كتب المحرر العلمي أحمد مغربي الحياة 2003/12/15


الرقمي والافتراضي يدرب البشري ويحل محله. (خدمة لندن الصحافية) من المؤسف ان تصل الذكرى المئوية الاولى للرحلة الاسطورية للاخوين رايت (انظر المربع: "شغف الصدفة والهواء") فيما تكنولوجيا الطيران وعلومها واقتصادها تعيش جو ازمة متعددة الابعاد.
وشهدت هذه السنة, التي تتوج قرن الطيران, فشل مشروع الطيران التجاري الاسرع من الصوت مع تقاعد طائرات الكونكورد, وتحطم مكوك الفضاء كولومبيا الذي حمل انتكاسة لمشروع طيران الفضاء الخارجي وآفاقه واحلامه. وكذلك استمرار الازمة في قطاع الطيران التي انفجرت بعد احداث 11 أيلول" وهي نفسها خلل رهيب في علاقة الانسان مع الطائرة. وما سبق هو مجرد امثلة. ويروق للبعض ان يضع الحروب في افغانستان والعراق في سياق الازمة, مع ملاحظة التناقض بين قوة تطور الطيران الحربي, وانتكاسة تكنولوجيا الطيران المدني بغياب الكونكورد.
وفي العام الراهن ايضاً, ادى معرض للطيران في اميركا الى تظاهرات كبرى لانه تضمن عرضاً للطائرة التي القت القنبلة على هيروشيما. كأنها سنة لا تصلح لان تكون ختاماً لقرن الطيران, ومع ذلك كانته!

تقاعد الكونكورد وتحطم المكوك كولومبيا


عندما انجزت رحلتها التاريخية بين باريس ونيويورك في اقل من نصف الوقت الذي يحتاجه الطيران النفاث, بدت الكونكورد وكأنها الاستمرار الزاهر لحلم العلم بطائرات تُقَرِّب نواحي الارض. (انظر غرافيك: قرن من الطيران). وفي لغة العلم, فان الرحلات الاسرع من الصوت قد تصل بك من أي مكان في الارض إلى ابعد نقطة عنك في اقل من اربع ساعات. لكنّ تقاعد الكونكورد هو قصة فشل مُعْلَن. وانتكست منذ الحادث الاليم لاحتراق طائرة الكونكورد اثناء اقلاعها من مطار شارل ديغول في عام 2001 بسبب دخول قطعة صغيرة من خردة معدنية الى محركها القوي. وعلت بعض الاصوات لتذكر ان الطيران لم يتطور كثيراً من الناحية العلمية, وان معظم تقدمه هو في التكنولوجيا. فما زال فارق الضغط بين سطحي الاجنحة, مع الدفع الى الأعلى هو "النظرية الكبرى" للطائرة. وما زالت مراوح تدوير الهواء ودفعه هي الأساس للحصول على قوة الاقلاع. تَغَيَّر هيكل الطائرة, وقوة محركاتها وسرعتها, وصار باطنها اقرب الى منتزه للترفيه والمتعة, وتقدمت نظم الاتصال والمراقبة الجوية وظهر الطيار الآلي, و... و... لكنّ النظريات الاساسية للطيران لم تشهد اي قفزة كبرى. واتخذ ذلك الرأي من مصرع الكونكورد شاهداً على قراءته السلبية!
بعد عامين شهد مشروع علمي لا يقل اهمية كارثة كبرى. ففي مطلع السنة الراهنة, اهتز العالم بأسره لتحطم المكوك كولومبيا ومقتل طاقمه. ويمتد بين الكونكورد وكولومبيا خيط علمي. فالحال ان الطائرة تطورت, في ختام الحرب العالمية الثانية, لتصبح صاروخاً. وطور مهندسون المان واميركيون الصواريخ في اتجاهات متعددة, ومن ضمنها استخدامها للوصول الى الفضاء. وكانت تلك نقطة انطلاق عصر الفضاء. وبعد كولومبيا, علت بعض الاصوات لتذكر ان اسس الصواريخ لم تقفز بقدر ما تقدمت الجوانب التكنولوجية الصرفة. ومثلاً, ما زال من الصعب استخدام الذرة كوقود لمركبات الفضاء, وذلك لعـدم السيطرة على القوى الذرية نفسها. وما زالت الابحاث عن السيطرة على الجاذبية نفسها فـي مراحل تجريبية. ومن ناحية اكثر عملية, يمثل المكــوك نوعـاً مـن "طائرة" الفضاء. وسابقـاً, منّى كثيرون انفسهم باقتراب سياحة الفضاء والطيران الى الكواكب ...الخ. ومع تحطم كولومبيا, تكسرت جوانب كثيرة من هذه المشاريع والطموحات. بدا فجأة وكأن الطموح العلمي بمواصلات كبرى تتحدى قوى الجاذبية الكونية هو في ازمة.

الاسرع والاذكى والافتراضي


لنحاول الدخول الى رواية اخرى. تطورت الطائرة بقفزات علمية كبرى خلال هذا القرن. تلك حقيقة كبرى. ظهر الطيران النفاث والعمودي والاسرع من الصوت. ومن المفارقات ان الحروب لعبت دوراً اساسياً في القفزات الكبرى لتكنولوجيا الطيران. وراهناً, تمثل طائرات الشبح "ستيليث", القاذفة او المقاتلة, ذروة التطور التكنولوجي, بدءاً من التطور الذي ادمج هيكل الطائرة مع الاجنحة في مسار انسيابي واحد, ومروراً بالدهان الذي يمتص اشعة الرادار فيجعلها "شبحاً" لا تراها الرادارات, ووصولاً الى نظم الكومبيوتر المتطورة التي تدير عمل الطائرة, وكذلك الاجهزة المتقدمة في الاتصالات...الخ.
اذاً, يؤشر مسار قرن الطيران الى مستقبل لطائرات اسرع واقوى واكثر ذكاءً. والحال انه يؤشر ايضاً الى ما هو من دون طيار. ولهذا الامر رواية. فمع تقدم استخدام الكومبيوتر, برز امكان رصد كل التفاصيل الدقيقة التي يؤديها الطيار اثناء التحليق. وتبين ان بعضها هو عمليات تتكرر باستمرار. وفكر البعض ان الآلات في امكانها اداء الكثير من تلك الاعمال الروتينية. وهكذا ظهر الطيار الآلي Auto pilot. واستخدم بكثافة في الطيران المدني, ولاسباب اقتصادية محضة. كانت تلك بداية تقلص دور البشر في الطيران.
وتقلص دور الانسان في التدريب على الطيران. اذ اعطى الكومبيوتر المجال امام اساليب المحاكاة Simulation والحقيقة الافتراضية Virtual Reality. ويسهل على من يمارس الالعاب الالكترونية, وخصوصاً لعبة "فلايت سميوليتر" فهم هذا التطور. فيمكن الكومبيوتر ان "يقلد" على الشاشة ما يراه الطيار اثناء الاقلاع والهبوط والتحليق. وتُثَبَّت على رأس المتدرب خوذة كاملة, تشمل عينيه واذنيه. وتنقل الخوذة ذبذبات الكترونية الى العين والاذن, فتؤثر على الاحساس بالتوازن والمسافة والحركة وغيرها. وهكذا ينتقل كل ما يحس به الطيار اثناء الاقلاع والهبوط والتحليق, الى المتدرب بواسطة اسلوب المحاكاة الافتراضية. ويستخدم التدريب الافتراضي بشكل مكثّف في القوات الجوية, وفي اعداد رواد الفضاء, اضافة الى الطيارين العاديين.

نحو طيران بلا طيار


في حربي افغانستان والعراق, برز الدور الكبير الذي تؤديه الطائرات التي تعمل من دون طيار. وشاركت بكثافة في القصف على "تورا بورا" وفي ضرب خلية في اليمن وسـواها. وانفـق الجيش الاميركي ما يزيد على نصف مليار دولار على تطوير انواع مختلفة من الطائرات غير المأهولة.
وتعكف فرق تضم ممثلين عن الحكومة الاميركية والشركات الكبرى, على إحداث النقلة نحو الطائرات التي لا تحمل بشراً, والتي يشار اليها باسم مختصر هو "يو آيه في" UAV , اختصاراً لعبارة Unmaned Air Vehicle التي تعرف ايضاً باسم "الطائرات المُدارة عن بعد" أوROA , اختصاراً لعبارة Remotely Operated Airplane .
في الحاضر, تحلّق طائرات غير مأهولة في ممرات جوية خاصة فوق الولايات المتحدة, واحياناً تدخل الى الممرات التجارية العادية. وفي كل مرة تصل طائرة من هذا النوع الى خارج النطاق المحدد لها, يجب ان تحصل على إذن من الهيئات الحكومية, وهو امر يستغرق اسابيع.
وبناء الى الاحتياجات الامنية لوزارة امن البلاد, فان هيئة الطيران أعطت اذناً لاول طيارة غير مأهولة لتطير بشكل روتيني ضمن اعمال برنامج عسكري للاستطلاع الجوي اسمه "غلوبال هوك".
وثمة برنامج آخر من المتوقع ان يلقى تأييد وزارة الامن, في "مركز التحليل والتطبيقات التكنولوجية" في جامعة نيومكسيكو في لاس كروسيس. وحاز أخيراً موافقة "هيئة الطيران الفيدرالي" بالطيران فوق ولاية نيومكسيكو. وانشئ المركز لدمج الطائرات غير المأهولة بنظام الطيران التجاري.
ودخلت انواع من تلك الطائرات الخدمة منذ الحرب العالمية الثانية, واستعملت في اعمال حربية في افغانستان والفيليبين واليمن وأخيراً في العراق.
و توقع "مركز التنبؤات الدولية" ان يُنفق عشرة بلايين دولار علــى الطــيران غير المأهـــول خلال السنوات العشر المقبلة.