مصطفى رزق


مفكرة الإسلام: جدل كبير صاحب جولات المفاوضات التي أجريت في سبيل تشكيل حكومة وحدة وطنية في فلسطين تتمحور أهدافها الرئيسية في رفع الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني منذ تولت حركة المقاومة الإسلامية حماس مقاليد السلطة بناء على انتخابات تشريعية شرعية أجريت في الخامس والعشرين من يناير 2006، بالإضافة إلى ما يحمله أسمها من آمال مرتقبة بتحقيق الوحدة بين أطياف وفصائل المقاومة الفلسطينية.



وبحلول الخامس والعشرين من يناير الجاري مر عام على تولي حماس مسئولية الحكومة الفلسطينية بعد تشكيك كبير تعرضت له الحركة من قبل بعض الأطراف عربيا ودوليا في إمكانية ممارستها للعبة السياسة خاصة وأنها حركة تهدف بالأساس إلى إخراج الاحتلال الصهيوني وتحرير الأراضي الفلسطينية، ولم تكن لها مشاركة سياسية سابقة ولكن نظرا للزخم الشعبي الفلسطيني للحركة تفوقت ونجحت في الانتخابات التي أجريت وحازت على ثقة الناخب الفلسطيني وبالتالي تولت مقاليد السلطة التنفيذية.



إلا أن هذا النجاح لم يرض أطرافا داخل السلطة الفلسطينية التي يتولاها الرئيس محمود عباس وهو زعيم لحركة التحرير الفلسطينية (فتح) في نفس الوقت، وأطراف أخرى خارج فلسطين عربيا ودوليا رغم شرعيتها.



ومن هنا بدا الحصار الدولي يفرض على الشعب الفلسطيني وكأنه عقاب له على ديمقراطيته واختياره لـ "حماس" ! كذلك بدأ التضييق على الحركة داخليا وخارجيا حتى تتنازل عن أهم مواقفها ومبادئها والاعتراف بالكيان الصهيوني الغاصب للأرض، وكأن التخلي عن هذه المبادئ سيكفل لها الاستمرار في السلطة، ويجعل أعداءها والمتربصين بها راضين عنها.



ورغم صمود حكومة حماس في مواجهة كل هذه الضغوط خاصة وأن رهانها على الشرق بدلا من الغرب، وعلى العرب والمسلمين بدلا من الأمريكيين والأوروبيين، لم ينجح، فرأت أن مصلحة الشعب الفلسطيني تقتضي – في سبيل رفع الحصار - بعض المقترحات التي طرحت لتشكيل حكومة جديدة تكون قادرة على تحقيق ذلك وتحظى في الوقت نفسه بقبول فلسطيني داخلي وتلاقي ترحيب عربي ودولي، غير أن ذلك أصبح في حد ذاته عقبة جديدة أمام حماس لاسيما مع ربط مسألة تشكيل الحكومة بمسألة رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني من جهة والقبول بشروط اللجنة الرباعية الدولية كأساس للحكومة الجديدة ومن أبرز شروط هذه اللجنة هو الاعتراف بالكيان الصهيوني وهو ما يتنافى تماما مع مبادئ "حماس"، التي عرفت كمنظمة تقوم فلسفتها السياسية على المقاومة وعدم الاعتراف بـ"إسرائيل".



كذلك فإن إصرار حركة فتح على بعض الشروط في الحكومة الجديدة ومنها التمسك ببعض الوزارات السيادية كالداخلية والمالية، ومنصب نائب رئيس الوزراء ورفضها توزيع المناصب الذي اقترحته حماس زاد من تعقيد الموقف.



إضافة إلى ذلك ومع عدم قدرة حماس على كسر حالة الحصار المفروضة، خاصة الاقتصادي منه، وتفاقم الأوضاع الداخلية، بدءاً من الإضراب الشامل لبعض العاملين، ووصولاً لحال الفلتان الأمني والاقتتال الداخلي، كل هذا كان من شأنه أن يستدعي أطرافا خارجية للتدخل لوقف نزيف الدم الفلسطيني من جهة ووضع حد لحالة الفلتان الأمني، والتوسط لدى الفلسطينيين في سبيل التوصل إلى صيغة وسط مقبولة لدى جميع أطراف المعادلة الفلسطينية.



ونتيجة لكل هذه الضغوط، برزت الحاجة المتزايدة للوصول الى حكومة وحدة وطنية، تتبنى برنامجاً عاماً، لتظهر إلى العلن وثيقة الأسرى كأساس محتمل ومقبول نوعا ما للوفاق الوطني، وهي الورقة التي وضعت الأسس والأهداف التي تلتقي عليها الفصائل الفلسطينية والفعاليات الوطنية، غير أنها لم تصلح وحدها كأساس وحيد لبرنامج الحكومة، خاصة مع اصطدامها بشروط اللجنة الرباعية الدولية التي أوقفت عليها الحكومات الغربية رفع الحصار.



ثم انتقل الأمر للحديث عن ورقة أخرى تجمع بين شتات الانقسام الفلسطيني فكانت ورقة ما أطلق عليه "المحددات السياسية" التي اعتبرت مبادرة السلام العربية أساس للتحرك السياسي وهي المبادرة التي تشير إلى إمكانية بالاعتراف الضمني المتبادل بالكيان الصهيوني.



وكما كان متوقع ـ من خلال قراءة موقف حماس منذ البداية ـ فقد سارعت "حماس" بطلب تغيير بعض العبارات في وثيقة "المحددات"، خاصة العبارة التي تتحدث عن مبادرة السلام العربية واستبدالها بمصطلح الشرعية العربية.



يفهم من ذلك كله أن حركة المقاومة الإسلامية حماس لا تعارض تشكيل حكومة وحدة وطنية ولكنها في نفس الوقت ترفض التنازل عن ثوابتها ـ وبمعنى آخر الثوابت الفلسطينية ـ فهي لا تريد أن توافق على شروط اللجنة الرباعية، ولا تريد أن تعود الى وثيقة المحددات السياسية التي تشترط الاعتراف بإسرائيل، وهو مسار متناقض لما تريده "فتح" فهي تصر على قبول شروط الرباعية بالنسبة للحكومة القادمة.



كل هذا أظهر في الأفق حلولا أخرى بعد "وثيقة الأسرى" و"المحددات السياسية"، وهو ما عرف بـ"حكومة كفاءات وطنية" وهي حكومة لا تشارك بها الفصائل، ويكون رئيسها أيضا شخصية مستقلة مقربة من "حماس"، فيما يشكل الحكومة كفاءات بمن فيهم الذين ستسميهم الفصائل على أن لا يكونوا من الشخصيات البارزة ومن رموز الفصائل، وذلك لتذليل الرفض الأمريكي والأوروبي للتعامل مع حكومة يكون وزراؤها البارزون أو بعضهم من قيادات حماس، إلا أن المشروع انتهى بإعلان الرئيس الفلسطيني فشل المفاوضات مستندا إلى إنها لم تستند إلى أرض صلبة!



ووسط كل ما يحدث وحالة الاحتقان السياسي في الشارع الفلسطيني التي شهدتها الأشهر القليلة الماضية، لم تغفل حماس التحذير من أن الخلاف الفلسطيني لا يصب إلى في مصلحة الكيان الصهيوني، مشيرة إلى دور هذا الكيان والقوى الخارجية في إشعال التوتر والاقتتال في الشارع الفلسطيني.



حماس أيضا أكدت على لسان رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل أنها لن تبيع إرادتها السياسية، رافضة أن يرهن التوافق الفلسطيني الداخلي برضى الغرب و"إسرائيل"، مؤكدا تمسكه بحكومة الوحدة والعمل على تجاوز التعثر الحالي بمعيار مصالح الشعب لا بالتأثر بالظروف الضاغطة.



وجاء الفصل الأحدث في أزمة تشكيل حكومة الوحدة مع خروج الاجتماع الذي جرى بعد جهود واسعة شاركت فيها بقوة دوائر مصرية وسورية وفلسطينية بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس وخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس في العاصمة السورية دمشق في الحادي والعشرين من يناير الجاري بدون نتائج حقيقية تلمس أرض الواقع وتحرك المياه الراكدة اللهم إلا التصريحات البرتوكولية من الجانبين بتلاقي وجهات النظر والاتفاق على استمرار المشاورات نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية يرضى عنها الفلسطينيون وتساهم في رفع الحصار عليهم.



أما القشة التي فيما يبدو ستؤدي إلى انهيار كل ما سبقها من مفاوضات ومجادلات ومشاورات حول تشكيل الحكومة (المعجزة) فكان تجدد اندلاع القتال وبشكل غير مسبوق بين الفلسطينيين أنفسهم والذي أسفر حتى الآن عن 33 قتيلا على الأقل وعشرات المصابين، أعقبها اختطاف عناصر من فتح وحماس وفشلت الجهود الساعية للإفراج عنهم ثم الإعلان عن مقتل بعض من اختطفتهم "فتح" وسط اتهامات متبادلة من الطرفين وتحميل كل طرف للآخر مسئولية الاقتتال.



جاء كل ذلك ليزيد النار اشتعالا ويضع فكرة تشكيل حكومة "الوحدة" من هذين الفصيلين المتناحرين حلما أقرب إلى الخيال.



يبدو بالفعل أن حكومة الوحدة الوطنية أصبحت حلما فلسطينيا بعيد المنال في ظل الظروف التي تسيطر على الوضع الفلسطيني، لأن هذه الظروف نفسها لا تسمح بقيام هذه الحكومة، التي يرغب جميع الفلسطينيين بالتأكيد في أن تكون "وطنية" ومتمسكة بالثوابت الوطنية، ورافضة للخضوع للإملاءات والشروط الصهيوأمريكية، حكومة قادرة عل مواجهة قوات الاحتلال ومقاومة اعتداءاته، ونشر ثقافة المقاومة بدلا من ثقافة الاستسلام التي يريد البعض لها السيادة.



مع كل هذه الآمال والأحلام تبقى أزمة تشكيل حكومة الوحدة معلقة حتى إشعار آخر.