أنا .. والجامعة الإسلامية .. تحت خط النار




هدى شبير**
لما رن جرس الجوال كان مزعجا إلى حد ما لدفء الفراش، خاصة وأن النوم لم يشبع أضلعي بعد، ضغطت على زر الاجابة قابلتي زميلتي في العمل على الخط المقابل بعتاب، ثم ما لبثت أن دفعت لي بكلمات لم أملك أمامها إلا النهوض استعدادا للخروج ..
توضأت ورتبت نفسي على عجالة، لا دوام اليوم لكن ثمة مهمة عاجلة لابد من إنجازها، كنت أخشى أن أنسى أوراقي المهمة، مررت عليها سريعا، الحمد لله لم أنس شيء ! .. خرجت من غرفتي، فإذا بأبي يريد الخروج فطلبت منه اصطحابي .. هممنا بفتح الباب فإذا بالجوال يتصل بأن ثمة اشتباكات في الشوارع ولا يفضل الخروج، لكن مع زحمة الاتصالات المستعجِلة من زميلاتي في العمل ، كان لابد أن أكون أكثر جرأة وأخرج والشعار " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " ..
قدنا السيارة بسلام، حتى وصلت لمكان العمل، الأجواء كانت تتوتر شيئا فشيئا، أصوات الاشتباكات تصلنا بين الحين والاخر .. وصوت المذياع لم يسكت ينقل إلينا الأخبار الجارية على الساحة لحظة بلحظة .. ولا أخفيكم كان مع كل لحظة جزء من قلوبنا يتقطع ، حيرة والتساؤل على الشفاه : لماذا يحدث كل هذا ؟! وأين نحن منه ؟
.. مهمتنا بكل بساطة ..
كنا نستعد لأن ننهض من جديد، كانت مهمتنا بأن نضمد الجراح ونخرج كطالبات لفك هذا الحصار المفروض علينا لنكمل مسيرتنا التعليمية، لم نكن نريد أن نوجه الاتهام لأحد ولا أن نطالب سوى بأن نستكمل دوامنا الجامعي كما خططنا له، أن نرى جامعتنا المكلومة وقد لملمت جراحاتها المبعثرة وقامت من جديد .. كان علينا كطلبة وكإعلاميين أن نقوم بدور يحفز الجميع .. تلك كانت مهمتنا التي شغلنا فيها طوال اليوم .. مؤتمر وبيان وتواصل مع الطالبات ومحاولة لإيصال الصوت إلى المنابر .. نحن نريد أن نعود لقاعاتنا الدراسية، فقد كلت أيدينا بلا أقلام أو مساطر !
القضية ليست صراعا سياسيا، وليست انقلابا من جهة على جهة ، ولا فلتانا .. إنها ببساطة أننا نطالب بحقنا أن نكمل حلمنا الذي بدأنا به .. نحن شباب طامحون يفخر لما يحمل في يده الشهادة ويغدو بتخصصه ينمي بلده ..
فهل يصل صوتنا ؟

.. بوادر الانطلاقة ..
كل الاوراق قد تمت، بياننا صيغ باللغتين العربية والانجليزية، والمتحدثين على أتم الاستعداد، والتواصل مع وسائل الاعلام كان طيبا، سنقيم مؤتمرا صحفيا باسم طلبة الجامعة، أين ؟ على أرض الجامعة بالطبع، من بين الركام سنعلن أننا سنواصل، وسنلملم مع جراحات قلوبنا الحجارة المهدمة ونرفعها لنبني بها من جديد فصلا جديدا مفعما بالتنمية والأمل .. حتى وإن جرحونا حتى وإن وقفوا في طريقنا سنعتذر لهم بحب ونقول: " رسالتنا أسمى إنه العلم " !
.. ممنوع منطقة خطر !
لم يكن يخطر ببالي يوما أن أقف بهذا العجز، لطالما كنت التي تنادي بين زميلاتها بالايجابية، وتعيب على من حولها الصمت، لم يمنعني أحد يوما من أن أقول رأيي وفق ضوابط الادب والالتزام ، الشعور بالسكوت عن خطأ واضح كان يصارعني فكنت دائما من تكسب الجولة.
لكن في هذه المرحلة خسرت ! نعم .. خسرت الجولة، كل الاستعدادات والترتيبات كان أضعف من أن نخرج للشارع ونقف في جامعتنا التي لم تغلق بابها يوما في وجهنا، لأقف مع زميلاتي لنعلن سويا بدء الدراسة من جديد ولو تحت الخيام ! عذرا .. فالاوضاع الأمنية أصعب من أن نخاطر بحياتنا ..
تجرعت ذلك الألم بقلبي مريرا ، وصمتّ لأول مرة في حياتي ! حفاظا على حياتي وحياة زميلاتي ! ومن السبب ؟! الاجابة مبهمة ..
.. بتثاقل لملمت الورق ..
وبتثاقل شديد لملمت أوراقي على أمل أن يشرق علينا صبح جديد في يومنا التالي أفضل، لنحقق ما خططنا له اليوم، أن نقف فوق الركام ونغرس حجر البناء من جديد ونواصل تعليمنا بلا سبورة وبلا جهاز حاسوب وبلا قاعة مرفهة ، اصرارا على مواصلة درب العلم والنهضة ..
سلمت على زميلتي التي أيقظتني بهاتفها صباحا: يلا نراكم على خير، ايش رأيك نروح ع الجامعة ؟! كانت جملة مازحة أردت بها أن أنفس عن بعض من هموم قلبي، نظرت إلىّ : أولسنا اعلاميون، لنذهب ونرى ما حل بجامعتنا ؟
- لكن الوضع صعب؟
- لا أسمع صوت اشتباكات والاخبار تقول بأن الاوضاع هدأت ..
صمت للمرة الثانية ، ونزلنا سريعا من المبنى ، أوقفنا سيارة أجرة : " الجامعة " نظر إلينا ! صمت لدقائق أطرق يفكر، ثم قال " اركبوا " !! غمزت زميلتي :" يبدو بأن الرجل قد فكر طويلا قبل أن يقدم على هذه المجازفة " ..
ومضت السيارة .. حتى اقتربنا شيئا فشيئا .. كانت الشوارع موحشة، واطلاق النار نسمعه من بعيد ، وصلنا بوابة الطالبات، فتح لنا الحراس الذين ألفوا وجوهنا العاملة في ساحة العمل الطلابي .. سلّمنا ومضينا نسلم على جدران ضمتنا بين أحضانها طلابا للعلم .. وبدأ القلب يبكي ! .. بل يدمي إن بقي فيه شيء من حياة !
.. لا شيء أبلغ من فصاحة جرحنا ..
هذا مكتب أبي الذي نذر نفسه للعلم، وهذه القاعة تلقيت بها مادة النحو ، وهذا معمل الصحافة يلوح لي من بعيد، هذا المختبر أجريت فيه فحصا للدم في أحد الأيام .. هنا كانت تجلس أم يحيى وهنا على هذا الرصيف كنت أجلس مع زميلاتي ، على اليسار مجلس الطالبات، وهذا الزجاج الذي كنت أرقب فيه زميلاتي ساعة اللقاء .. آه ومكتبتي الحبيبة ، ملاذي الذي كنت أفر منه لما لا يروق لي الحديث مع أحد، والتي لطالما عاتبت نفسي لأني لم ألزمها يوميا، هذا رف كتب الاعلام ! أين طار ؟
لم أكن أتخيل يوما أن أرى جامعتي بمثل هذا المنظر ! لو قست علي يوما لهان لكن جامعتي كانت أحن علي منكم جميعا ، لماذا تقتلوها أمامي ؟!
ودُرت بين الجدران تلازمني كاميرا الجوال البسيطة، أضغط على زرها بين الفينة والاخرى، لأصور آلاما لن أنساها ما حييت .. وبين مبنى ومبنى يشتد اطلاق النار .. يغالبني الخوف، لا أدري أهو خوف فطري أم خوف على جامعتي أم خوف من مستقبل لا أدري إلى أين يقودنا .. استعجلت رفيقاتي للعودة للبيوت فلم يعد في القلب مزيد احتمال .. سلمت على بعض من كان متواجدا في الجامعة .. همست إحداهن في أذن احدى العاملات اللاتي أبت الرواح قائلة " مش هاين علي " !
شارع موحش .. وموت يقترب ..
مضينا نسير في شارع الجامعة، هذا الشارع الذي كنت أضيق من ازدحامه، اليوم يصرخ : هل من أنيس؟ بين طلقات نار وأصوات تفجيرات بعيدة وقريبة .. سرنا أربعة ! لا سيارة ولا خيال لطير في السماء ! صمت واطراقة تفكير قطعها صوت اطلاق نار كثيف ، وتفجيرات .. وكلمح البصر تراءت أمامي صورة لجثتي ممدة على سرير اسعاف للنقل إلى ثلاجة المستشفى ! كان الموت يقترب ولم أدر أأقف أم ألوذ وبم ألوذ الشارع عار حتى من ظل شجرة .. التفتنا فإذا ببوابة ضخمة عنوان لمساعدات إنسانية .. هيه إنسانية ! طرقنا الباب لندخلها ، فتح لنا أحدهم ، خرجت سيارتان من البوابة طلبنا أن يقلونا إلى حيث سيارات أجرة لنذهب ! أجاب " ممنوع " !! وصمتّ للمرة الثالثة ولكن هذه المرة أنفة لا أكثر ، قالت لنا زميلة سنمضي ولا حول ولا قوة إلا بالله .. أسرعنا الخطى فإذا بسيارة اجرة توافق أن تقلنا وتنطلق بنا .. ومع كل نفس كان يخرج مني كانت دقات قلبي تكاد تخرجه من نبضه الطبيعي إلى حد اللامعقول ! وأمسكت بيد زميلتي وصمت .. واغرورقت دمعة في عيني حبستها ، لامست دمعة من عيني والدي الذي شاهد عبر شاشة جوالي مكتبه المتواضع والذي سقط شهيدا في ساحات العلم !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
** هدى شبير طالبة في قسم الصحافة والاعلام بالجامعة الإسلامية.
المصدر:شبكة فلسطين للدراسات و الإعلام