للكاتب الكبير فهمي هويدي
أدعو إلى ترشيد الغضب الشائع هذه الأيام بين أهل السنة وكبح جماحه، حتى لا يتحول من عتاب واحتجاج يدعو الى تصويب الأخطاء لتمتين وحشد صفوف الأمة لمواجهة أعدائها الحقيقيين، إلى فتنة كبرى وانتحار جماعي لأهل السنة والشيعة معاً.
في هذا الصدد، فالتحذير واجب من أقوال الغلاة وممارستهم، التي تتراءى لنا من فوق بعض المنابر، عبر فتاوى واتهامات تروج لها مواقع بلا حصر برزت فجأة من خلال شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)، أو عبر جرائم ترتكب على الأرض تتذرع بالهوية المذهبية لإراقة دماء المسلمين الأبرياء، التي هي حرام بأمر الله ورسوله.
إنني لا استطيع أن أحسن الظن بتلك اللوثة التي أصابت البعض، حتى جعلتهم لا يكفون عن التحريض والتهييج وإشعال الحريق في كل اتجاه، ذلك أن المخاطر التي تترتب على ذلك لا تخطئها عينٌ مبصرةٌ ولا عقلٌ رشيدٌ.
ولعلي لست بحاجة إلى التذكير بأن الغلاة لا تعنيهم الأمة في شيء، ولا يشغلهم مصيرها في أي باب، هم فقط مشغولون بمراراتهم وحساباتهم الخاصة، التي هي في الحالة التي نحن بصددها وفي الظروف التي نمر بها أفضل هدية تقدم بالمجان إلى كل الذين يكنون العداء للأمة ولا يتمنون لها خيرا.
إن ما نريده عتابا يريدونه هم خصومة وقطيعة، وما نريده احتجاجا يريدونه حربا تأتي على الأخضر واليابس، وما نريده اصطفافا في الاتجاه الصحيح يريدونه طلاقا وإقصاء لا يبقي على غيرهم في الساحة. وما يعزز شكنا وارتيابنا فيما يجري أن دعاة الخصومة الذين يطلقون نفير الحرب والإبادة الفكرية، لم نسمع لهم صوتا ولم نر لهم حضورا في ساحات المعارك المصيرية الشريفة التي تخوضها الأمة، سواء ضد الاحتلال والهيمنة الأجنبية أو ضد الجرائم التي ترتكب بحق شعوب الأمة، وفي المقدمة منها الشعب الفلسطيني، فضلا عن ذلك، فقد كان مدهشا أن نرى في مقدمة المهاجمين للشيعة والمحرضين عليهم أناسا لم نعرف عنهم غيرة على السنة يوما ما. وكان مخزيا أن نقرأ في الصحف الإسرائيلية دعوات حثت حكومة تل أبيب إلى استثمار الأجواء التي توافرت منذ العدوان على لبنان، لتوثيق علاقاتها وتحالفها مع ما سمتهم الحكومات «السنية المعتدلة».
إزاء ذلك، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يمكننا أن نوصل رسالة الغضب والاحتجاج على الممارسات الصادرة عن الطرف الشيعي، دون أن يوقعنا ذلك في منزلق يؤدي بنا إلى الاصطفاف في المعسكر المعادي للشيعة والسنة معا؟
ازعم أن الإجابة عن السؤال ليست سهلة، لأن الاحتفاظ بهذا التوازن ليس مرهونا بالطرف السني وحده، ولكن للطرف الشيعي والإيراني بوجه أخص دوره في تعزيز هذا التوازن او الإخلال به. ولكي أوضح فكرتي فإنني حين أعبر عن الحرص على دور إيران الدولة كقوة ممانعة مهمة في المنطقة، تتحدى الهيمنة الأمريكية والمخططات الإسرائيلية، وتدعم قوى المقاومة والممانعة في المنطقة، فان ذلك الحرص لن يحقق المراد منه إلا إذا تصرفت إيران انطلاقا من حسابات الدولة وليس حسابات الطائفة، والتداخل في هذه الحسابات. كما أن تقديم الثانية منها على الأولى، من شأنه أن يثير حساسية أهل السنة ويجعل مشاحناتهم مع حسابات الطائفة تؤثر في موقفهم من الدولة، وهذا هو الحاصل الآن، لأن الممارسات الشيعية التي أزعجت أهل السنة وأثارت غضبهم، كان لها تأثيرها السلبي على موقف الجماهير العربية والمسلمة في إيران أيضاً، خصوصا بعد الطريقة المهينة التي اعدم بها الرئيس السابق صدام حسين صبيحة عيد الأضحى، والتي رحبت بها إيران، وشاءت المقادير أن يتحقق انصراف الجماهير عن تأييد إيران في وقت التهديد بالعدوان الأمريكي عليها، الذي تحتاج فيه طهران إلى مؤازرة الشارع العربي والإسلامي. ورغم أن أهم علماء أهل السنة، وفي المقدمة منهم الشيخ يوسف القرضاوي، ما برحوا يصرحون من فوق المنابر المختلفة بأن الجماهير العربية والإسلامية ينبغي أن تقف في صف إيران إذا ما تعرضت للعدوان، إلا أن هذه الدعوة لا تمحو بسهولة آثار الغضب الذي يستشعره أهل السنة إزاء ما يتعرض له إخوانهم في العراق.
خارج هذه الدائرة، يتعين أن يكون واضحاً للجميع أن الشيعة جزء من العالم الإسلامي (حوالي 15%)، وأنهم عاشوا طوال تاريخهم في كنف أهل السنة، وأية مشكلات حدثت بين الطرفين في الماضي لم تكن تختلف كثيرا عن المشكلات التي تحدث داخل الأسرة الواحدة. في حين ظل الأمل هو تعايش الجميع داخل النسيج المجتمعي الواحد، الذي اتخذ صورا عدة من قبيل التزاوج والتناسل واستمرار المودة التي عبرت عن نفسها من خلال التفاعل المشترك في مختلف المحافظات والمواقع وهو ما يسوغ لي أن أقول إن قدرنا أن نعيش معاً، فلماذا نحيل هذه الحياة جحيما، ولا نقيمها على أساس من المحبة والبر.
إذا قال قائل إن غضب أهل السنة هو رد فعل لممارسات الجماعات الشيعية، أو قال رموز الشيعة أن ما تفعله جماهيرهم هو رد فعل لما يعانونه من غلاة أهل السنة، فردي على ذلك أن عقلاء الجانبين يجب أن يتحركوا ويرفعوا أصواتهم، بحيث لا يتركون الفعل للغلاة، الأمر الذي يوقع الجماهير العادية في إطار رد الفعل، ولابد أن يقود العقلاء سواء كانوا مراجع او سياسيين حملة ما وصفته بترشيد الغضب، بحيث يظل في حدود العتب والاحتجاج على الممارسات، بما لا يوصل إلى الخصومة والقطيعة والاستسلام لفخاخ الفتنة.
إن الاعتراف بخطأ الذات ومصارحة الآخر بخطئه، من آيات الترشيد الذي أدعو إليه، ولا مفر في هذا الصدد من الإقرار بأن إدانة ممارسات الغلاة في جماعات أهل السنة كانت أعلى صوتا وأوسع نطاقا من الإدانات المفترضة التي كان يفترض صدورها من مراجع الشيعة في العراق وإيران.
من ناحية ثانية، فإن من الترشيد أن يوقف كل طرف استفزاز الآخر، ويحرص على الالتزام بحدود احترام مقدساته. ومن الحكمة أن توقف حملات الطعن في العقائد وان يكف المتحدثون عن استعادة صفحات التاريخ وانتقاء الروايات التي لا تخدم سوى الإثارة والتحريض والوقيعة، ذلك أن الطعن في العقائد لن يجدي، فلن يتحول بسبب منه الشيعي عن مذهبه أو السني عن معتقده، كذلك فإن استدعاء صفحات التاريخ لن يؤدي إلا إلى استعادة المرارات والإحن، ومن ثم إلى رفع معدل الإثارة وتعميق الضغينة.
أدري أننا مختلفون ليس فقط في قراءة التعاليم، ولكن أيضا في قراءة التاريخ، وهذا الخلاف بعضه ينبغي أن تطوى صفحته، وبعضه ينبغي ألا يشغل الرأي العام به، وإنما إذا كان لابد من مناقشته فالمتخصصون هم أولى الناس بذلك، بكلام آخر فإن مواضع الاتفاق وضرورة التعايش في ظل الاختلاف، هو ما ينبغي الالتزام به في الخطاب الموجه إلى الرأي العام، أما بحث مواضع الاختلاف فهو شأن أهل العلم الذين يعرفون أصول الحوار وشرائط المناظرة.
من استحقاقات الترشيد أيضاً إدراك أن الشيعة الإمامية ليسوا سواء، فهم في العراق مثلا غيرهم في لبنان، وموقفهم من الأميركيين خير شاهد على ذلك، بل إنهم ليسوا سواء أيضاً في البلد الواحد. ففي كل بلد هناك المعتدلون والمتطرفون، والملتزمون والمنفلتون، والعقلاء والسفهاء إلى غير ذلك من صنوف البشر الذين نعرفهم جيدا في مجتمعات أهل السنة، وان انفردت المجتمعات الشيعية بوضع آخر لا تعرفه المجتمعات السنية، يتمثل في وجود «مراجع» لهم تأثيرهم العميق في المجتمع، ويلزم المتدينون بتقليدهم، ونفوذ أولئك المراجع لا يقل أهمية عن نفوذ رجال السياسة والإدارة. وفي بعض الأحيان، فإنهم يتبنون مواقف مستقلة عن سياسة الدولة، ومن ثم تحسب تلك المواقف عليهم وليس على الدولة.
بسبب من ذلك، فان الحذر واجب من إطلاق النقد والاتهام بسبب الممارسات الحاصلة على عموم الشيعة، لأن التعميم قد يكون مجافيا للواقع، على نحو يأخذ العقلاء والمعتدلين بجريرة السفهاء والمتطرفين، وقد تحاسب الدولة على مواقف وأخطاء المراجع، الأمر الذي لا يتيح لنا أن نقرأ الواقع قراءة صحيحة، والخطأ في تلك القراءة يرتب خطأ آخر في النتائج المترتبة عليها، ويصب في مجرى الفتنة التي نحذر من الاستدراج إليها.
إنني اكرر نداء وجهته من قبل في هذا المكان، راجيا ألا نسلم الأمر للغلاة الذين هم رعاة الفتنة وسدنتها، وان تمد الجسور بين العقلاء كي يرفعوا أصواتهم بما يجنب الأمة الوقوع في مستنقع الفتنة، ولكي ينبهوا الرأي العام إلى الأعداء الحقيقيين الذين يتربصون بالأمة بكل أطيافها، وإذا كان على عقلاء الجانبين أن يتحملوا مسؤوليتهم في هذا الصدد، فإن السياسة الإيرانية تتحمل مسؤولية خاصة، لأنها بحكم الدستور دولة الشيعة الإمامية، فضلا عن أن نفوذها المعنوي عليهم لا ينبغي التقليل من شأنه، رغم الحرص الذي يبديه أغلب الشيعة العرب على الاحتفاظ بمسافة بينهم وبين السياسة الإيرانية، وتمسكهم بأن تكون علاقاتهم بإيران الدولة والمراجع في حدود الارتباط الروحي والمعنوي، مع علمنا أن بين هؤلاء الشيعة وطنيين وعروبيين لهم تحفظاتهم الكثيرة على السياسة الإيرانية.


منقووووووووووووووول