إن فصائل الجهاد بمختلف اتجاهاتها، الوطنية والإسلامية والقومية، قد تجاوزت مراحل النشوء والصيرورة، وتجذرت في أعمال الأرض العراقية كما تجذرت في ضمائر ونفوس العراقيين والعرب والمسلمين وكل القوى المحبة للسلام والعدل في المحيط الإنساني، وأورقت براعم خيرها، وهي لاشك تتمدد وتنمو، سواء في جذورها أو في أغصانها، وتلك والله نعمة من نعم الباري جلّ في عُلاه.
ولهذا أصبح تصويب التوجهات وتركيزها بالحدقات نحو الأهداف المركزية أمرا ملحا ومنطقيا لابد منه، وأن توحد كل فصائل الجهاد باتجاه تلك الأهداف هو مفتاح الحسم النهائي لمعركة التحرير، فكلما تأخر تحقيق هذا التوحد أمتدَّ عمر الإحتلال وأذنابه أياما إضافية أخرى، وأطال على شعب العراق معاناته وعذاباته.
اعتقد البعض أن فكر البعث علمانيا يقف على الحياد بين الإيمان والإلحاد، وتلك نظرة قاصرة تدل على جهل معتقديها، والأغراض المشبوهة لمروجيها، فكل نضال البعث منذ تأسيسه وحتى يومنا هذا، لا يوحي بذلك على الإطلاق، بل العكس من ذلك تماما، أما على صعيد الفكر:
1- بُني فكر البعث على نظرة عميقة وعلمية لواقع الأمة العربية، منطلقة من ينابيعها الصافية والأصيلة، فقد كان أساس فلسفة الحياة كما يفهمها الحزب مبنياً على أساس، أن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلّم كان كل العرب، فليكن كل العرب اليوم محمدا(ص)، فأي قيم عظيمة تحملها شخصية الرسول الكريم (ص)؟ وهو الينبوع الصافي النقي، الذي أراده الخالق سبحانه، قدوة ومنهج سلوك لكل الإنسانية الى يوم الدين، وبذلك كان البعث وسيبقى حصة ورصيد كل من يسعى للإقتداء بذلك النبع، ولم ولن يضيع في متاهات واجتهادات وخلافات الأخرين، فهو يسعى لتوحيد الأمة التي خصها الله تعالى وشرفها دون الأمم لحمل رسالة التوحيد، وجعل دستورها بلغتهم، وأنزل وحيه على أرضهم وعطّر به أجوائهم، وأقر للبشرية الكثير من تقاليد وعادات هذه الأمة، الأمة التي في قلبها جعل بيته الحرام، ومنها دحى الأرض بعد خلقها.

2- والأمة العربية في مفهوم البعث ليست شوفينية تعصبية عنصرية، بل هي أداة أرادها الخالق معلما ونموذجا للإنسانية جمعاء، وقد أثبتت كل مراحل التاريخ، أن العرب عندما أخضعوا نصف الكرة الأرضية لدولتهم لم يكونوا عنصريين، ولم يمسخوا من خصائص القوميات التي خضعت لدولتهم شيئاً سوى عناصر الشر والشرك، بل كانوا رسل خير وحبة وعدل وإنصاف، ونقلوا لتلك الأمم كل السبل والمقومات التي جعلت منها اليوم أمما متطورة مزدهرة، فأين وجه التناقض بين هذا المفهوم والإسلام؟ أليست الأمة العربية هي المادة التي روحها الإسلام؟

3- ومفهوم الوحدة لأمة العرب في فكر البعث هو استلهام لجوهر القيادة العظيمة للرسول الكريم (ص) الذي بنى أول لبنة في بناء الدولة بتوحيده العرب وجمعهم على كلمة سواء، كما فعل بالأوس والخزرج، وبوحدة العرب شعَّ نور الإسلام الى بقاع الأرض بكل جهاتها، ولولا ذلك الإنجاز العظيم لرسول الله (ص) لما حصل ذلك.

4- نزوع البعث نحو الينابيع أبعده عن الطابع الفئوي والطائفي، وهنا تكمن علمانية البعث، فهو ليس حصة لجزء منها، بل حصة الأمة بكاملها، بعمومياتها فهو مع الإيمان وضد الإلحاد، فلو نظرنا الى أحزاب دينية كثيرة في الوطن العربي، فسنجدها تمثل جزءا من كل، وبذلك لن تتمكن من أن تكون ممثلة لغير هذا الجزء الذي تتبنى منهجه، فكما لا يصح لمسؤول بخدمة عامة تتطلب اتخاذ قرارات أن يكون شيخ لقبيلة أو عشيرة، كذلك لن يكون بمقدور من يمثل جزءا من الأمة أن يمثلها كلها، والأمة لن تكون قادرة على أداء دورها المطلوب إن لم تكن موحدة.

5- فكر البعث يعالج هذا الموضوع بعلمية متميزة، فهو يغلّب عناصر التوحد على عناصر الفرقة والتناحر بين كل أطياف الأمة، مع ضمانة خصوصيات كل فريق دون المساس بالغير، وذلك ما جرى في العراق منذ ثورة تموز عام 1968 وحتى الغزو الصليبي والصهيوني الفارسي، فقد توحد شعب العراق على عناصر الخير فيه، فصارت قيم الإسلام العامة منهج يوحد الجميع، وتراجعت قيم الخلاف الى أبعد مدى بالرغم من الدسائس التي كانت تحاك، فليس صحيحا لمن يريد بناء مجد كبير لهذه الأمة أن يترك الإبحار في النهر الكبير الذي تتجمع فيه مياه كل الينابيع ويخوض في وحل السواقي، ولنا في هذا درس عظيم من دروس القرآن الكريم، على أن الآية التي سنوردها، نعتقدها قانون يسري حكمها الى يوم القيامة، وإن نزلت في حادثة محددة، أو أشخاص معينين، فأحكام القرآن الكريم قانون الحياة الى يوم القيامة، يقول الباري تعالى مخاطبا رسولة الكريم ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ).

6- مقاومة البعث جزء مهم وأساس في جهاد المؤمنين الباذلين الصابرين، وهذا الإسم كبير ويليق بفرسانه، فهم من جاهدوا ويجاهدون وسيستمر جاهدهم بإذنه تعالى من أجل بعث قيم وأمجاد أمة محمد (ص)، فأي تسمية أعزّ منها، أم أي قيّم ترقى لمصاف قيم سيد الخلق أجمعين؟
ولا يخلوا فصيل من فصائل الجهاد المبارك من هؤلاء، بل نحن لا نغالي لو قلنا إن كل فصائل الجهاد هي حصة البعث، فهم جميعا أبناء شعب خدمناه بحدقات أعيننا، وهيأنا له كل السبل والوسائل التي جعلت من أبنائه أسودا في صولات الجهاد، فما كان الذي نحن فيه سيكون لولا هداية الباري تعالى لأمير جهادنا الشهيد بإذنه تعالى صدام حسين، إلى خطر الريح الصفراء التي قدمت علينا من الشرق منذ عام 1979 ، ولولا قيادة البعث التي استشعرت بذلك الخطر الكبير على الأمة والإسلام على العكس من الآخرين، وتصديها للصفويين المجوس ببسالة وإيمان أبناء العراق، ودحرهم عام 1988 لما وجدنا اليوم من يشهر سلاحا بوجه المحتل الكافر، فهل كانوا سيبقون موحدا لله على أرض الرافدين؟ وأنتم والعالم أجمع يشهد اليوم على جرائمهم بحق العراقيين والعرب ممن يرفض موالات كفار الصليب وعبدة النار، فهل قدم أحد للإسلام خدمة عظيمة كهذه في عصرنا الحديث غير البعث وقيادته؟

7- أما من جاء بالغازي المحتل ليدنس أرضنا، فذلك لم يعد خافيا على ذي لب، فقد فضحت الأحداث وتداعياتها منذ دنست أقدام الغزاة أرض العراق وحتى يومنا هذا كل مستور، وقطعت لسان كل موتور، ووضعت أمام العيون كل منظور.

8- وأما كيف أُسرت بغداد في الوقت الذي كانت فيه أم قصر تقاوم، فذلك والله ما عاد خافياً على أحد، فالرجال والماجدات الذين قاتلوا دفاعا عن أم قصر هم أبناء العراق وليسوا من غيرهم، وهم الذين كنا نتوقع أن يقاتل كل أبناء العراق كقتالهم، ولكن ما حصل في بغداد، فتلك حكمة ربانية عظيمة، أُريد بها فضح النفاق وأهله، وأُريد بها كشف الذين كانت ألسنتهم تنطق بغير ما تخفي سرائرهم، والسعيد من اتعض بها، فكيف يُعزّ الباري منافقا يُقسم على الولاء وهو يسعى للخيانة والغدر؟ فها قد فُرقت الصفوف، وبانت معادن الرجال، وتميز الخبيث من الطيب، وهل نحن غافلون عن دروس معركة أُحد؟ فإن سالت منا دماء، فدماء المصطفى أطهر من كل دماء الكون، وإن أزهقت منا أرواح ومُثِلَ بأجساد فروح حمزة بن عبد المطلب أطهر من أرواحنا وجسده أطهر من أجسادنا، إنها حكمة الخالق الذي كشف ما تخفي الصدور فجعلنا فريقين، فريقٌ قال فيهم ( وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) وفريق قال فيهم وقوله الحق سبحانه ( لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ )، فهل بعد هذا نقول لِمَ حدث كلُ هذا؟ لقد كان هذا الفرز الرباني العظيم لتعجز عن تحقيقه كل قدرات البشر وفراسة الرجال، وهو فاتحة خير بإذنه تعالى لمن يتطلع لعواقب الأمور، فليس بعد أُحد إلا الفتح المبين، إن شاء الله.

9- وأما فيما يتعلق بالسلبيات والأخطاء، فتلك والله حقٌ على كل مؤمن، فليس العيب في أنك تُخطيء، فنحن بشر نصيب ونخطئ، ومن لا يخطئ فهو الذي لا يفعل شيء، فلِم التوبة والاستغفار وُجِدا؟
للمتابع، فقد شُخصت الأخطاء، وشُخص فاعليها، ليس اليوم بل في كل محطة مرت من عمر الثورة، فكم من وزير وقائد ومسئول حوسب وعوقب؟ من كان مواكبا للأحداث سيجد القائمة طويلة، والكل يعلم أن الرفيق الشهيد صدام حسين كان يقف عند ثلاث صفات، يمقتها ولا يدعها تمر دون حساب: الكذب، والتجاوز على المال العام، والخيانة، وتلك يعرفها القاصي والداني، وليذكر لي منصفا أن عراقيا تلقى من صدام حسين عقوبة ليست بسبب إحدى تلك الصفات الثلاث، ولنا في شخوص الخونة والمجرمين الذين باعوا شرفهم ودينهم (إن كان لهم دين) خير دليل ومثل، فمن هم اليوم عبيد الصليبيين والصهاينة والمجوس، إلا الذين كانوا يُظهرون الولاء والوفاء وصدق الانتماء تقية، وفي باطنهم كانوا يخربون كل ما يمكن تخريبه؟ أليسوا هم الذين كانوا يحولون كل القرارات التي تعزز حياة الشعب وتسهم في تقدمه إلى قرارات تثقل كاهله وتزيد من معاناته؟ أليسوا هم الذين كانوا يتحينون الفرص لإيذاء أبناء الشعب ليلصقوها بالقيادة؟ أليسوا هم الأداة التي كانت تخرب اقتصاد البلد؟ أليسوا هم الذين كانوا يرتكبون الجرائم بحق الشعب ويلصقوها بالبعثيين؟
نعم لقد ترهل جسد البعث، بعدما تسللت إليه تلك العناصر السيئة، ولم يكن الفرز سهلا ولا ممكنا، خاصة وأن هؤلاء كانوا متحصنين بخبرات مخابراتية، سواء كانت صهيونية أو فارسية وكلها سواء.
لقد كان عمر الثورة خمس وثلاثون عاما، وعمر التأمر كان كذلك خمسا وثلاثين عاما، فلم تُمهل القيادة يوما واحدا لكي تُراجع بدقة متناهية، فتقتص من كل المتآمرين، مع إن الفرز كان صعبا لشراذم قانونها في الحياة هو ( التقية ثم التقية ثم التقية ).

10- فأما عن المستقبل، فإن البعث ورجاله بعد أن تخلصوا بفضل الله تعالى من كل الأدران والعوالق، هم بناة العراق وعنوان مجده وعزه، وهم خدم الشعب الذين حملوا شعبهم على أكتافهم بلا منة، ولم يحملوا على تلك الأكتاف أجنبيا، وهم الذين أثبتوا صدق مبادئهم، وسلامة نهجهم، وأصالة فكرهم، فهل يغفل العراقيون الأصلاء اليوم وبعد كل الذي جرى، عن حقيقة أعدائه ومن كانوا يتربصون به وبهم بعدما ذاقوا منهم الذي يتجرعونه؟ أم هل يتيه شعب العراق ولا يسترشد للذين كانوا يقدمون له لقمة عيشٍ ملؤها الكرامة والعز؟ أم من ينسى الذين كانوا يسهرون لياليهم بحرها وزمهريرها والناس أمنون نيامٌ مشرعة أبواب دورهم؟ هؤلاء هم جوهر البعث أما الزبد فقد ذهب جفاء بفضل الله وقدرته، وكل مجاهدي العراق والذائدين عن حماه هم فخر البعث وإن لم يكونوا في صفوفه، وهم جميعا عناوين مستقبل العراق المحرر.

وله الحمد في الأولى والآخرة أن أخزى عبيد الدينار والدولار، وقذف بشراذمهم إلى جمع الكفر والنار، وقسم لهم الخزي والعار والشنار، فأخزاهم في الدنيا قبل الآخرة، وكشف وجوههم مسفرة بلا أقنعة تقيتهم.
وله الحمد كل الحمد،أن أخرس ألسنة المشككين والضانين ضن السوء، عندما جعل عبده صدام حسين يفضح باستشهاده كل المنافقين أعداء العروبة والإسلام وهم يدَّعون زورا وبهتانا أنهم مسلمين، ويتاجرون بحب آل بيت رسولة الأطهار وهم خاذليهم وقاتليهم.
وله الحمد الشكر أن جعل عبده صدام حسين باستشهاده عنوان إيمان وثبات، أقدم على الموت إقدام المؤمنين الصابرين المحتسبين.
فمن غيره أقدم على الموت باسماً؟
وهل أقدم هذا الإقدام لولا إرادة الخالق سبحانه الذي يُعزُّ من يشاء ويذلُّ من يشاء.
وهل يشك أحد بميزان الكون ينطلق من قلبه ولسانه فصيحا جلياً مجلجلا " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله" يستودع حلما ما فارقه يوما في الصلاة بالقدس الشريف محررا.
اللهم أعزَّ الجهاد والمجاهدين، ووحد صفهم، وسدد رميهم، ونق سرائرهم من الغيض والأحقاد، وارحم شهداءنا وأرهم منازلهم في جنة الفردوس.
اللهم اخذل أعدائهم وأزرع في قلوبهم الرعب والهزيمة، اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا فهم لا يعجزونك.
شبكة البصرة
الاحد 25 ذو الحجة 1427 / 14 كانون الثاني 2007
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
http://www.albasrah.net/ar_articles_...did_140107.htm