يبلغ المواطن حسن بن محمد بن نورة عسيري من العمر قرابة المئة وثلاثين عاما، اشتد بياض رأسه بفعل الشيخوخة، وفقد سمعه تماما قبل سنوات، ولكن أسرته فوجئت بعودة السواد إلى شعره يوما بعد يوم، وكذلك عودة سمعه كاملا، عسيري أحد سكان قرية المقضى في السودة، وهو أحد المعمرين بالمنطقة، تذهب به الذاكرة، وتعود تارة أخرى، ولكن ذاكرته لا تزال قوية.
عن قصة عودة السواد إلى شعره واسترجاعه للسمع يقول عسيري "عاد السواد إلى رأسي، ولكنه لن يعيد العمر أبداً، أما السمع فقد فقدته تماما منذ سنوات، وكانت لغة الإشارة هي البديل للتفاهم بيني وبين أهل بيتي، ولكن شاءت الإرادة الإلهية أن استيقظت ذات يوم على سماع أذان الفجر، ولم أصدق ذلك، وعندما صليت عدت إلى فراشي، واعتقدت أنها قد تكون أضغاث أحلام، ولكن الأمر تأكد عندما سمعت أصوات الصغار، وهم يستعدون للذهاب إلى المدارس، والحمد لله الذي يأخذ ويعطي وله الحكمة".
وعن الأتراك قال "كان الأتراك يقيمون في السودة، وكان لهم مركز، مازلت أتذكر حتى موقعه، وكنت أذهب إليهم بالحطب، وتكون مكافأتي قليلاً من الأكل الذي لا نجده أبدا، فقد كان اعتمادنا على أكل الأشجار وشرب الماء فقط، وقد عشنا سنين طويلة لا نجد العشاء في بعض الليالي، وإن وجدناه اليوم لا نجده غدا، ولم يكن الفطور والغداء ضمن الوجبات اليومية، بل كان ما يسمى بـ "القراعة"، وهو الإفطار، أما العشاء فيكون بعد صلاة المغرب مباشرة، ولا تجد بعد ذلك أحدا، فالجميع ينامون"، مشيرا إلى أن منطقة "السودة" كانت في الماضي مليئة بالوحوش، وكان الأتراك يخافونها، وكثيرا ما كان يجد الحيوانات، وخاصة ما يسمى بالجعر مقتولة بأعداد كبيرة.
وعن مشاركاته في الغزوات المختلفة قال عسيري "شاركت في العديد من الغزوات والتي تسمى بـ "الشوكة"، وشاركت في غزوة الحديدة بقيادة الشويعر، ومن المواقف التي أتذكرها أننا حاصرنا ذات مرة إحدى القلاع التي يوجد بها أسرى لأكثر من شهر، ولكن دون جدوى، وعندما وصل خبر بأن الأمير فيصل في الطريق وتأكد الأمر، وعندما وصل فوجئنا بأن كل من في حراسة القلعة قد هربوا بمجرد وصوله".
وأضاف "كنت أعمل في العسكرية، وقابلت الأمير فيصل شخصيا، وسلمت عليه، كان طويلاً وذكياً ووسيما، وكان يضع نفسه في الصفوف الأولى في المعارك، وكان يتمتع بالشجاعة وقوة القيادة، وكان رحمه الله يوصينا بالصغار والنساء وكبار السن خيرا، وأذكر أن أحد الأفراد استحقر ذات مرة امرأة، وسمع الأمير فيصل بذلك، فقال له "لست منا"، فقد كانت معاملته مع الجميع طيبة".
وتابع عسيري قائلا: "وبعد ذلك صدر أمر بانتقالنا للعمل إلى ميناء جدة، ولم نكن نجد ما يكفي عيشنا، وعند وصولنا إلى جدة وجدنا أنعاما وخيرات، وكانت من الأمور التي لم نشاهدها في حياتنا، وسولت لنا أنفسنا أمرا، فقمنا بسرقة بعض الخيرات، وقمنا بتوزيعها بيننا، وفي اليوم التالي صدر أمر الملك عبد العزيز بفصلنا وإيقافنا من الخدمة العسكرية، ووقعنا بذلك في مأزق، فلو عدنا إلى أهالينا لوجدنا الذبح مصيرنا، لأن الهارب من العسكرية جبان، ولا يعتمد عليه، وينظر له بين الناس باحتقار واستخفاف، وعندما ضاقت بنا الأمور جمعنا الملك فيصل ووجهنا إلى الطائف للقاء الملك عبد العزيز، وشفع لنا بين يديه، ثم تكلم الملك عبدالعزيز قائلا "أنا أحبكم، ولكن لا أحب ما فعلتم، لقد أخذتم أموال التجار، وهذا ليس طبعكم"، وعفا رحمه الله عنا ثم أكرمنا".
ويشير عسيري إلى أن الملك عبدالعزيز رحمه الله كان يقيم في منى كل عام مخيما لإطعام الحجاج، وكان يشرف على ذلك بنفسه ، حسب صحيفة الوطن السعودية.