بقلم: د. حامد أنور
على مقربة من شرم الشيخ كانت البداية، فها هم بنو إسرائيل قد عبروا البحر وأنجاهم الله من فرعون، الذي كان يسومهم سوء العذاب يقتِّل أبناءهم ويستحيي نساءهم، فمنذ قليل كان فرعون يصارع الغرق وقد تلقَّفته يد الردى هو وجنوده الذين بغوا في الأرض وأكثروا فيها الفساد.. أولئك الجنود أداتُه لتحقيق غاياته وأهدافه، ذراعُه الظالمة التي تبطش وتضرب أيَّ بادرة للإصلاح، وتخنق أي نبتة تخرج منها الآمال وأي طوق يتعلق به الغرقى في بحر التيه، فها هم الآن في قاع البحر لم يجدوا من ينقذهم أو يمد لهم العون، احتضنهم الموت وابتلعهم الموج، ولكن الله نجَّى فرعون ببدنه ليكون لمن خلفه آية وعبرةً لأئمة الجور والظلام، وهذه إشارة لطيفة من القرآن الكريم لعملية التحنيط عند المصريين.

لقد كان خروج بني إسرائيل من مصر هو الخروج العظيم فقد تحرَّروا من نِير فرعون وظلمه، وها هم سيدخلون الأرض المقدَّسة في فترة مؤقتة وحقبة محددة لهم، ولكنَّ بني إسرائيل في التاريخ المعاصر اصطنعوا خروجًا جديدًا وفرعونًا جديدًا، فجعلوا الهولوكست هو سفر الخروج الجديد وهتلر هو فرعونهم الجديد الذي سامهم سوء العذاب، فجاءت الصهيونية لتكونَ الفجر الجديد لهم لتأخذ يأيديهم إلى الأرض المقدسة، ويأتي إليهم النبي المخلص، ولكن.. كيف يأتي؟! فلا بد من تقديم قربان تأكله النار، فهم يقولون إن الله قد عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فكان الهولوكست هو قربانهم المزعوم.

فالهولوكست كلمة يونانية تعني القربان المحروق كاملاً، لذلك مَن ينكر الهولوكست تفتح عليه النيران من كل جانب، وتأتيه المحاكمات من كل مكان، رغم أن التوراة نفسها قد أنكرت هذا الوهم.. وهْم أنهم شعب الله المختار في سفر واحد في سطر واحد، فقد جاء في سفر أشعياء (هأنتم من لا شيء, عملكم من العدم.. رجس هو الذي يختاركم) أشعياء (41-24) وكم من الأساطير تروَّج تحت حماية الامبراطورية الأمريكية.

نعود إلى بني إسرائيل وهم بجوار البحر، فقد تركهم موسى وانطلق إلى لقاء ربه يشكره سبحانه على ما تم معه وتأييده سبحانه بقوته له، فموسى الذي خرج من المدينة خائفًا يترقَّب ها هو يخرج منها الآن ظافرًا منتصِرًا على فرعون وملائه بعد مواجهة شديدة بينهما، استغلَّ فيها فرعون كل طاقته وقدرته.

فبعد هزيمته المخزية يوم الزينة قرَّر أن يقتل السَّحَرة الذين كانوا يمثلون صفوة المجتمع حينئذٍ وعقوله ومثقفيه، وأن يجعلهم عبرةً لكل من يتبع موسى أو أن يقدم على أمر قبل أن يأذن له، ولكنهم ضربوا أروعَ الأمثال في الثبات والإيمان، فهم قد سجدوا كلهم في وقت واحد لم يتخلَّف منهم أحدٌ رغْمَ أنهم أتَوا من أماكن شتى، فقد أرسل فرعون في المدائن حاشرين ليأتوه بكل ساحر عليم, ولم يتراجع منهم أحدٌ، رغم قسوة العذاب وشدة التنكيل؛ لأنه أمرَ أن تقطع أيديهم وأرجلُهم من خلاف وأن يصلَّبوا في جذوع النخل!!

ولكنهم أطلقوها قويةً مدويةً.. احكم بما تريد، وكيفما تريد.. فإنما تقضي هذه الحياة الدنيا، فلم يجزعوا.. لم يخنعوا.. لم يخضعوا.. لم يتراجعوا.. فأعظِم بهم من عقول ومفكرين, فلجأ فرعون إلى تخويف الشعب المصري من موسى، وقال إن موسى خطرٌ على الأمن العام، فأنا أخشى أن يبدِّلَ دينَكم أو أن يُظهِرَ في الأرض الفساد، فكان عقاب الله له ولملائه، وعندما كان الرجز يأتي عليهم عقابًا من الله كانوا يسرعون نحو موسى: ادع لنا ربك كي يصرفَ عنا هذا الرجز وسنرسل معك بني إسرائيل، وبعدما ينكشف هذا الرجزُ كان فرعون ينكُث وعده، وكم من وعود وعد بها الفرعون وتراجع عنها!!

وأخيرًا خرج موسى وبنو إسرائيل معه، وعبَروا البحر الذي أبَى أن يترك الفرعون أو يسلمه إلا إلى أصابع الموت، فكان لزامًا على موسى أن يذهب لميقات ربه 30 ليلة وأتمها المولى بعشر، وبعدما عاد موسى إلى قومه وقد أخذ التوراة مكتوبةً في الألواح وجد عجبًا.. بنو إسرائيل الذين نجَّاهم ربهم وحرَّرهم وجعل موسى- كما قال بطرس في أعمال الرسل- فاديًا لهم، ها هم يعبدون عجْلاً جسدًا له خُوار، رغم أنه لم تمر سوى 40 ليلة فقط حتى زاغوا عن ربهم؛ مما أثار غضب موسى عليه السلام، فألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه معاتبًا: كيف تركهم إذ ضلوا؟!

ولكن هارون لم يفعل لأنه خاف أن يُتَّهَم بأنه قد فرَّق بينهم، فجمع موسى 70 رجلاً لميقات ربه، يستغفرونه سبحانه عما بدَر من هؤلاء الجهلاء، فأخذتهم الرجفة فقال: رب لو شئت أهلكتهم وأنا معهم، أفتهلكنا يا رب بما فعل السفهاء منا؟! هنالك قال لهم المولى سبحانه: إن رحمته واسعة تسع كل شيء ولكنها رحمة مشروطة، فلن تكون إلا لمن اتقى وآمن بآيات الله واتبع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم, فمَن آمَن به ونصَرَه واتبَعَ النور الذي أُنزل معه فسيكون من المفلِحين.

هذا الأمر كله تمَّ في جبل حوريب، وهو بالقرب من شرم الشيخ، وعليه نزلت تلك الوصايا والأوامر، فقد جاء في سفر التثنية البشارة الشهير التي تحدث عنها ابن القيم وغيره كثير (حسب كل ما طلبت من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع قائلاً لا أعود أسمع صوت الرب إلهي، ولا أرى هذه النار العظيمة لئلا أموت، قال لي الربّ: قد أحسنوا فيما تكلموا أقيم لهم نبيًّا من وسط إخوتهم، مثل موسى، أجعل كلامي في فمه، ويكلمكم بكل ما أوصيه به، وكل إنسان لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به أنا أطالبه) تثنية (18-15:20).

وكان بطرس أكثر توضيحًا حين قال في أعمال الرسل عن هذا النبي الأمى الذي بشرت به كل أنبياء بني إسرائيل، محذِّرًا اليهود إن لم يستجيبوا له بالهزيمة أمامه والقتل على يديه، فقال (فإن موسى قال للآباء إن نبيًّا مثلي سيُقيم لكم الرب من إخوتكم له تسمعون في كل ما يكلمكم به ويكون أن كل نفس لا تسمع لهذا النبي تُباد من الشعب وجميع الأنبياء من صموئيل ومن جاء بعده جميع الذين تكلموا سبقوا وأنبأوا بهذه الأيام) أعمال الرسل {3-23} ولا يعرف التاريخ نبيًّا هزم اليهود وأعمل فيهم القتل إلا نبي الإسلام.

إن ما يتعرض له الإسلام من هجوم في الغرب على نبي الإسلام وأمته واتهامهم بالعنف والإرهاب إنما يهاجمونهم بصفتهم في التوراة والإنجيل صفاتهم التي يعرفونها جيدًا ويريدون للمسلمين تحت ضغط الهجوم الإعلامي الجارف أن يتخلَّوا عنها؛ لأنهم يعرفون أن النهاية على أيديهم قد اقتربت اليوم أكثر من ذي قبل.. تلك الصفات التي جاءت في سورة الفتح (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ) (الفتح: من الآية 29) فإن نعت النبي وأمته إنما هو قتل اليهود والكفار الذين لم يسمعوا لكلام الله الذي أقرأه على لسانه؛ فقد جاء في مزامير داوود (ليبتهج الاتقياء بمجد ليرنموا على مضاجعهم أوامر الله في أفواههم.. وسيف ذو حدين في يدهم ليصنعوا نقمة على الأمم.. وتأديبات في الشعوب.. لأُسَر ملوكهم بقيود وشرفائه.. بكبول من حديد ليجروا بهم الحكم المكتوب... وهذا كرامة لجميع أتقيائه...هلِّلوا يا" مزمور (149).