[center]التقدم عملية متكاملة. ومما يعنيه تكامل العملية أنه لا يمكن أن تحدث فى مجال وهى غائبة فى المجالات الأخرى ذات الصلة. فالتقدم الزراعى لا يحقق دون التقدم الصناعي، والتقدم الصناعى لا يحقق دون التقدم الإقتصادي، والتقدم الإقتصادى لا يحقق إلا بعقلية متقدمة، والتقدم العقلى لا يحقق إلا بتطبيق نظام تعليمى وتثقيفى متقدم، وهذا النظام لا يحقق إلا بالإدارة المتقدمة. ووجوه التقدم هذه - التى تنطوى على التطور - لا تحقق إلا بإتاحة الفرصة للإبداع الفكرى الذى هو عملية عقلية نفسية خلاقة.

والإبداع الفكرى لا يحقق دون الحرية الفكرية والعاطفية والنفسية والسياسية. وأظن أن من اللازم فى هذا الصدد توضيح مفهوم السياسة. السياسة هى الفن أو العلم الذى يعنى بتحقيق القدرة على ممارسة التأثير ابتغاء تحقيق غرض معين أو أغراض معينة. وبهذا التعريف يمكن للنشاطات السياسية أن يقوم بها مختلف الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية.

ويقوم تفاعل مستمر فيما بين هذه المجالات الكثيرة. ولعوامل داخلية وخارجية صغيرة أو كبيرة أثرها أيضا فى هذا التفاعل، وبالتالى فى عملية التقدم المتكاملة. على سبيل المثال، أحد العوامل الكبيرة والخارجية فى منع تحقيق التقدم العربى كان منع دول أوروبية لمحمد على والى مصر من إقامة دولة عربية قوية وكبيرة تضم أراضى عربية فى جنوب غربى آسيا. نقول ذلك منطلقين من الإفتراض - لأسباب تضيق رقعة هذا المقال عن تفصيلها - بأن إقامة دولة كهذه كان سيكون من شأنها أن تؤدى الى الإسراع بتحقيق التقدم.

ولا يمكن لأى شعب أن يكون مبدعا ما دام مستهلكا وناقلا: مستهلكا وناقلا لما أنتجه آخرون وينتجونه. وذلك لأنه لا إبداع فى النقل، إذ لا إضافة فى ما هو منقول. المنقول كائن وبالتالى حقق إبداعه. عملية الإبداع بالنسبة الى المنقول تمت بإخراج ما كان ممكنا الى حيز الوجود والحضور والتحقيق. والإبداع يتجاوز ما هو موجود.

بالإبداع يحقق ما هو ممكن. والإكتفاء بنماذج فكرية قائمة لا ينطوى على الإبداع، لأن إمكانات الفكر البشرى أوسع من النماذج المكتشفة المعروفة. عن طريق الإبداع يمكن تحقيق الإمكانات الفكرية ومعرفة نماذج فكرية غير معروفة.

وفى مجتمعنا العربى توجد نماذج فكرية طيبة مفيدة لنا ونماذج فكرية سيئة مضرة بنا. والعصر الذى نعيش فيه يفرض علينا تحديات حياتية ويفرض علينا ضرورة التصدى لهذه التحديات من أجل المحافظة على أنفسنا. ولا يمكن التصدى لهذه التحديات ومراعاة ضرورة هذا التصدى إلا عن طريق الإبداع الفكري.

والقائلون بعدم وجود الحاجة الى الإبداع لحل مشاكلنا الإجتماعية والفكرية والإقتصادية والنفسية والثقافية قد لا يدركون طبيعة وحجم المشاكل التى تواجه الشعوب العربية وطبيعة ظروف العصر الحاضر التى تتسم بالمنافسة القوية والتى يسهم فيها العلم والتكنولوجيا إسهاما كبيرا فى تقرير مصائر الشعوب، وقد لا يتوفر لديهم قدر كاف من التقدير لأهمية الإبداع فى ضمان المصالح الوجودية للشعوب العربية. لكل عصر ولكل مجتمع ظروفهما ومتطلباتهما الحياتية الخاصة بهما. والتطبيق الكامل لأنساق فكرية قائمة، بدون تكييف تلك الأنساق، على مجتمع آخر فى عصر آخر نشاط يدل على جهل بضرورة مراعاة متطلبات ذلك المجتمع فى ذلك العصر، وهى المتطلبات التى توجدها ظروف المجتمع.

إن بعض المنطلقات الفكرية التى كانت ملائمة للحاجات العربية فى أزمنة غابرة لم تعد يقينا ملائمة لبعض حاجاتنا فى العصر الحاضر الذى تختلف ظروفنا الحياتية فيه عن ظروفنا فى الأزمنة الغابرة. وعن طريق الإبداع الفكرى يمكننا أن نعرف معالجة مثل هذه الحالات، وهى المعالجة التى تنطوى على محاولة معرفة المواقف ووجوه السلوك التى ينبغى لنا أن نتخلى عنها والمواقف ووجوه السلوك التى ينبغى لنا أن نتبناها فى إطار مصالحنا وقيمنا ورؤانا المشتركة.

وتؤثر الأجزاء المبدعة من البشرية تأثيرا أكيدا وحتميا فى الأجزاء غير المبدعة المتلقية وليست المعطية. والأجزاء غير المبدعة تؤدى دورا سلبيا على المسرح الدولي. والذين يناصبون الإبداع العداء شأنهم شأن الذين يريدون أن نبقى ضعفاء لا حول لنا ولا قوة، لا وزن لنا على الساحة الدولية.

وبالنظر الى أنه لا يمكن التصدى للتحديات إلا عن طريق الإبداع الفكرى فإن عدم تحقيق الإبداع يعنى بقاء التحديات الحياتية. وبالتالى مما تقتضيه المصلحة العربية المعنية بتأمين البقاء العربى أن تتاح فرصة تحقيق الإبداع الفكري.

والطاقة على الإبداع متوفرة لدى العرب. لديهم الإمكان الكامن للإبتكار. وحتى يتحقق هذا الإمكان يجب أن تتوفر الظروف الإجتماعية والثقافية والنفسية المؤاتية لتحقيق هذا الإمكان. ومن هذه الظروف التمتع بالحرية الإجتماعية والفكرية والنفسية والعاطفية بدون المساس يقينا بحريات الآخرين وبالصالح العام، والتحرر من الخوف من نتائج الإعراب عن الرأي، وإقامة العدالة والنهوض بمفهومى المجتمع المدنى والمواطنة.

وتتمتع السلطة الحكومية فى كل بلد بقدر لا يستهان به من التأثير فى شتى المجالات. ولكن الواقع أن ذلك القدر أكبر بكثير فى البلدان النامية منه فى البلدان التقدمة النمو. فى البلدان المتقدمة النمو للمجتمع المدنى دور وتأثير أكبر مما للمجتمع المدنى فى البلدان النامية. فى حالات كثيرة يكاد المجتمع المدنى أن يكون منعدما أو يكاد تأثير ذلك المجتمع لا يستحق الذكر فى كثير من البلدان النامية.

وفى العالم لا توجد بيئة اجتماعية وثقافية وسياسية ونفسية مؤاتية تماما لتحويل الإمكان الى حقيقة. ولكن البيئات يختلف بعضها عن بعض فى مدى هذه المؤاتاة. ويبدو ان الدول المتقدمة النمو فى الوقت الحاضر أكثر مؤاتاة من أماكن أخرى لتحقيق إمكان الإبداع هذا. ومرد ذلك شيوع قدر أكبر من الحرية الفكرية والنفسية والعاطفية والإجتماعية، ومراعاة أكبر للحدود بين السلطة الحكومية والمجتمع المدني.

فى حالة وجود هذا المناخ تخف شدة قيود الخوف والتردد المفروضة على الدماغ والعقل كليهما، فينشط فيهما النشاط الفكرى والنفسى والعاطفي، بقيود أقل على هذا النشاط، فيؤدى هذا النشاط الى ولوج عوالم فكرية وعاطفية ونفسية وفنية جديدة. وما كان لذلك الإنسان أن يدخل بفكره ونفسه وعاطفته تلك العوالم لولا النشاط الفكرى العاطفى النفسى المحرر من الخوف والقيد.

ولعل الدليل على أن تفتق الإبداع لا يتحقق إلا بتوفر الظروف الإجتماعية النفسية المؤاتية لذلك هو تحقيق عدد لا يستهان به من الأشخاص المتحدرين من أصل عربى فى الغرب لإنجازات هامة فى مجالات العلوم الطبيعية والإجتماعية والإنسانية وفى حقل الإنتاج النثرى والشعرى والفن والإدارة والمال فى شتى مراكز ومعاهد البحوث والجامعات فى القطاعين الخاص والعام. ومن الأسئلة الهامة التى تلح على الخاطر السؤال: هل كان يمكن لأولئكم العلماء والأدباء المتفوقين أن يحققوا تلك المنجزات وذلك التفوق فى مناخ اجتماعى وسياسى ونفسى آخر، مناخ يفتقر الى القدر الأدنى من الحرية والديمقراطية والى الحس بالتمتع بالحرية؟ على ضوء ما ذكر لا بد من أن يكون الجواب معروفا.

ولعل الدليل أيضا على أن تفتق الإبداع لا يتحقق إلا بتوفر الظروف الإجتماعية النفسية المؤاتية لذلك التحقق نبوغ الآلاف من العلماء والفلاسفة فى العلوم الطبيعية والإجتماعية والإنسانية والفنانين والناثرين والشعراء فى البلدان العربية والإسلامية فى العصور الوسطى، وخصوصا فى زمن الدولة العباسية والدولة الفاطمية والدول فى الأندلس.

وإذا ألقينا نظرة على الوطن العربى لوجدنا أن الآلاف من العلماء والأدباء والمفكرين العرب قد نشأوا وأن لهم إنتاجاتهم التى تضاهى انتاجات على المستوى الدولى فى ميادين الفكر والأدب والفن.

م
ن
ق
و
ل
Center]