الرياض/ الاحد 13 رجب 1422 - Sunday 30 September 2001

أبولودور الدمشقي اسطورة معمارية يقلب بأفكاره المفاهيم التخطيطية
يكتب موتيمور ويللر wheeler في عام 1965عن أبولودور الدمشقي فيقول "إن أبولودور الدمشقي الذي يرافق اسمه أعظم المنجزات المعمارية في عهد الإمبراطور تراجان يظل لغزاً من الألغاز".

تناولت بحوث غربية عديدة أبولودور الدمشقي بشكل غير موضوعي محاولة طمس هويته الشرقية وعروبته. كان هذا منذ زمن إلا أن بحثا دقيقاً ومعمقاً، جديداً من نوعه بالأسلوب عن أعمال هذا المعمار المبدع استطاع أن يكشف عن نتائج جديدة هي الأولى من نوعها في مضمار الموضوع حيث برهنت بدقة علمية وموضوعية على أن الأصول الفكرية والجذور التاريخية للمهندس المعمار أبولودور الدمشقي هي شرقية عربية: لقد استخدم الكثير من العناصر المعمارية السورية في مخططه العمراني لمركز روما القديم وفي بناء عمارته وطرازها وفي أسلوبها الزخرفي.

عمل هذا المعمار في مطلع القرن الثاني الميلادي في روما مشيداً العديد من أعظم مبانيها وكان أهمها مجمع الامبراطور تراجان، حيث كان آخر أعظم بناء لفوروم امبراطوري، يحمل عبق تأثيرات عمارة الشرق فيه. لدى دراسة الميزات والصفات المعمارية لهذا المجمع الذي بناه أبولودور الدمشقي في روما ومقارنته مع نماذج معمارية شرقية معاصرة أو سابقة له تتضح العلاقة المتبادلة بين الشرق والغرب، ويسلط الضوء على شخصية مصممه.

يعد فوروم تراجان تنظيماً عمرانياً ومعمارياً في عهد الامبراطور تراجان وقد تم بناؤه في 15كانون الثاني لعام 112ب.م. وهو آخر فوروم امبراطوري من حيث الترتيب بني بعد أربعة من منشآت الفوروم الامبراطورية وكان أكبرها حيث بلغت مساحته أربعة أضعاف فوروم أوغسطس ويتألف من: أسواق تراجان ـ بازيليكا أولبيا ـ ساحة الفوروم ـ المكتبتان ـ عمود تراجان. بقي من هذا التجمع العمراني حتى يومنا هذا العمود التراجاني وأجزاء كبيرة من أسواق تراجان أما الفوروم فلم يبق منه سوى الرواق الشرقي لساحته وأجزاء من بازيليكا أولبيا والمكتبة الواقعة في الجهة الغربية وبالطبع آلاف القطع الرخامية من تيجان وعتبات وأفاريز.. الخ محفوظة في المستودعات المحلقة بالفوروم.

أراد أبولودور الدمشقي لهذا التجمع العمراني أن يكون من الناحية التخطيطية مثلا لحل تخطيطي فريد لإعادة تنظيم مركز مدينة روما القديم (كان عدد سكان روما آنذاك ينوف عن مليون نسمة) وذلك بخلق محور يضمن الاستمرارية العمرانية بين ما هو قديم وما هو جديد، رابطا المركز الجديد الذي يحتوي على الوظائف التجارية والإدارية والدينية وفعاليات الحياة اليومية بالمناطق المجاورة المحيطة، ومحققا ذلك بزلق المركز نحو الجهة الشمالية مبتعدا عن المركز القديم (الفوروم الجمهوري)، مما كون عقدة حيوية جديدة أكثر اتساعاً وتقديما ليصبح هذا المركز مفصلا يضمن الانتقال من جهة إلى أخرى والاتصال بين كافة المناطق المعنية بما فيها منشآت الفوروم السابقة: تأخذ الفكرة التخطيطية مبدأ السور ذي الرواق الذي يعزل النواة المركزية المخصصة للوظيفة الرئيسية وهي هنا الفعاليات الإدارية، وتخلق فراغات محيطية تساعد على الاتصال المباشر بالفعاليات التجارية والنشاطات اليومية.

لقد قلب أبولودور الدمشقي بفكرته المفاهيم التخطيطية في زمنه وخرج عن ما هو مألوف من عشوائية الربط، وكذلك عشوائية العلاقات بين مناطق المدينة المختلفة. نجد لهذه الفكرة التخطيطية التي استعملها أبولودور الدمشقي في روما أصلا أكثر بساطة حيث موقع الجامع الأموي في دمشق.

تتمتع تيجان الأعمدة الكورنثية في فوروم تراجان بصفة مميزة تتمثل بتساوي ارتفاع رؤوس ورقات الآكانث للصف الثاني مع الكُأيس، بدراسة 200أنموذج لتيجان أعمدة تعود لأبنية مختلفة في روما والمقاطعات نلاحظ أن مجملها لا يحمل الصفة نفسها في مبنى أبولودور فورقات الآكانث لهذه الأخيرة تتجاوز بالارتفاع الكُأيس بشكل دائم في حالات نادرة دونه ارتفاعا. أغلب التيجان الكورنثية المتواجدة في جنوب سورية تحمل الخاصية التي ميزت التيجان التراجانية (اختيار الأمثلة من جنوب بلاد الشام يعود لوضع المنطقة السياسي والثقافي آنذاك حيث كانت خارج التأثير الروماني).

إن وحدة القياس والأشكال الهندسية والأعداد والنسب التي حكمت تصاميم مبنى أبولودور تخرج أيضاً عن ما هو مألوف لدى الرومان، فلا نجد كما هو متوقع استخداما لوحدة القياس الدراجة آنذاك وهي القدم بل منظومة هندسية رياضية يحكمها موديول يبلغ 19.0cm وهو ارتفاع الدرجة داخل عمود تراجان (نجد ذلك في مباني تدمر) إن كافة الأبعاد الجزئية والكلية للمبنى لا تعطي بالقسمة على وحدة القياس عدداً تاماً أو مدورا، بينما ولدى تقسيمها على قيمة الموديل تعطي دوما أرقاما تامة، إن هذه النتيجة تنطبق على أبعاد الارتفاع والمقاطع العرضية والطولية وكافة القياسات الممكن استخراجها. لم تتوقف براعة المصمم عند النتائج السابقة فحسب بل تخطتها لتتجلى بالعلاقة التي أوجدها بين الموديل ووحدة القياس وهي m=9/14p، والتي سهلت حتما أعمال التنفيذ والبناء.

لم يتخل أبولودور عن طريقته في الخروج عن المألوف فبينما يتحدث فيتروفيوس وهو مؤلف الكتب الأربعة الأولى في العمارة فيها عن الأعداد التامة والعدد الأتم: فالأعداد التامة هي 6و 10والعدد الأتم 16الذي هو مجموع العددين التامين نرى أبولودور يستعمل العدد 7و 10بشكل أساسي في تكوين الأبعاد والنسب والأهم أيضاً العدد 17مجموع العددين 10و 7.من كل ما تقدم نجد أن طريقة العمل والمعيار الذي نفذ المعمار بموجبهما تصاميمه مختلفة وجديدة نسبة للمألوف في روما آنذاك.

تحمل واجهة أسواق تراجان عناصر زخرفية (مثلثات، أنصاف مثلثات، قطوع دائرية). مماثلة لتلك التي نراها في مدينة البتراء والتي انتشرت على واجهات المدافن فيها.

إن تشابه الأسلوبين المتبعين لتصميم المباني في روما والمشرق (بلاد الشام والبتراء ومدائن صالح...) تؤكد على هوية أبولودور الدمشقي وجذوره من خلال أسلوبه المعماري ومن خلال التجديد في أعماله وليس لاسمه فحسب فقد اقتبس بعض خواص وعناصر ومفاهيم العمارة الشرقية مدخلا بعضها في أعماله بانسجام واتساق. فتمرسه في مدارس العمارة النشيطة التي كانت ما تزال آنذاك فعالة ومحافظة على هويتها في جنوب بلاد الشام حتى عام 106ب.م. السنة التي أنشئت فيه المقاطعة العربية وأخضعت لسيطرة روما، نفس الفترة (104ـ 127ب.م) التي كان يعمل أبولودور خلالها في روما.

حكم على أبولودور المعماري الرائد بالإعدام من قبل الإمبراطور أدريانوس الذي كان مهندسا معمارياً محباً للكلاسيكية الإغريقية فلم ترق له عبقرية أبولودور الشرقي الذي كان عائقاً أمام عودتها.