مع ازدهار النقل الجوي في بداية العشرينات من القرن الماضي، بدأت الطائرة في لعب دور مهم في التنقلات فيما بين الشعوب، وبالطبع كان لا بد من الرؤساء ان يكونوا من المرتادين الرئيسيين لهذا النوع الحيوي من وسائل النقل، ولعل هذا ما جعل من الطائرة مركبة مهمة جداً، لهذا كان ولا بد من تخصيص طائرات خاصة لتنقلات الرؤساء فيما بين الدول وكذلك في تنقلاتهم الداخلية على أرض أوطانهم، إلا ان الملفت للنظر هو ان معظم الطائرات الرئاسية في العالم هي في الأساس طائرات نقل للركاب تم تعديلها لمهام نقل الشخصيات المهمة والرؤساء، ولم تكن هناك طائرات بمواصفات خاصة في بداية الأمر لذلك إنما وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتأجيج الصراع فيما بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي في بداية الخمسينات تطلب الأمر ظهور مواصفات خاصة تميز تلك النماذج التقليدية لتلك الطائرات عن غيرها وهنا بدأت ملامح الطائرات الرئاسية الخاصة بالظهور.

ولادة «الايرفورس ـ 1»

لا تختلف طائرات الرئاسة عن بعضها البعض فيما بين الدول، إنما هناك طائرات رئاسة من فئة خاصة لا يوجد لها مثيل في معظم دول العالم الآخر، ألا وهي طائرة الرئاسة التابعة لقيادة الولايات المتحدة الاميركية، وغالباً يخضع هذا النوع من الطائرات الى فرع المهمات الجوية الخاصة أو Special Air Mission كما في الولايات المتحدة الاميركية بقيادة سلاح الجو الاميركي، الذي يملك اسطولا مكونا من اربع طائرات: اثنتين من النوع الرئاسي الخاص للمدى الطويل واثنتين للمدىين المتوسط والقصير.

فرضت الحرب الباردة، ابان فترة الخمسينات الى فوق، توفير نوع معين من الطائرات الرئاسية، بحيث يتم تزويدها بأنظمة قياسية خلافا للنموذج الاساسي للطائرة، التي يبنى عليها هذا النوع من الطائرات، فمثال على ذلك كان النموذج المختار لأول طائرة رئاسية اميركية من هذا النوع هو VC-137C، وهو اسم يطلق على نموذج معدل ومحدث في الطائرة الشهيرة البوينغ B707 ذات المحركات النفاثة الاربعة.

ظلت تلك الطائرة، التي اطلق عليها تسهيلا لقب «الايرفورس ون» او Airforce-1 في خدمة القيادة الاميركية لمدة طويلة وحتى فترة ما بعد منتصف الثمانينات الى ان تمت احالتها الى التقاعد لتحل محلها طائرة اضخم هي بحق غاية في الروعة.

الجامبو VC-25A

بعد احالة طائرتي البوينغ VC-137C تم استبدالهما بطائرتي «جامبو» من صنع «بوينغ» ايضا من نوع B747-200B ذات الطابقين الشهيرة والغنية عن التعريف، ومن دون شك تمتلك تلك الطائرة «الجامبو» قدرات ادائية عالية اولها انها اكبر حجما واثقل وزنا واطول مدى، كما تعتبر اسرع نوعا ما (المعروف ان اسرع طائرة ركاب في العالم في الوقت الحالي هي «البوينغ جامبو») حيث تبلغ سرعتها ألف كلم/ ساعة.

زودت طائرتا «الايرفورس ون» الجديدتان بأربعة محركات لكل منهما من نوع CF-80C2B1 فئة «توربو فان» ذات طاقة دفع لكل محرك تصل إلى اكثر من 56 ألف رطل. وتعتبر قمرة القيادة فيها سابقة لوقتها آنذاك عند طلبها عام 1987، والتي اشتملت على قمرة ذات شاشات عرض كاثودية شبيهة بتلك التي تستخدم في النموذج الاحدث من «الجامبو B747-400.

طار النموذج الأول للايرفورس ون والذي يسمى في سلاح الجو الاميركي بـVC-25 في 16 مايو 1987 ودخل الخدمة في العام نفسه.

وقد وفرت «الجامبو الرئاسية» او «الاير فورس ون» مساحة كبيرة للاستغلال داخل الطائرة تقدر بـ4 آلاف قدم مربع: وتقدر طاقة استيعابها للركاب بـ 76 راكبا اضافة الى 26 من افراد الطاقم، وزودت بجميع ما تتطلبه الرحلات الرئاسية من أنظمة وأجهزة اتصالات وأنظمة وقاية من الاسقاط كالشعلات الحرارية والألواح المعدنية الصغيرة لتضليل الصواريخ المضادة للطائرات، سواء تلك التي تطلق عليها من الجو بواسطة طائرات معادية أو تلك التي تطلق من الأرض او سفن السطح.

ويمكن لمطبخي الطائرة اطعام 50 راكبا لكل واحد منهما (اي ما مجموعه 100 راكب)، وبالطبع زودت الطائرة بمركز طبي محمول وغرف لطاقم الصحافة المرافق والحرس الخاص والمرافق للرئىس. هذا اضافة الى كبسولة خاصة لقذف الرئىس عند حدوث خلل بالطائرة اواعطاب يتطلب معه اخلاء الرئيس وهو امر ليس مستبعدا كون التكنولوجيا الحالية تسمح بذلك.

مقر قيادة محمول جواً

كان الغرض من التزود بهذا النوع وتلك التجهيزات القياسية لطائرة الرئىس، هو توفير ملاذ آمن للرئيس، ووسيلة نقل آمنة تمكنه من النجاة عند حدوث هجوم نووي من قبل الاتحاد السوفيتي السابق او من قبل اي دولة معادية للولايات المتحدة الاميركية وقد كان ذلك جليا في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، حينما شن الارهابيون هجومهم المشؤوم على برجي التجارة العالميين وذلك من خلال صدمهما بطائرات ركاب مدنية وكذلك الحال للبنتاغون (وزارة الدفاع الاميركية).

فبمجرد وصول النبأ للرئىس الاميركي وهو في زيارة الى ولاية فلوريدا استقل الرئىس طائرة «الاير فورس ون» وقام بإدارة الامور من على متنها، ولكن على الرغم من التجهيزات الخاصة بالطائرة كان هناك قصور في قدرات الاتصال المباشر مع القيادة العسكرية مما استدعى بعد تلك الحادثة الى تحديث الطائرة وتزويدها بنظام اتصالات عالي التقدم، قادر على تشفير الاتصالات مع مختلف جهات القيادة الاميركية، ومن مختلف الاماكن التي قد تتواجد بها الطائرة، ومن المعلوم ان الطائرة الحالية سوف تستمر في الخدمة الى عام 2010.

على الجانب الاخر من العالم

على الجانب الاخر من العالم وهو الشطر الشرقي، نجد في مرحلة الاتحاد السوفيتي، تدابير لا تقل عن تلك التي لدى الاميركان، فقد كان للاتحاد السوفيتي السابق طائرات خاصة لافراد القيادة السوفيتية وكان اشهرها نموذج معدل لطائرة «اليوشن IL- 86» ذات المحركات الاربعة، والتي زودت بكابينة لاستراحة الطاقم في الجزء السفلي الخلفي للطائرة، اي انه جرت اضافة ما يشبه السرداب في مؤخرة الطائرة ذات السطح الواحد.

وأخيرا فإن طائرة الرئاسة الروسية الرئيسية والتي دخلت الخدمة في وقت قريب هي من نوع اليوشن/IL-96-300PMV المتطورة ذات نظام القيادة بواسطة السلك FLY-BY- WIRE والمزودة بنظام اتصال متطور جدا بواسطة الاقمار الصناعية GPS، وهوائىات اخرى في نتوء بارز في الجزء الخلفي للسطح العلوي بالطائرة، وبذلك يكون الروس قد دشنوا طائرة احدث من الناحية الميكانيكية عن الاميركان.

طائرة الرئاسة المستقبلية

قد تكون خفية!

بعد حادثة 11 سبتمبر 2001، بدأت الاوساط العسكرية مناقشة دراسة تدور حول مدى مناعة طائرات الرئاسة الاميركية في مواجهة الاخطار، يذكر منها دراسة مستقبلية افتراضية لطائرة «الايرفورس ون» تبني على نموذج لطائرة «بوينغ» الواعدة وهي B7E7 يكون في إمكانها ان تختفي عن الرادار بواسطة الصبغة الماصة للرادار تماما كما في الطائرات الخفية المقاتلة «الشبح»، والاهم التخفي البصري بحيث لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة وهي تقنية يتم صنعها وتجربتها على مقاتلات المستقبل.


طائرات الرئاسة قصور فخمة يفترض أن تكون قلاعا محصنة

،، على مر العصور تميز حكام وملوك الشعوب والدول عن غيرهم بجميع متعلقاتهم المادية، وإن كانوا لا يختلفون كثيراً عن المشاهير والأغنياء خلال هذه الحقبة من الزمن، إلا انه ونظراً لأهمية الدور الذي يلعبونه اقتضت الحاجة إلى سلوكهم مسالك تختلف عن تلك التي يرتادها العامة من الشعوب في حياتهم اليومية. وقد انعكس ذلك على نوعية الآلات والقصور والقلاع التي تكون تحت إمرتهم وتصرفهم الكامل، فتاريخياً كثيراً ما لاحظنا مدى تفوق وكفاءة نوعية السفن والقوارب التي استخدمها آنذاك الملوك والقادة للحضارات السابقة، فالفراعنة كان لفرعونهم مركباً غير كل المراكب، فهو ذو اناقة غير مسبوقة، والرومان كان لقياصرتهم سفن شبه حربية غاية في الضخامة والقوة وغيرهم من الحضارات. وفي العصر الحديث ومع تطور الآلة وظهور وازدهار ورواج الطائرات اقتضت الحاجة الى ظهور طائرات هي في الأساس لا تختلف عن مثيلاتها من طائرات النقل المخصصة للركـاب ســوى فـي التجــهيزات الأمــنية واللمسات الفخمة، ولعل طائرة الرئاســة الأمـيركية الشـــهيرة بـ «الايرفورس وان/ Airforce 1» هي أعظم تلك النماذج. وفي الموضوع التالي سنتناول تلك الطائرات وما تتميز به عن غيرها من الطائرات الأخرى،،


طائرة الرئيس المقدوني المنكوبة

كان لتحطم طائرة الرئيس المقدوني مؤخرا الوقع الكبير على دول منطقة البلقان، خصوصا لما تشهده هذه المنطقة من محاولة استعادة التوازن بعدما انهكتها الحروب السابقة فيها. الجدير بالذكر ان الرئيس المقدوني تقرر ان يسافر الى البوسنة في رحلته التعيسة مؤخرا على متن طائرة من نوع «بيتش كرافت/كنغ إير B-200» وهي طائرة ذات محركين مروحيين وهي من الوزن الخفيف، ولم تكن مجهزة بمعدات ملاحية متطورة، كما ان رادار الطقس الذي على متنها ليس من فئة رادارات الطقس التي على متن الطائرة التجارية النفاثة الأقدر، وهو امر يعد غاية في الخطورة، خصوصا عند الطيران في جو غير مستقر وعاصف، كذلك ان هذا النوع من الطائرات ليس مجهزا بأنظمة منع التصادم بالجو ناهيك عن عدم توفر انظمة منع التصادم بالموانع الارضية، خلاصة الكلام أن هذا النوع من الطائرات لا يصلح للمهمات الرسمية الخاصة.