بقلم خالد حسن

لم يشكل الدعم الذي انتزعته رايس من الخليج ومصر والأردن لإستراتيجية بوش الجديدة في العراق، مفاجأة، فالنظم العربية المسماة "المعتدلة"، نجحت في تسويق صفقة "دعم مقابل حماية الكراسي"، وتمكنت من "مساومة" واشنطن وإغرائها بالخدمات، على أن تتنكر للإصلاحات وتلتزم بالاستقرار الضامن لـ"اعتدال" النظم.


العجيب في هذه الموافقة الجماعية على إستراتيجية بوش الأخيرة في العراق، أن هذا المعتوه المضطرب نفسيا، لا يحظى داخل بلده إلا بمساندة عصابة من المغامرين وغلاة المتطرفين اليمينيين وزوجته لورا وكلبه بارني.


فزوجته تسنده، شفقة عليه، لأنه معزول، ولا تريد أن تتركه وحيدا، لأنه أحمق وقليل الذكاء ويخونه التعبير وتلميحات وجهه، وأما كلبه "بارني"، يفعل هذا ربما طمعا في وراثة عقله وماله!


ورايس حشدت المعتدلين العرب وشهرت في وجوههم سيف إيران "الدموي" والنووي، وما لم يتم "إنقاذ" إدارة بوش من المستنقع العراقي، فستلتهمها طهران كما بلعت جنوب العراق وسيتخطفها "الإرهاب الإسلامي" كما خطف ديالا والأنبار، وهكذا التلويح بـ"خطر الداخل" كفيل بضمان مزيد من "الولاء"، خاصة وأن الحساسية من كل ما هو "إسلامي" ـ حتى وإن كان دعيا أو مجرد لبوس! ـ بلغت مداها في السنوات الأخيرة.


موقف "المعتدلين" العرب، من إستراتيجية بوش، ينم عن ذكاء حسب بعض الكتاب، رغم أن معديها من عتاة اليمينيين والمحافظين الجدد الأكثر تطرفا، لكنه مادام تطرفا "أمريكيا"، فيمكن تفهمه، المهم أن لا يكون تطرفا "إسلاميا" أو "متأسلما".


وأشفق على كتاب عرب بارزين، من أمثال جهاد الخازن، يتأولون مواقف "المعتدلين" ويحملونها على أحسن محمل، لكن القادة في كثير من الأحيان يحرجون ويربكون حتى من يبرر لهم، بصمت مريب أو توجه مشبوه أو مساومات ومقايضات مخلة بالسيادة والكرامة.


وفي عموده "عيون وآذان" لعدد اليوم في صحيفة الحياة اللندنية، علق الخازن قائلا: "أعتقد بأن القيادات العربية في مصر والمملكة العربية السعودية والأردن، أذكى ألف مرة من جورج بوش، وقرارها بيدها.."، ولا أدري أين الذكاء وأين القرار في دعم إستراتيجية بوش الجديدة، التي لم يسانده فيها إلا الثنائي لورا وبارني؟!


وأكتفي برد أحد الصحافيين العرب على ذكاء القادة "المعتدلين": "ألم يشعر القادة العرب بالعار، وهم يرون ديكتاتورا مسيحيا يجتاح بلدا عربيا مسلما ويحتله؟"، يقصد احتلال إثيوبيا للصومال.


ويتابع بالقول: (نتابع الصحافة العربية وتصريحات المسئولين العرب، فلا نكاد نجد أثرا لإحساس بأن شيئا مهما ذا بال حدث أصلا، لا نكاد نجد أثرا لإحساس بأي خطر حالي أو قادم. نقرأ مثلا مقالا كتبه سالم لون، الذي كان متحدثا باسم الأمم المتحدة في العراق في عام 2003م نشرته الـ"جارديان" البريطانية بدأه بالقول: "دون أن ترتدع بالفظائع والكوارث في العراق وأفغانستان ولبنان، قامت إدارة بوش بفتح جبهة عسكرية جديدة في العالم الإسلامي. فبدعم أمريكي، قامت القوات الإثيوبية بغزو الصومال في حرب عدوانية لا شرعية لها لإسقاط الإسلاميين الذين يحظون بشعبية واسعة".


ونقرأ مثلا حتى في صحيفة أمريكية مثل "يو اس توداي" تحليلا بدأ بالقول: "قامت الولايات المتحدة بدفع سيل من الأسلحة والمستشارين العسكريين إلى إثيوبيا، الدولة المسيحية المحاطة بدول إسلامية، والتي فتح غزوها للصومال جبهة جديدة في حرب إدارة بوش على الإرهاب".


ونقرأ مثلا، في صحيفة "برافدا" السوفيتية تحليلا مطولا جدا بتاريخ 11 يناير، يعرض لكل أوجه وأبعاد غزو الصومال في إطار كونه جبهة جديدة في الحرب على العالم العربي والإسلامي ويحلل نتائجه وتبعاته. نقرأ كل هذا، وغيره كثير جدا في صحافة العالم.


أما في العالم العربي، على الصعيدين الرسمي والإعلامي، وباستثناءات محدودة جدا، فإن السكينة والهدوء هي سيدة الموقف.. لا إحساس ولا إدراك لخطر. ومن ثم، فلا موقف ولا إدانة ولا أي تحرك عملي بالطبع).


ولعل ذكاء العرب، الذي يسوق له الخازن، يتمثل في مقدرتهم الخارقة على شراء الحماية، ممن هم أذكى منه، والأمن من مكره، وأكيد أنهم تابعوا ما فُعل بالصومال، ـ لنخرج قليلا من دائرة العراق وفلسطين ـ والذي أدرجه بوش ضمنا في إطار إستراتيجيته الجديدة، وكيف أن واشنطن أوعزت إلى أحد حلفائها، من بين الحكام الأكثر استبدادا ودموية في إفريقيا، ليقدم لها خدمة تضمن بقاءه في الحكم وتحقق له بعض المكاسب والمصالح، ويعلق الكاتب على هذا قائلا: (لنلاحظ أن أمريكا التي صدعت رؤوس العالم بحديثها عن الديمقراطية إلى حد القرف، لجأت إلى حاكم ديكتاتور قمعي كي يشن الغزو والاحتلال بالنيابة عنها ومشاركتها. ديكتاتور بشع ما كان له أن يبقى في السلطة لولا الدعم الأمريكي له في مواجهة شعبه. "كريس البين" باحث مختص في الشئون الإفريقية في منظمة "هيومان رايتس ووتش"، قال لصحيفة "يو اس توداي": "الغزو موضع جدل وخلاف في إثيوبيا نفسها، إذ تعتبر حكومة زيناوي حكومة قمعية قمعت المعارضة في البرلمان واعتقلت الآلاف، وقامت قوات الحكومة وبوحشية شديدة بقمع الاحتجاجات التي اندلعت عقب تزوير الانتخابات في عام 2005م").


ويشرح الكاتب خطة الإطاحة بالمحاكم الإسلامية، قائلا: (وحين فشل الرهان على أمراء الحرب، وأحكمت المحاكم الإسلامية سيطرتها، انتقل المخطط الأمريكي إلى مرحلة أخرى. أجرت المخابرات الأمريكية، السي اي ايه، لقاءات مع أباطرة شركات خاصة لها مصالح في المنطقة محورها تغيير الأوضاع في الصومال ومناقشة العمليات العسكرية، والترتيب للغزو الإثيوبي.


صحيفتا "اوبزرفر" و"افريكا كونفيدنشيال" نشرتا تقارير عن هذه اللقاءات، وخصوصا مع أباطرة شركات، مثل "سيليكت ارمور" و"اي تي اس وورلد داير" و"سبيشال اسوشيتد سرفيس".


أما المرحلة الأخيرة في الترتيب الأمريكي للغزو، فقد ناقشها الجنرال جون ابوزيد القائد السابق للقيادة الأمريكية الوسطى في زيارة سرية قام بها لإثيوبيا، والتقى خلالها مع ميليس زيناوي. في هذا اللقاء تم الاتفاق على كل تفاصيل الغزو الإثيوبي. وبحسب ما نشرته الـ"نيويورك تايمز"، فقد أكد زيناوي للجنرال ابوزيد أن إثيوبيا قادرة على احتلال الصومال وهزيمة المحاكم خلال أسبوع أو أسبوعين)!


نعم أستاذ جهاد القادة المعتدلون العرب أذكياء، في لعب دور حاكم إثيوبيا، بشكل أو بآخر، وفي التواطؤ مع من هم أذكى منه لقمع قوى النهوض أمثال المحاكم، ولا بارك الله في هذا الذكاء!