المقطوع الجذور والاصول زلماي خليل زاد، الذي خرب الحياة العراقية السياسية والاجتماعية والاقتصادية بطريقة نافس فيها زميليه اللذين سبقاه بريمر ونكروبونتي.
ولعل اخطر ما جري في العراق في ظل الاحتلال ان الامريكان لم يكتفوا بالاحتلال والهيمنة ونهب الموارد والثروات الوطنية وقتل مليون ومئتي الف انسان عراقي بريء، كما تؤكد تقارير الداخل المسكوت عنها، وتدمير البقية الباقية من البني والمؤسسات العراقية، وانما جاءوا بالحثالات من البشر ونصبوهم رؤساء ووزراء وقادة أجهزة ودوائر ومدراء وسفراء ومسؤولين ومحافظين ورؤساء مجالس شركات ومديريات ومحافظات، حتي بات العراقي الاصيل يقتله الغم والقهر قبل الرصاص أحيانا، من هذه النوعيات المحسوبة علي بلده زورا وبهتانا، وكل شيء فيهم يطفح بالخسة، من الشكل القبيح والهيئة الوقحة، الي التصرف المنحط والسلوك المشين، وبالتأكيد فان الاختيارات الامريكية لهذه النماذج البائسة لم تأت عبثا أو صدفة ابدا، لانها مدروسة ومتعمدة، القصد منها اذلال العراقيين والحاق المزيد من الاهانات لرموزهم وشخصياتهم ونخبهم، والا كيف نفسر محاكمة جندي عراقي باسل وشجاع اسمه سلطان هاشم احمد الطائي، وكل ذنبه انه كان صادقا مع الله ومع وطنه وشرفه وأدي الواجب الملقي علي عاتقه في الدفاع عن بلده بامانة واخلاص، في الوقت الذي يحاكمه في هذا الزمان المر، خونة وعملاء وعبيد أذلاء، يا لها من محنة وشدة عندما يصبح العراقي الشريف والوطني والعروبي متهما، بينما يتربع بائعو الوطن علي السلطة يتحكمون بمقادير البلاد وشؤونها، وينحرون الاعناق النظيفة الثابتة التي ما استدارت يوما نحو الفتات والحرام.
وعندما يقف ذلك الايراني أبا عن جد وهو من خريجي دورات البنتاغون التي نظمها عراب الحرب علي العراق رامسفيلد ومعاونه بول وولفتز قبل الحرب الاخيرة بشهور، ويعلن بان جماعته اذا أحست بان المكاسب التي تحققت لها خلال الاعوام الاربعة الماضية في خطر، فان التوجه الي ايران يصبح مسألة طبيعية، والتوجه الذي يقصده في تصريحه يعني الحاق العراق بايران كولاية او مقاطعة او فيدرالية، فانه يعبر فعلا عما يحمله من نوايا وأجندة كايراني له ثأر مع العراق الذي استضافه واسرته سنوات طويلة وقدم لهم المأوي والملاذ الآمن والعيش والتعليم والرعاية، وعندما خانوا البلد الذي آواهم واطعمهم وعلمهم وهو في حالة حرب مع ايران التي حنوا لها وانحازوا الي جانبها كان من الطبيعي ان يسفروا اليها، لذلك فان مثل هذا الشخص الذي يحتل مناصب عليا بالجملة اليوم يشعر بغربة عن العراق ولا تربطه به علاقة او صلة، وانما عرقه يحركه يعد اياما ويقبض رواتب ومكافآت ومقاولات ويبذل جهده لتخريب العراق وضمه او أجزاء منه الي بلده الاصلي.
ويأتي ايراني ثان يستخدم لقب اسرة عربية بغدادية عريقة ويقول في منبر حسينية في النجف اغتصبها من اصحابها الشرعيين بعد الاحتلال : بعد 1400 سنة فتح الله علينا في العراق الذي لم يعد الان أمويا او عباسيا، فانه في كلامه هذا يشتم العروبة والعرب بوقاحة متناهية، ويستهزئ بالعراق البلد والشعب والتاريخ والحضارة والامجاد، وهو يريد القول ان العراق لم يعد عربيا وانما فارسيا، لان الطعن في الدولتين الاموية والعباسية منهج فارسي قوميا وصفوي طائفيا، لذلك ليس بغريب ان ترتفع في مناطق ومحافظات عراقية اصوات الملالي الايرانيين وهي تسب عبر مكبرات الصوت المنصوبة علي الحسينيات والمراكز الحزبية الطائفية صحابة الرسول وزوجاته بالاسماء الصريحة، وتلقي القصائد والاشعار القبيحة تنقلها محطات الاذاعة والتلفزة الارضية والفضائية التي تكاثرت كالسرطان في عهد الاحتلال وفيها اضافة الي الدعاية الفجة لجمهورية الولي الفقيه، تنديد بالخلفاء الراشدين والامويين والعباسيين، وتصوروا ان سيف الله المسلول كما سماه الرسول الاعظم، خالد بن الوليد يشتم بطريقة معيبة، لانه حارب المرتدين واعادهم الي حظيرة الاسلام، ويدافعون عن مالك بن نويرة أحد قادة المرتدين ويترحمون عليه، ويصل بهم الانحطاط الي وصف الفتوحات العربية والاسلامية بانها جلبت للشعوب والامم الخراب والدمار، وآخر المعلومات المتسربة عن وزارة التربية ببغداد تؤكد ان مناهج التأريخ العربي والاسلامي التعليمية التي وضعها أفضل الاساتذة والمؤرخين العراقيين غيرت وحذفت منها فصول وأبواب عن معارك العرب والمسلمين وانتصاراتهم في فارس وخراسان والري وبلاد ما وراء النهر وقزوين ولم تسلم الصفحات المضيئة للعرب في الاندلس من شطبهم لها لان من سطرها هناك غاصبون مغتصبون في رأيهم. اما معركة القادسية التي انهت الاحتلال الفارسي الكسروي للعراق فهمشت تماما وصارت في المناهج الجديدة مجرد معركة بين من جاءوا من الجزيرة العربية وبين الحكم الذي كان سائدا في العراق.
ان الذين يتسلطون علي العراق الان ويديرون شؤونه في ظل المحتل الامريكي ينفذون سياسات منظمة لتدمير الهوية العراقية العربية وتشويه التراث والتاريخ وادخال ثقافة وتقاليد فارسية ومجوسية وصفوية في الحياة العراقية، وزج مفاهيم خرافية في المجتمع العراقي تحت شعارات وعناوين شيعية طائفية صارخة في الدجل وسوق الاكاذيب، واقحام قصص وحكايات لا وجود لها عن الائمة الذين يزعمون انهم من اتباعهم وآل بيتهم حتي يخيل لمن يستمع الي احاديثهم وكثير منها ينقل عبر قنواتهم التلفزيونية ان الامام علي ابن ابي طالب وأولاده واحفاده رضي الله عنهم ليسوا عربا بل انهم يدعون ان الامام علي زين العابدين ابن فارسية أعتقها جده الامام علي واكرم وفادتها وزوجها لابنه الحسين، في مغالطة تاريخية واضحة.
وواضح ان أتباع ايران وعملاءها الذين يحكمون العراق المستباح يتبعون استراتيجية ذات سياقين، الاول استخدام (التقية) وهي مفهوم انتهازي شائع في التراث الشيعي الامامي كما يسمي، يقوم علي اظهار خلاف ما تبطن، في التعامل مع المحتلين الامريكان، والثاني العمل بسرعة لتحويل العراق الي بلد شيعي أحادي وفق النظام السائد في ايران مع محاربة الشيعة العرب وخصوصا القيادات البارزة اجتماعيا وعلميا والنخب الثقافية والعسكرية والاكاديمية والفنية والرياضية، ولا تستغربوا اذا علمتم ان اكثر من 4000 شخصية شيعية عراقية عربية من شيوخ العشائر والقبائل وعمداء الاسر والبيوتات المرموقة والعلماء والضباط والاساتذة الكبار ورجال الاعمال اضطروا الي مغادرة العراق خلال السنوات الاربع الماضية وكل جرمهم انهم رفضوا الانصياع لسطوة الملالي والعمل معهم، وقبل ايام تم اعتقال شيخ مع ابنائه الثمانية في اطراف السماوة للتحقيق معهم والتنكيل بهم لان احد ابناء الشيخ كان ضابطا في الجيش العراقي عرف ببسالته في الحرب الايرانية علي العراق وتمكن من الهرب خارج العراق مع اسرته، وما يزال الشيخ الطاعن في السن والمبتلي بامراض عدة واولاده التسعة يرزحون تحت وطأة التعذيب انتقاما من بطولات ابنهم وشهامته في الدفاع عن وطنه.
وفي الحقيقة فان مقالا او مئة مقال لا تفي بايراد أحداث او وقائع عن هيمنة الايرانيين واتباعهم علي العراق وهي معززة بالاقام والتواريخ، خصوصا عندما تمكن هؤلاء من احتلال مواقع ومسؤوليات حساسة في الحكومة والبرلمان والجيش والشرطة واجهزة الامن وادارة المحافظات وأكثرهم يفاخر بايرانيته، ويدور حديث في اوساط المرجعيات والاحزاب الشيعية هذه الايام بضرورة اجراء محاكمة الف وثمانمئة عراقي كانوا يشغلون وظائف ادارية وامنية في بعض محافظات الفرات الاوسط والجنوب خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي بعد انتهاء محاكمات الانفال، والتهمة جاهزة طبعا وهي مواجهة ما يسمي بالانتفاضة التي نظمتها ايران عقب حرب عاصفة الصحراء 1991 وقائمة المتهمين تشمل قائمقامي اقضية ومدراء نواحي وضباط وافراد شرطة وامن وحدود وموظفين ومستخدمين اداريين وخدميين كانوا يمارسون أعمالهم ومسؤولياتهم في ذلك الوقت يضاف اليهم بحدود مئة وعشرين شيخ عشيرة تهمتهم انهم امتنعوا ومنعوا عشائرهم من المشاركة في صفحة الغدر الايرانية.
العراق اليوم محتل من الامريكان دوليا وعلنيا، وايران هي التي تتحكم به من خلال اتباعها ومواليها ومواطنيها، وليس صحيحا ما يقوله بعض المتحذلقين في الكلام بان امريكا هي العدو الرئيسي ركزوا عليها وانسوا ايران لانها جارة وصديقة وعدوة لامريكا ما دامت تدعم حزب الله، انما الصحيح ان امريكا عدوة نعم، وايران عدوة ايضا ولا فرق بين عدوين تجمع بينهما مشتركات ضد العراق والعراقيين ويتولي كل واحد منهما تنفيذ اجندته العدوانية سياسيا وعسكريا وطائفيا، والاعداء لا يجزئون ولا يمكن مقاومة طرف واحد منهم والسكوت علي الاخر، بدعوي العدو الاساسي والعدو الثانوي، امريكا وايران ومعهما اسرائيل بالطبع، اعداء العراق والعرب يتساوون في الجريمة التي يتعرض لها عراق العرب.