رحلتي إلى الشهداء


أمل الأحوازي



استيقظي …استيقظي يا حبيبتي …

فتحت عينيّ الناعستين ثم قلت: دعني أتلذذ بالنوم.

شمر البطانية إلى زاوية السرير وضمني إلى حضنه ثم استطرد بصوت منخفض:

ألا تريدين أن تتسحري؟..سيؤذن أذان الفجر.

قلت متدللة: إن أبقيتني في حضنك حتى أذان الفجر, سأستغني عن السحور.

تبسم وقال: وما ذنبي أنا كي أتحمل عناء الجوع طول النهار؟

فقمت من الفراش وبعد أن تسحرنا وقرأنا القرآن, أذن المؤذن وصلينا جماعة, ثم عدت للسرير ثانية لأكمل نومي اللذيذ الذي ما كنت لأفارقه لولا سحر أنامل أبي انتصار التي جرتني من الفراش.

قال لي: أين؟ .. القاضي ينتظرنا.

قلت بملل: الآن؟

قال مبتسماً: نعم.

قلت: الأطفال؟

قال: دعيهم ينامون يا فوزية, فسيكونون بأمان.

قلت: سأذهب إلى القاضي لكن بشرط.

فر يده اليمنى ورسم دائرة بأصابعه في الهواء مرتين أو ثلاثة وهو يلتفت إلى خلفه وكأنه يكلم أحداً غيري همساً: القضية, قضيتها وتشترط علىّ!

ثم أمليت شرطي عليه: الشرط هو, أن نتمشى للقاضي على ضفاف كارون لا من ذلك الشارع ذي الأشجار المكثفة.

قال: ما عهدتك لا تحبين الظلال الممدودة والمياه المسكوبة, يا أم انتصار!

لم اعلق على ما قاله ولم أعلم أنه أخرج السيارة من المنزل وأنها الآن في الشارع بانتظارنا, فأكدت: إمّا مشياً على الأقدام وإمّا لا ذهاب.

رأي المسكين لا جدوى من إقناعي, فقبل.

تمشينا وتمشينا ويا لها من لحظات جميلة وكأننا في شهر عسل زواجنا.

نسيم الفجر يداعب وجناتي وتوفيق يمطر علي بغزله, مطراً ما مليت منه حتى لو صب وابله ليلاً نهاراً وأغرقني بل حتى لو جرف مطره الغزير كل ما لدي من أثاث عرس جديدة قد اُشتريت لي وأنا في أسبوعي الأول من شهر عسلي.

تمشينا وتمشينا حتى اقتربنا إلى القاضي, فكان الرجل ينتظرنا وحين رآنا قادمين, قام واستقبلنا استقبال العربي لضيفه.

اشر إليّ أن اجلس على أريكة كانت قد هُيئت لي من قبل وجلس توفيق جنب القاضي.

كان القاضي شيخاً أنيقاً, كلمنا باحترام ثم أمر أن يقدموا لنا الفاكهة.

قلت معترضة: يا شيخنا قد أذن المؤذن وأنا صائمة وأبو انتصار أيضاً …

قطع كلامي مقهقهاً ثم قال: ولكن لم يؤذن المؤذن هنا بعد, ولديكما الوقت الكافي لتناولا الفاكهة ولتشربا ما شئتم من هذه العين النضّاخة, مؤشراً إلى العين التي يجري رحيقها تحت أرجلنا. وبعد أن ضيفنا القاضي سألني إن كنت جاهزة للذهاب لصالة المحكمة أم لا؟

ألقيت نظرة صوب توفيق, كما كنت أستشيره في كل الأحوال واحترم رأيه, فأومأ برأسه بنعم, فقلت: نعم يا حضرة القاضي.

ثم نهض من مكانه ودعانا أن نتمشى معه, وفي أثناء الطريق كان يعاتب الناس قائلاً: ما لهؤلاء البشر؟ يظلم بعضهم البعض, ألم تكفهم نعم الله؟

فلو كنت مكانهم لأحببت الناس حباً ما احبه بشر لبشر.

كان يكلمنا ونصغي إليه حتى وصلنا إلى رجال ونساء مقيدين وعيونهم معصبة!

استفسرت من القاضي: لماذا هؤلاء بهذا الحال؟

أجاب: أما القيد فهذا قد تم بأمر من الله وأما أعينهم فقد عُصبت بطلب منهم.

ولما رآني حائرة غير قانعة, استطرد كلامه قائلاً:

قُيدوا لأنهم كانوا من المعتدين, ولأنهم كانوا من الظالمين, وعُصبت أعينهم لأنهم يخجلون أن ينظروا لوجهك وكانوا قد ظلموك كثيراً.

كان هؤلاء ( يَقوُلوُنَ بِاَفْواهِهمْ مَا لَيْسَ في قلوبِهمْ وَ اللهُ اَعْلَمُ بما يَكتمونَ )

مسكت يديّ أبي انتصار الذي كان واقفاً جنبي ثم نظرت إليه مستفهمة:

بالله عليك يا توفيق قل لي من هؤلاء؟

أجابني القاضي بدل توفيق مؤشراً صوب أحدهم:

هذا رضا خان, شاه إيران ولقد ظلمك حيث سلب استقلال بلدكم, فكان سبباً لتعاستكم.

وهذا ابنه وكان قد نكر وجودكم وحرمكم من نعم الله التي وفرها سبحانه وتعالى في بلدكم وكانت لتكفي شعبكم بل أضعاف شعبكم جيلاً بعد جيل, لو لم يكن يعبث بها هو وأسرته الضالة.

وهؤلاء حكام الجمهورية الإسلامية وعندها هز القاضي يده وكأنه يهفي على جمر كاد أن يتهافت تحت ( قوري ) لم يخدر الشاي فيه بعد:

هه ويسمونها الإسلامية! ولا يستحون ولا يخجلون!

وعندما كان يتمشى بجوارهم وأنا وتوفيق نتمشى خلفه التفت إلي وقال:

هؤلاء اضطهدوا أجدادكم وسجنوا آباءكم وقتلوا أبناءكم.

وأن نساءهم رضين أن تُظلموا ولهذا قد اشتركن في الجريمة التي قام بها رجالهن ضدكم. إن جرائم هؤلاء لا تُحصى ولا أريد أن أعكر مزاجك بإحصائها ولكن قولي يا أم انتصار ماذا تطلبين عوض الظلم الذي ارتكبه هؤلاء بحقك؟

قلت: أنا أسامحهم.

عندها حدق القاضي عينيه في وجهي ووقف مكهرباً ثم صاح:

الله اكبر, الله اكبر, الله اكبر, ما اكبر قلوبكم أيها العرب!

ما اكبر قلبك يا أم انتصار! ما اكبر قلبك! ثم تركنا راكضاً, صائحاً ما اكبر قلوبكم يا قوم ما اكبر قلوبكم يا قوم, ما اكبر قلوبكم يا عرب, ما اكبر قلبك يا أم انتصار . واختفى.

أما الحكام فكان قد غشى عليهم, ولست ادري لماذا.

ثم مشينا نحو رجال ونساء كانوا ( فَرحيَن بِمَا اَتهمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) وأنهم يلوحون لنا ويحيوننا من بعيد.

واستقبلونا بأهازيج وزغاريد وهم رافعين علم الأحواز ولافتة طرزت بذهب ونقش عليها ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ طبتُمْ فَادْخلوهَا خَالِدينَ ).

وعندما اقتربنا اكثر عرفتهم واغرورقت عيناي بالدموع فرحاً من رؤيتهم, كانوا كثيرين ويتقدمهم ( محي الدين ) و( دهراب ) و( عيسى ) و(شريف ) و( حميد) و( حاتم ) ثم ( عون وفيصل وشاعي ومكي وحسن ).

عانقهم توفيق كلهم وعانقت أنا نساءهم حتى انتقل عطر ثيابهن إلى ثيابي, فيا له من عطر فواح ولولا خوفي من الموقف الحرج, لسألتهن عنوان المحل الذي اشترين هذه العطور الرائعة منه ولأجبرت أبا انتصار أن يشتري لي منها.

ثم خاطب توفيق عوناً ورفاقه وكأنه يعرفهم منذ سنين:

كيف أتيتم من بريطانيا إلى هنا؟

قالوا: ( اِنَّ اللهَ لا يضيعُ اَجْرَ المحُسنينَ ) أينما كانوا في بريطانيا أو في الصين.

ثم دعونا للدخول في قصورهم, فكانوا يسكنون شققاً عريضة, طويلة, في حدائقها نخيل وأعناب ورمان, والعيون تتفجر من الحدائق, في كل شقة حديقتان فيهما من كل فاكهة زوجان, فيهما كل ما تشتهي الأنفس.

ثم أخبرنا محي الدين قائلاً: إن لدينا جيران جدد أعزاء, سكنوا في الشقة المجاورة, التحقوا بنا للتو. القيا عليهم التحية يا أم انتصار ويا أبا انتصار!

قلت: من هم؟

قال: هم شهداء انتفاضة 15نيسان 2005 وأن أسماءهم كتبت على باب الشقة بذهب.

قلت: في أي شقة يقنطون هؤلاء الأعزاء وأني لمشتاقة للقائهم؟

قال: تلك التي حُك على بابها ( الذينَ يَرثونَ الفردوسَ هُمْ فيها خالدونَ )

ثم مشينا قاصدين شقة هؤلاء الذين نعتهم محي الدين بالأعزاء. فقرأنا الأسماء التي يكاد منظر جمال خطها ينسينا أن ندق جرس الشقة رغم اشتياقنا للقائهم وبقينا متحيرين من هذا الفوز العظيم الذي حصل عليه: على مزرعة وإسماعيل وصمد حزباوي وقاسم الموسوي وعلم الخزرجي وناجي عبيات ورضا وسعيد وجعفر وعلي وإبراهيم وناصر وخلف وصادق ومهدي وحسن وجليل وعبد وهادي وموسى وجعفر وحسين و …………..

ثم …………………

شفتان حارتان دفئتا خدي وصوت حنون همس في أذني:

حبيبتي …..حبيبتي ……استيقظي ……سيتأخر الأطفال وانهم محتاجون لدفئ حنانك قبل الذهاب إلى المدرسة كي يقيهم من الزكام.



أمل الأحوازي