اختلف علماء القانون والاجتماع والتاريخ حول أصل نشأة الدولة، وترتَّب على هذا الاختلاف ظهور العديد من الأفكار والنظريات التي وُضعت لتفسير هذه النشأة.

وقد قام البعض بتقسيم هذه النظريات إلى مجموعات نوعية متقاربة، فنجد البعض يقسِّمها إلى نظريات ديمقراطية وأخرى غير ديمقراطية(1), وذلك لقرب هذه النظريات أو بُعدها من الفكرة الديمقراطية, ويقسِّمها البعض إلى نظريات دينية وأخرى بشرية، وذلك من حيث إرجاع النشأة إلى البشر أو إلى قوى غير بشرية(2), ويرى البعض إرجاع هذه النظريات إلى اتجاهَين اتجاه نظري وآخر واقعي (3) أو اتجاه غيبي وآخر علمي(4).

وسنتحدث بإيجاز عن هذه النظريات، ثم نوضح طبيعة الدولة الإسلامية وموقفها من هذه النظريات:
أولاً: النظريات الثيوقراطية التي تُرجع مصدر السلطة إلى الله
درج الفقهاء في مصر على وصف هذه النظريات بأنها نظرياتٌ دينيةٌ، مع أن المعنى الحرفي للمصطلح الفرنسي لا يعني النظريات الدينية بل يعني النظريات التي تَنسِب السلطة إلى الله(5)، وتنقسم هذه النظريات إلى ثلاث:
(1) نظرية تأليه الحاكم
وَجدت هذه النظرية مجالاً رحْبًا في العصور القديمة؛ حيث تأثر الإنسان بالأساطير، فظن أن الحاكم إلهٌ يُعبَد.. ففي مصر الفرعونية كان فرعون هو الإله (رع)، وقد سجَّل القرآن الكريم قول فرعون في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: من الآية 38) وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى (24)﴾ (النازعات)، وفي بلاد فارس والروم كان الحاكم يصطبغ بصبغة إلهية.

(2) نظرية الحق الإلهي المقدس المباشر
تعني هذه النظرية أن الحاكم ليس إلهًا ولا نِصْفَ إله, ولكنه بشرٌ يحكم باختيار الله عز وجل، فالله الذي خلق كل شيء وخلق الدولة، وهو الذي يختار الملوك مباشرةً لحكم الشعوب، ومن ثَمَّ فَمَا على الشعب إلا الطاعة المطلَقة لأوامر الملوك، ويترتب على ذلك عدم مسئولية الملوك أمام أحد من الرعية، فللملك أن يفعل ما يشاء دون مسئولية أمام أحد سوى ضميره ثم الله الذي اختاره وأقامه.

وقد سادت هذه النظرية أوروبا بعد أن اعتنق الامبراطور قسطنطين الدينَ المسيحيَّ, فخرج البابوات على الناس بهذه النظرية؛ وذلك لهدم نظرية تأليه الحاكم من ناحية, ولعدم المساس بالسلطة المطلقة للحاكم من ناحية أخرى.

(3) نظرية الحق الإلهي غير المباشر
لم تعد فكرة الحق الإلهي المباشر مستساغةً من الشعوب, ومع ذلك لم تنعدم الفكرة تمامًا, وإنما تطوَّرت وتبلورت في صورة نظرية التفويض الإلهي غير المباشر أو العناية الإلهية, ومؤدَّى هذه النظرية أن الله لا يتدخل بإرادته المباشرة في تحديد شكل السلطة, ولا في طريقة ممارستها, وأنه لا يختار الحكَّام بنفسه وإنما يوجِّه الحوادث والأمور بشكلٍ معيَّن يساعد جمهور الناس على أن يختاروا بأنفسهم نظام الحكم الذي يرتضونه ويذعنون له وهكذا، فالسلطة تأتي من الله للحاكم بواسطة الشعب (6) والحاكم يمارس السلطة باعتبارها حقَّه الشخصي، استنادًا إلى اختيار الكنيسة ممثلةً للشعب المسيحي؛ باعتبارها وسيطًا بينه وبين السلطة المقدسة التي تأتي من لدن الله.

تقديرنا لهذه النظريات وعلاقة الدولة الإسلامية بها
لا شكَّ أن هذه النظريات الغيبية لا تستند إلى أساسٍ دينيٍّ, فلا دخْلَ للدين الصحيح بها، وإذا كان رجال الدين المسيحي قد شاركوا في وضعها وألبسوها ثوبًا دينيًّا فهذا لا يخرجها عن كونها محضَ اختلاق بشري؛ إذ أن الدول التي تبنَّت هذه النظريات قديمًا وحديثًا كانت أبعد ما تكون عن الدين, لقد اتخذت هذه التسمية ستارًا تحتمي به من غليان الشعوب, وتُخفي خلفه حكمًا استبداديًّا ظالمًا, فتارةً يكون الحاكم إلهًا أو نصف إله، وتارةً يكون بشرًا من نوعٍ خاص يحكم باسم الإله وينوب عنه على أنه مبعوث العناية الإلهية لحكم البشر وإذلال البشر.

إن كل هذه الحالات كانت بعيدةً عن الدين وإن كانت صلتها وثيقةً بالمعتقدات الباطلة والدجل والشعوذة، ولنرجع لدولة الإسلام ولنتساءل: هل الحاكم في الدولة الإسلامية إله أو نصف إله؟ وهل يحكم بتفويض من قبل الله فلا دخل للبشر في اختياره فضلاً عن مساءلته؟!

إن مؤسس الدولة الإسلامية وحاكمها الأول كان نبيًّا رسولاً، فهل ادَّعى مرةً واحدةً مثل هذه الادعاءات..؟ أو أنه أعلنها صريحةً واضحةً ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (فصلت: من الآية 6)؟! والقرآن الكريم ينهَى عن عبادة الأشخاص والطواغيت ويأمر بعبادة الله ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 256).

والحاكم في نظر الإسلام ليست له أيَّةُ صلة إلهية وليس مقدَّسًا ولا معصومًا في نظر المسلمين, وليس له الحق وحده في بيان الدين وتفسير نصوصه, وليست له سلطةٌ دينيةٌ على أحد, فما هو إلا فرد من المسلمين وثِقوا بكفايته لحراسة الدين وسياسة الدنيا، فبايعوه على أن يقوم برعاية مصالحهم، وله عليهم حق السمع والطاعة، وسلطانه مكتسب من بيعتهم له وثقتهم فيه(7)، وقد قيل لأبي بكر: "يا خليفة الله" فقال "لستُ خليفةَ الله ولكني خليفةُ رسول الله".(8)

ثانيًا: النظريات التي تُرجع نشأة الدولة إلى البشر
(1) نظرية التغلب والقوة
تُرجِع هذه النظريةُ أصلَ نشأة الدولة إلى واقعة التغلب؛ حيث إن القانون الطبيعي يعني البقاء للأقوى؛ وحيث إن القوى البشرية في صراعٍ دائمٍ, وهذا الصراع يُسفر دائمًا عن منتصر ومهزوم، والمنتصر يفرض إرادته على المهزوم, والمنتصر النهائي يفرض إرادته على الجميع, فيتولى الأمر والنهي في الجماعة, ويكون بمثابة السلطة الحاكمة.. فتنشأ بذلك الدولة مكتملة الأركان(9).

(2) نظرية التطور العائلي
رائد هذه النظرية الفيلسوف اليوناني أرسطو، فهو يرى أن الإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ بطبعه, ولا يستطيع أن يعيش منعزلاً، فهو يشعر بمَيلٍ غريزيٍّ للاجتماع, فيلتقي الذكر بالأنثى مكونَين بذلك وحدةً اجتماعيةً صغيرةً وهي الأسرة, وتتفرَّع الأسرة وتتشعَّب مكونةً العائلة, فالعشيرة، فالقبيلة، فالمدينة التي تكون نواة الدولة.

وتُعتبر هذه النظرية بحق أول محاولة فكرية لتفسير نشأة الدولة، والقائلون بها لا يرون الدولة إلا مرحلةً متقدمةً ومتطورةً من الأسرة، وأن أساس السلطة فيها يعتمد على سلطة رب الأسرة وشيخ القبيلة(10).

(3) نظرية التطور التاريخي
رائد هذه النظرية العلاَّمة دوجي، فهو يرى أن الدولة مجرد واقعة اختلاف سياسي، فالدولة توجد في كل مرة يوجد فيها جماعة اختلاف سياسي من أي نوعٍ كان, ومن ثَمَّ فهي واقعةٌ تاريخيةٌ، بها تتحوَّل جماعةٌ بشريةٌ معينةٌ إلى دولة، وتقترب هذه النظرية من نظرية التغلب والقوة وإن كانت القوة هنا أعم, فلا يشترط كونها عمليةً أو صدامًا حربيًّا(11).

(4) نظرية العقد الاجتماعي
ظهرت فكرة العقد الاجتماعي قديمًا كأساسٍ لنشأة المجتمع السياسي عند الإغريق، فالنظام السياسي في نظرهم هو نظامٌ اتفق الأفرادُ على تكوينه للسهر على مصالحهم, ومن ثم فلا يجوز أن يكون هذا النظام حائلاً دون تمتُّعهم بحقوقهم الطبيعية, ولا يتقيَّد الأفراد بالقانون إلا إذا كان متفقًا وهذه الحقوق الطبيعية(12)، ثم جاء النظام السياسي الإسلامي فأبرَزَ عملية التعاقد ورتَّب عليها أثرَها كما سنُبيِّن فيما بعد، ثم ظهرت هذه الفكرة في كتابات بعض المفكِّرين الغربيين منذ نهاية القرن السادس عشر، وكان من أبرز القائلين بهذه النظرية هوبز ولوك الإنجليزيان وجان جاك روسو الفرنسي.

وقد اتفق ثلاثتهم على أن العقد الاجتماعي يقوم على فكرتَيْن أساسيتين:
إحداهما: تتحصَّل في وجود حالة فطرية- بدائية- عاشها الأفراد منذ فجر التاريخ.
وثانيتهما: تتبدى في شعور الأفراد بعدم كفاية هذه الحياة الأولى لتحقيق مصالحهم، فاتفقوا فيما بينهم على أن يتعاقَدوا على الخروج من هذه الحياة بمقتضى عقدٍ اجتماعي ينظِّم لهم حياةً مستقرةً, أي تعاقدوا على إنشاء دولة, وبذلك انتقلوا من الحياة البدائية إلى حياة الجماعة(13) ومع اتفاقهم في هاتين المقدمتَين فقد اختلفوا في حالة الأفراد قبل التعاقد وبنود هذا التعاقد، فاختلفت بذلك النتائج التي رتَّبها كلٌّ منهم على النظرية(14).

تقديرنا لهذه النظريات وعلاقة الدولة الإسلامية بها
يُؤخذ على هذه النظريات العديد من المثالب، فنظرية التغلُّب والقوة من العسير أن تعمّم هذه النظرية بحيث تشمل كل دول العالم, فهناك عددٌ غير قليل من الدول قام على خلاف هذه النظرية.

أما نظرية التطور العائلي فيؤخَذ عليها أيضًا أنها لا تصلح لتفسير نشأة كل الدول، بل إن العديد من الدول قد تكوَّنت دون المرور بهذا التطور, كما أنه من الخطأ ربْط الدولة بالأسرة وذلك لاختلافهما في الهدف وفي طبيعة السلطة؛ حيث إن الرباط المعنوي الذي يربط بين أفراد الأسرة أقوى بكثيرٍ من رباط المواطنة, وما يتحمَّلُه الإنسان من والده غير ما يتحمَّله من حاكمه, والشعب في دولة من الدول قد يتكوَّن من أمم مختلفة (15).

أما نظرية التطور التاريخي فيؤخذ عليها أن كل اختلاف سياسي لا يؤدي حتمًا إلى قيام دولة, كما أن هذه النظرية تضفي صفة الدولة على التجمعات البشرية القبلية, وهو ما انفرد به دوجي بين الفقهاء.(16)

أما نظرية العقد الاجتماعي وإن كانت هذه النظرية قد ساعدت على التخلُّص من الاستبداد والحكم المطلق إلى حدٍّ ما.. إلا أنه يؤخذ عليها أنها قامت على فرضية خيالية لا تستند إلى الواقع، وهي افتراض اجتماع الأفراد وتعاقدهم على إنشاء الدولة، وهذا لم يثبُت تاريخيًّا في غالب الدول، وكذلك النظرية لا تصلح لتبرير نشأة الدولة بصفة عامة، بل إن غالبية الدول قد قامت على غير هذا الأساس.

ولا تصلح هذه النظريات جميعها كأساس لنشأة الدولة الإسلامية، وإن كان البعض يرى أن هناك شبهًا كبيرًا بين بيعة الخلافة التي تولَّى بها الخلفاء الراشدون الحكم بعد وفاة الرسول- صلى الله عليه وسلم- ونظرية العقد الاجتماعي, فعلماء الفقه الإسلامي قد قالوا إن الإمامة عقْد, وإن الإمامة تثبت بالاختيار لا بالنص والتعيين.

وقد بحث الدكتور عبد الرزاق السنهوري طبيعةَ عقد الإمامة كما عرضه علماء الإسلام, فقال عنه: إنه عقدٌ حقيقيٌّ مبنيٌّ على الرضا, وإن الغاية منه أن يكون هو المصدر الذي يستمد منه الإمام سلطته, وهو تعاقد بين الأخير والأمة, ثم أشار في مواضع أخرى إلى أن مفكِّري الإسلام قد أدركوا جوهر نظرية روسو، وهي التي تقول إن الحاكم أو رئيس الدولة يتولى سلطانه من الأمة نائبًا عنها نتيجةَ تعاقد حرٍّ بينهما (17).
طبيعة الدولة الإسلامية
يجدُرُ بنا بدايةً أن نشير إلى الخطأ الذي يقع فيه الكثيرون من المثقفين بل ومن رجال الفكر والعلم في البلاد الإسلامية الذين ينسبون للإسلام كلَّ بضاعة يرونها قد راجت لدى الغرب في سوق الفكر السياسي والنظريات والمذاهب السياسية, وهم فيما يفعلون يظنون أنهم يقدمون للإسلام خدمةً أو نفعًا, ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا, ولقد فات أصحاب هذه العقلية أن الإسلام يختلف عن سائر النظم السياسية الأخرى اختلافًا كبيرًا, فهو يتميَّز بأنه يجمع بين الشئون المادية والروحية, وينظِّم نشاط الإنسان الدنيوي كما يتناول سلوكه تجاه ربه,
ولذلك كان الحاكم الإسلامي "الخليفة" يجمع بين يديه السلطتين الدينية والسياسية.

فالنظام الإسلامي إذن على هذه الصورة نظام فريد خاص بالإسلام لا يتطابق أو يتماثل مع أي من النظم السياسية الأخرى؛ ولذا فإنه يعدُّ من ضروب الخطأ والعبث أن نبحث في الفكر الإسلامي عن نظريات أو عن صدى أو صور للنظريات الغربية, وإن كان هذا لا يمنع قيام أوجه شبه بين بعض النظريات السياسية الإسلامية وبين بعض النظريات السياسية الغربية (18).

(1) الدولة الإسلامية دولة عقيدية
الدولة الإسلامية دولة (دستورية) أو (شرعية) لها دستور تحتكم إليه, وقانون ترجع إليه, ودستورها يتمثَّل في المبادئ والأحكام الشرعية التي جاء بها القرآن الكريم, وبيَّنتها السنة النبوية في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات والعلاقات.. شخصية ومدنية, وجنائية وإدارية، ودستورية ودولية.

وهي ليست مختارة في الالتزام بهذا الدستور أو القانون, فهذا مقتضى إسلامها ودليل إيمانها ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ ( المائدة: من الآية 49).(19)

وإذا كانت الدول الحديثة تعتزُّ بأنها تلتزم بسيادة القانون أو الدستور فإن الدولة الإسلامية تلتزم بالشرع, ولا تخرج عنه, وهو القانون الذي يلزمها العمل به والرجوع إليه, وهو قانون لم تضعه هي بل فُرض عليها من سلطة أعلى منها، وبالتالي لا تستطيع أن تلغيه أو تجمِّده إلا إذا خرجت عن طبيعتها وأصبحت دولةً غير مسلمة.

فالعقيدة الإسلامية جوهرها شدُّ القلب وربطُه وتوثيقُه بمبدأ توحيد الله القائم على (شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله) هذا المبدأ في حقيقته منهج حياة، غايتُه تعبيدُ الناس لإله الناس وحدَه, فالعقيدة تشكِّل هوية النموذج الإسلامي لنظام الحكم وهي منطلقه وغايته في الحركة, ويتركز موقع العقيدة في الدولة الإسلامية في:
1- التزام الدولة الإسلامية بالعقيدة الإسلامية؛ باعتبارها هويةً مذهبيةً وقبلةً في الممارسة السياسية، وهذا يعني رفض أية عقيدة أو مذهبية أخرى تخالف المثالية الإسلامية, إن قبول الالتزام بالعقيدة الإسلامية من قِبَل الدولة يعني قبول التحاكم إلى الإسلام وتحكيمه واتباع ما جاء به سمعًا وطاعةً, قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (51)﴾ (النور)، والميل عن ذلك هوى وضلال (20).

2- الحركة بموجب هذه العقيدة قصدًا إلى إنجاز المقاصد العامة للشريعة الإسلامية وتجسيدها واقعا حيًّا معاشًا, ففي الحديث "قل آمنت بالله ثم استقم" (21)؛ إذ أن الإيمان ما وقر في القلب (قبول الالتزام وتحكيم الإسلام) وصدَّقه العمل, وهذا يعني بالنسبة للدولة الحركة من منطلق الإيمان, أو الحركة بمقتضى النظر الشرعي(22),

(2) الدولة الإسلامية دولة مدنية
إذا كانت دولة الإسلام بعيدةً عما عُرف باسم الدولة الدينية قديمًا, وأنها دولة مدنية تقيم في الأرض أحكامَ السماء, وتحفظ بين الناس أوامر الله ونواهيه, وهي دولةٌ تقوم على أساس البيعة والشورى ومسئولية الحاكم أمام الأمة, وحقّ كل فرد في الرعية أن ينصح الحاكم ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر.. فإن الحاكم في الإسلام مقيَّدٌ غيرُ مطلق, فهناك شريعة تقيده، وضعها له ولغيره ربُّ العباد, ولا يستطيع ولا يملك أن يغيِّر من أحكام الله الثابتة شيئًا.

ومن حق أي مسلم أو مسلمة إذا أمره الحاكم بما يخالف شريعة الله مخالفةً بيِّنةً أن يرفض، بل من واجبه أن يرفض, فقد قال أول خليفة في الإسلام أبو بكر الصديق في أول خطاب له: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم, فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم, إن أحسنت فأعينوني, وإن أسأت فقوِّموني".

والحاكم أو رئيس الدولة في الإسلام ليس وكيلَ الله بل هو وكيل الأمة, هي التي تختاره وهي التي تراقبه, وهي التي تحاسبه, وهي التي تعزله إذا استوجب العزل, وقد قال الرئيس الثاني للدولة الإسلامية "من رأى منكم فيَّ اعوجاجًا فليقومْني".(23)

(3) الدولة الإسلامية دولة عقيدية:
من الأمثلة النادرة التي قامت فيها الدولة على أساس الرضا المسبق أو الاتفاق الدولة الإسلامية الأولى التي أقامها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في يثرب أو المدينة المنورة، حسبما سُمِّيَت فيما بعد، فالدولة الإسلامية لم تنشأ عرضًا بل سبقَها تعاقُدٌ حقيقيٌّ بين رئيسها- النبي صلى الله عليه وسلم- وبين ممثلي الشعب فيها (المجتمعون من الأنصار) على إرساء دعائم الدولة.

ولقد أطلق على عملية التعاقد اصطلاح (البيعة), وهو عقدٌ حقيقيٌّ يتخذ شكلاً معينًا.. المصافحة باليد مع التلفُّظ بعبارات من الانقياد والتأييد، وقد اختار الرسول- صلى الله عليه وسلم- من بين المتعاقدين مجموعةً تمثل باقي الذين غابوا عن الاجتماع وتضمن انقيادهم وهؤلاء هم النقباء، ولقد تطوَّرت البيعة بعد ذلك تطوُّرًا كبيرًا فكانت بمثابة استفتاء شعبي في كثير من الأمور، ولقد حرص النبي على أن يبايع المسلمين قبل القتال في غزوة الحديبية (24)، وصارت البيعة أصلاً لانتقال السلطة في الدولة الإسلامية، وأخذت شكل الانتخاب في العصر الحديث، وسوف يأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله.

وإذا كانت الدولة الإسلامية قد قامت بذلك على إرادة بشرية تمثَّلت في عقد البيعة المبرَم بين الرسول- صلى الله عليه وسلم- وممثِّلي شعب المدينة، فإن هذه الإرادة التي تمثِّل أساس نشأة الدولة تتفق مع إرادة الله سبحانه وتعالى في إقامة الدولة الإسلامية؛ تمهيدًا لنصرة دينه وإظهاره على الدين كله, وإرادة الله سبحانه تسبق إرادة البشر, وهو القائل في كتابه الحكيم ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)﴾ (التكوير)، ونريد أن نقول إن هذا العقد الاجتماعي الذي قامت عليه دولة الإسلام الأولى تمَّ قبل مجيء لوك وهوبز ورسو بنظريتهم (العقد الاجتماعي) بقرون عديدة.

فالديمقراطية الغربية قد توصَّلت إلى أن السيادة للأمة في اختيار الحاكم ومحاسبته وعزله، وذلك كان بعد عشرة قرون على التشريعات الإسلامية والتي طبَّقها النبي- صلى الله عليه وسلم- والمسلمون من بعده، ولذلك فالدولة الإسلامية بالتعبير المعاصر دولة مدنية وليست حكمًا ثيوقرطيًّا, فالاحتكام فيها ليس لأمرٍ غيبيٍّ يدعمه الحاكم أو عالِم من علماء الدين، فالاحتكام يكون للقرآن والسنة (أي القانون المكتوب)، ومهام رئيس الدولة أكثرها مهامّ مدنية، كما فصل ذلك الإمام الماوردي في (الأحكام السلطانية) نحو عشر مهامّ دنيوية (25).

ويبدو ظاهرًا أن هذه الفكرة الديمقراطية التي قال بها لوك في القرن السابع عشر ليست في جوهرها وفي الواقع من أمرها إلا تحليلاً وعرضًٍا لفكرة البيعة الإسلامية في نظام الحكم الإسلامي، فإن البيعة الإسلامية هي عقد بين الأمة وبين الحاكم (الإمام أو الخليفة أو رئيس الدولة) يرتب على كل من الطرفين التزامًا للآخر ويعطيه حقًّا عليه, يرتب للأمة على الرئيس العدل في الحكم، والقيام على أمور الدين، وإقامة الحدود، وإنصاف المظلوم، وحماية الإسلام، والدفاع عن المسلمين، ويرتب للرئيس على الأمة السمع والطاعة والإخلاص، وإعانته على القيام بأعباء الحكم ما دام على كتاب الله وسنة رسوله (26).

فإذا حاد الخليفة عن الطريق السويّ, ولم يرعَ الأمانة وإذا جار وظلم أو بدَّل السيرة أو عطَّل الشرع من أي وجه من الوجوه وكذلك إذا فقَد شرطًا من الشروط التي لا بد أن تتوافر في ولايته.. فإن الأمة قوَّامةٌ عليه, ولها حقُّ تقويمه أو حقُّ عزله، وأقوال علماء المسلمين(27) صريحةٌ في أن الأمة لها هذه القوامة ولها هذا الحق..
والله من وراء القصد
مراجع البحث: سوف يتم اضافتها لاحقاً