نقلاً... عن مفكرة الاسلام


بابا الفاتيكان بنيديكت السادس عشر


مجلة الوعي الإسلامي، العدد495، السنة 43، ذو القعدة 1427هـ.

بقلم: محمد علي الخطيب ـ سوريا

لما كان الصدُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والذب عن عرضه واجبًا شرعيًا، وحقًا لله ولرسوله على كل مسلم، امتشقت حسامي، فسقيته بمداد الحب، وشحذته بنار الغيرة، وركبت مع خيل الله مستعينًا به متوكلاً عليه، لرد الغارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكارًا للمنكر، وقيامًا بالواجب، وردًا للجميل، ووفاءً للمصطفى ببعض حقه علينا، وحقه عظيم، وكما قال ابن القيم في مقدمة كتابه: «هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى الذي كتبه في نحو هذا المقام، قال رحمه الله (ج1/ص7): «ومن بعض حقوق الله على عبده رد الطاعنين على كتابه ورسوله ودينه ومجاهدتهم بالحجة والبيان، والسيف والسنان، والقلب والجنان، وليس وراء ذلك حبة خردل من الإيمان».

وقد أمر الله بمجادلة الكفار بعد دعوتهم إقامة للحجة وإزاحة للعذر {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال:42].

هذا وقد جاء في كلام بابا النصارى نقلاً عن إمبراطور بيزنطي: «أرني ما هو الجديد الذي أتى به محمد، وسوف تجد أشياء كلها شريرة وغير إنسانية، من مثل أمره بنشر الدين بالسيف».. ثم يمضي الإمبراطور شارحًا بالتفصيل الأسباب التي تجعل من نشر الإيمان بالعنف تصرفًا غير عقلاني، حيث لا يتفق العنف مع الطبيعة الإلهية، ولا مع طبيعة الروح، يقول: «لا يحب الله سفك الدم والتصرف غير العقلاني مناقض لطبيعة الله». فالإيمان يبزغ من الروح وليس من الجسد، بيد أن الذين يريدون نشر الإيمان، «يحتاجون إلى قدرة على الحديث الجيد، والتأمل بعقل، وبدون عنف وتهديدات... ومن أجل إقناع روح عاقلة، لا يحتاج المرء إلى ذراع قوية، ولا إلى سلاح من أي نوع، كما لا يحتاج إلى تهديد أي شخص بالموت..».

هذه الكلمات اقتبسها بابا الفاتايكان «بنديكت السادس عشر» من حوار افتراضي بين الإمبراطور البيزنطي «مانويل الثاني باليولوغوس» مع مثقف فارسي مسلم مجهول العين، وضمنها محاضرته: «العقل والإيمان في التقاليد المسيحية والحاضر المسيحي» التي ألقاها في قاعة المحاضرات بجامعة بون في (12 سبتمبر 2006م)، والبابا يقرُّ بما ورد على لسان إمبراطوره في هذه المحاورة المزعومة بل يتكلم بلسانه، لأنه أوردها في مقام الاحتجاج بها على خلاف ما زعمه بعد تصاعد موجة الاحتجاجات ضده.

وكلام كان النصارى هذا يتضمن ثلاث شبهات:

أولاهن: أن دين الإسلام إنما قام بالسيف لا بالكتاب.

والثانية: أن الإسلام دين يخالف العقل ويناقضه، لقيامه على السيف والإكراه.

والثالثة: أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يأت إلا بشر، وهي سبِّ وشتمٌّ أكثر منها شبهة تحتاج إلى تفنيدها وإبطالها.

هذه مقالات كاهن النصارى الأكبر، ظلمات فوقها ظلمات، ووساوس وشبهات، لا ينهض بها دليل ولا برهان، ولا تقوم عليها حجة ولا بيان، وإن لم تكن هذه الشبهة جديدة ولا الأولى من نوعها، فالغارة على شخصية محمد صلى الله عليه وسلم (قديمة، لا تكاد تهدأ حتى تبدأ، ولا تنطفئ حتى ستعَّر! وتتولى الكنيسة دومًا كبر هذه الحرب: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة:32].

أما مقولة إن الإسلام انتشر بحد السيف، التي ما تزال بعض ألسنة السوء تلوكها، فهي مقولة ساقطة وشبهة داحضة من وجوه عدة دينية وتاريخية بل الحس والواقع يدحض هذه الفرية، وأقصد وجود طوائف اليهود والنصارى والهندوس وسائر الملل والنحل في بلاد المسلمين شرقها وغربها طولها وعرضها وتعايشهم مع أهلها، فلو عرف المسلمون محاكم التفتيش، ونقلوا خبرة الأسبان والأوروبيين في التعذيب الوحشي والاضطهاد الديني لما تركوا على ظهرها من يهودي ولا نصراني على غرار التطهير العرقي الذي وقع ضد المسلمين في الأندلس مثلاً بعد ثمانية قرون من الاستقرار فيها، وذهب ضحيته ملايين المسلمين واليهود. أما الإسلام فقد دعاء إلى التسامح والعفو والرحمة، وأقرَّ مبدأ الحرية الدينية، ورفع شعار: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256].

عن ابن عباس قوله: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} قال: «نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلاً مسلمًا، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك.

وعن مجاهد: «لا إكراه في الدين»، قال: كان ناس من الأنصار مسترضعين في بني قريظة، فأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام، فنزلت: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (تفسير الطبري ـ «ج5/ص411»).

ولذلك فإننا نقول بكر فخر واعتزاز: إن المسلمين هم الأمة الوحيدة على مرِّ التاريخ التي لم تكره الشعوب الخاضعة لها على اعتناق دينها، وما تزال إلى أيامنا هذه طوائف اليهود والنصارى والصابئة والمجوس وسواهم يعيشون بيننا، وقد منحهم الإسلام حق ممارسة عباداتهم وطقوسهم، واحتفظوا بكنائسهم وأديرتهم وصلبانهم، وحُقَّ للمستشرقة الألمانية د. سيغريد هونكة في كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب» أن يأخذها العجب، فتقول: «هذا عجيبٌ حقًا، إن مثل هذا لم يقع من قبل، من هو الإنسان الذي لا يستنشق نسيم الحرية بعد الحكم البيزنطي الجائر القاسي، وبعد هذه الاضطهادات الشنيعة التي جرت في إسبانيا، والاضطهادات المتواصلة التي قاسى اليهود الكثير من أهوالها؟ إن المسلمين السادة الجدد حماة البلاد وحكامها لم يتدخلوا في مسائل رعاياهم الداخلية: إنهم عادلون ـ هكذا كتب بطريرك القدس في القرن التاسع إلى بطريرك القدس في القرن التاسع إلى بطريرك إستبنول ـ والمسلمون لا يظلموننا أو يضطهدوننا. إنهم يمنحون مختلف أفراد رعاياهم من أصحاب العقائد الأخرى كل حرية في تأدية فرائضهم الدينية أو حقوقهم المدنية متى ما دفعوا الجزية وأطاعوا ولي الأمر». فهل قرأ بابا الفاتيكان «بندكت السادس عشر» رسالة أخيه بطريرك القدس في القرن التاسع أم إن عينه لا تقع إلا على الأباطيل، وقلمه لا ينقل إلى الترهات؟

هل قرأ البابا العهد العمري للنصارى من أهل بيت المقدس، وفيه: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبيهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم... إلخ). تاريخ الرسل والملوك ـ الطبري (ج2/ص308).

نعم، الجهاد ذروة سنام الإسلام، وكان من ثمراته تلك الفتوحات العظيمة: فتح الشام ومصر والعراق وأفريقيا وبلاد السند والهند وسواها، ولكن هل فرض المسلمون دينهم على أهل تلك البلاد أو هل أجبروهم على ترك أديانهم؟ كلا، لم يكرهوا الشعب على اعتناق الإسلام، وإنما دخل من دخل منهم في دين الله ملء إرادته عن إيمان واقتناع، وآخرون آثروا أديانهم، وتمسكوا بها، فلم يتعرض لهم المسلمون بسوء، وما زالت طوائف اليهود والنصارى تعيش بين المسلمين، في مناخ من العدل والتسامح والرحمة وحسن الجوار. وقد حكم المسلمون القارة الهندية قرونًا عدة، وكان لهم ملوكًا أقوياء وأباطرة عظماء مثل أورنك زيب من أعظم ملوك الدنيا، ولم يكرهوا الهندوس على الإسلام، وما يزال معظم سكان القارة هندوسًا، فكيف يستقيم هذا مع مقولة إن الإسلام انتشر بحد السيف؟ ثم كيف يفسر بندكت دخول الإسلام إلى إندونيسيا وماليزيا والفلبين والصين وغيرها من البلاد التي لم تطؤها أقدام الفاتحين؟ هل تم ذلك كله بحد السيف أيضًا؟ وما يزال المئات حتى الساعة، وخاصة من النصارى، يدخلون في دين الله أفواجًا، فهل أكرهوا عليه، والدولة والغلبة والشوكة والمنعة اليوم للنصارى في طول البلاد وعرضها؟

ثم كيف يقول هذا البابا بلسان إمبراطوره: «أرني ما هو الجديد الذي أتى به محمد، وسوف تجد أشياء كلها شريرة وغير إنسانية» وهذا من أعجب ما جاء في محاضرة البابا، ومن أعجب ما رُمي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، (كيف يكون كذلك وهو ـ بأبي وأمي ـ الذي أرسل بالرحمة والعدل البر والخير كله، كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء:107] وعبر عن رسالته فقال: «إنما أنا رحمة مهداه» المستدرك للحاكم، وبهذه العبارة الوجيزة قدَّم نفسه للناس؟ ومن قبل بشر به أخوه عيسى، وأنه يأتي رحمة بعد غضب، ففي (برنابا 72 : 14 ـ 17): «في ذلك الوقت يرحم الله العالم فيرسل رسوله للعالم.. وسيأتي بقوة عظيمة على الفجار، ويبيد عبادة الأصنام من العالم، وإني أُسرَّ بِذلك، لأنه بواسطته سيعلن ويمجد الله، ويظهر صدقي «تباشير الإنجيل والتوراة بالإسلام ورسوله محمد (ص363).

وليعلم هذا البابا أن الرحمة التي جاء بها رسول الرحمة لم تكن خاصة بأهله أو بأصحابه أو حتى بأمته دون سواهم من سائر الناس كرحمة العنصريين الضيقة التي لا تستوعب إلا بني جنسهم أو دينهم، وتضيق على سائر الملل والنحل، بل كانت رحمة عامة شاملة للإنسانية كلها بجميع ألوانها وأطيافها وتنوعاتها، وسعت المسلم وغير المسلم بل الوجود بأسره، ويجعلها شرطًا لاكتمال الإيمان، فليس بمؤمن من لا يرحم، عن أبي موسى: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لن تؤمنوا حتى تراحموا! قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم! قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكن رحمة العامة» رواه الطبراني.

إن الإسلام يعتبر الناس جميعًا أسرة واحدة، تنتمي إلى رب واحد وإلى أب واحد «أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد لكم لآدم وآدم من تراب» هكذا قال محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال القرآن في خطابه العالمي: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[الحجرات:13]، ولم يكن هذا من قبيل الأخلاق التوراتية والتلمودية، لأن ما يرد في النص التوراتي من وصايا تدعو إلى المحبة والخير والعدالة فإنها وصايا عنصرية ضيقة تخص اليهود فقط شعب الله المختار كما ينعتون أنفسهم أو أبناء الله وأحباءه، ولا يجوز أن تطبق على الأجانب والأغيار.

إن الرحمة الإنسانية التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمثلها لم تكن من هذا النوع أبدًا، ويجب ألا تخلط بها. اليهودي يحق له أن يسرق الأغيار، وأن يزني مع نسائهم، وأن يقرضهم بالربا،ويشهد بالزور، ويسرق، ويشتهي النساء الأجنبيات، ويغدر، ويغتصب كل من و غير يهودي فقط، لكنه لا يحق له هذا مع اليهودي، لأن اليهودي أخوه الودود بينما الأجنبي عدوه اللدود.

وهذا دون شك يعبر عن انعدام الرحمة الإنسانية عندهم، تلك الرحمة التي يزخر بها ديننا الإسلامي.

وإن الباحث في النصوص التوراتية يجدها تكرّس هذه النزعة وتنسبها إلى «يهوه» حتى تأخذ صفة الشرعية والديمومة، ونقرأ فيها على سبيل المثال: «للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا، لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها «التثنية 23 : 20».

إذا افتقر أخوك عندك وبيع لك فلا تستعبده استعباد عبد. ولا تتسلط عليه بعنف وإلى آبائه يرجع، وأما عبيدك الذين يكونون لك. فمن الشعوب الذين حولكم منهم تقتنون عبيدًا وإماءً وأيضًا من أبناء المستوطنين النازلين في أرضكم منهم تقتنون ومن عشائرهم الذين عندكم. الذين يلدونهم في أرضكم فيكونون ملكًا لكم وتستملكونهم لأبنائكم من بعدكم ميراث ملك. تستعبدونهم إلى الدهر وأما إخوتكم بنو إسرائيل فلا يتسلط إنسان على أخيه بعنف» «سفر اللاويين ـ 46 : 25».

إن هذه النصوص المقدسة عندهم تغذي نزعة العنصرية والعزلة والتسلط والفوقية وضرورة القسوة والانتقام واستعباد الشعوب والأمم، ومثل هذه النصوص لا تجدها في القرآن ولا في السنة، وما ورد من نصوص تأمر بالشدة والغلظة مع الآخر، فهي واردة في سياق تاريخي معين، لأن هذا الآخر ليس إلا محاربًا معتديًا على حقوق المسلمين وحرماتهم، أما أهل الذمة والمستأمنين والمعاهدين من اليهود والنصارى فهؤلاء ينشر عليهم الإسلام ظله وحمايته، ويكفل لهم جميع حقوقهم، وحسبهم أن من آذاهم فقد آذى رسول الله نفسه! هكذا أعلن نبي الرحمة والتسامح إذ قال: «ألا من ظلم معاهدًا (ذميًا) أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه ـ أي أنا الذي أخاصمه وأحاجه ـ يوم القيامة» [رواه أبو داود]. وإذا كان الأمر كذلك، ألا يحق لي أن أتعجب من الدعوة إلى تغيير نصوص القرآن الداعية إلى الكراهية بزعمهم بينما تفوح رائحة العنصرية البغيضة من حروف «الكتاب المقدس» عندهم؟

وإذا كان الإسلام يثير الكراهية الدينية، ويؤجج نار الصراع البغيض بين البشر ـ كما يزعم بعضهم ـ فكيف يبيح القرآن إذن للمسلم الزواج باليهودية والنصرانية والأكل من ذبائح أهل الكتاب؟ كيف يدعونا إلى كراهيتهم ثم يبيح لنا مصاهرتهم، ألا ساء من يفترون؟ كيف يرخص لنا البر بهم والقسط إليهم ثم يحضُّ على بغضهم كما يدَّعون؟ أليست هذه جسور متينة من العلاقات يبنيها الإسلام، لتقوية وشائج القربى وأواصر المودة بين بني البشر؟ ولكن العيب كامنٌ في قراءة مبتورة للنصوص بل في قلوبهم مرضٌ!

هذه الرحمة لم يخل منها تشريع من التشريعات الإسلامية حتى القتال في ديننا يتصف بالرحمة، وما أظن هذا البابا قرأ شيئًا عن آداب الجهاد وضوابطه والرحمة فيه، فقد شرع رسول الرحمة للحروب قواعد أخلاقية ألزم جنوده وأمراء جيوشه التقيد بها في مختلف الظروف، وأهمها الوفاء بالعهود والمواثيق، والرحمة في الحرب والعدالة، والمعاملة بالمثل عند الضرورة، ومن وصاياه: «انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلاً ولا صغيرًا ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين» [رواه أبو داود].

ولم تكن هذه الوصايا مجرد كلام يمضغ للدعاية كحقوق الإنسان في عصرنا هذا، ولكنه كان يأخذ طريقه إلى التطبيق العملي وشواهده وصوره كثيرة، ومنها فتح مكة وكان من أعظم أيام الإسلام، وعادة المنتصر أن يمتلئ زهوًا وخيلاء وغرروًا، وقد يسرف في القتل والانتقام؛ ليطفئ نار الحقد التي تشتعل في قلبه، ويشفي غليله من خصوم الأمس الذين وقعوا في قبضته، ولكن الرسول العفو الكريم اجتمع بهم ليقول لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء!». فكيف ترى معاملته لأهل مكة بعد كل هذا التاريخ المشحون عداوة وبغضًا؟ وأنا أريدك أن تتخيل أن نابليون مثلاً هو ذاك الفاتح الظافر بدل محمد فكيف سيتصرف؟ لن أسلمك للخيال، فقد استسلم لنابليون أهالي مدينة عكا سنة 1779م بعد أن أعطاهم الأمان، ولكنه نقض عهوده، وأبادهم عن بكرة أبيهم!!. ولكم أتمنى أن آخذ بابا الفاتيكان «بندكت السادس عشر» في جولة سريعة ليرى الصور الفظيعة والمناظر المروعة وحمامات الدم والإبادة الجماعية التي قامت بها جيوش الحملات الصليبية التي بدأت أولاها في 1096م، وخرجت الأخيرة منها من أوروبا في 1250م، وذلك بقيادة رهبان النصارى وقساوستهم، ونقلها المؤرخون المعاصرون منهم والشهود لتلك الحوادث، وأقتصر على بيت المقدس. ماذا جرى فيه لما دخل الصليبيون بيت المقدس؟ ولن أدع ابن الأثير أو ابن كثير يروي تلك الفظائع كيلا يتهما بالمبالغة، ولكن المؤرخ الشهير: ويلز Wells أخبرنا عن المذبحة الرهيبة حسب تعبيره، يقول: «حدثت ببيت المقدس مذبحة رهيبة وكان دم المقهورين يجري في الشوارع، حتى لقد كان الفرسان يصيبهم رشاش الدم وهم راكبون، وعندما أرخى الليل سدوله جاء الصليبيون وهم يبكون من فرط الفرح، وخاضوا الدماء التي كانت تسيل كالخمر في معصرة العنب واتجهوا إلى الناقوس ورفعوا أيديهم المضرجة بالدماء يصلون لله شكرًا»، «الحروب الصليبية ـ د. أحمد شلبي ـ ص52» وإذا اتهمت ويلز بالمبالغة فقد شهد شاهد عيان صليبي هو وليم الصوري، الذي نقل إلينا بالتصوير الحي والبث المباشر مشاهد النصر بزهو وفخر! يقول: «اندفعوا هنا وهناك خلال شوارع وساحات المدينة مستلين سيوفهم، وبحماية دروعهم وخوذهم، وقتلوا جميع من صادفوا من الأعداء بصرف النظر عن العمر أو الحالة، ودون تمييز، وقد انتشرت المذابح المخيفة في كل مكان، وتكدست الرؤوس المقطوعة في كل ناحية بحيث تعذر الانتقال على الفور من مكان لآخر إلا على جثث المقتولين، وكان القادة قد شقوا في وقت سابق طريقًا لهم بواسطة مسالك متنوعة إلى مركز المدينة تقريبًا وأحدثوا عندما تقدموا قتلاً لا يوصف، وتبع موكبهم حشد من الناس متعطش لدماء الأعداء ومصمم تصميمًا كاملاً على إبادتهم» تاريخ الحروب الصليبية ـ (1/435) ولطامس نيوتن تفسير على الأخبار عن الحوادث المستقبلة المندرجة في الكتب المقدسة. وطبع سنة 1803 في لندن.

ففي الصفحة 65 من المجلد الثاني في بيان تسلط أهل التثليث على أورشليم هكذا: (فتحو أورشليم في الخامس عشر من شهور (هكذا) تموز الرومي سنة 1099 بعد ما حاصروا خمسة أسابيع (هكذا) وقتلوا غير المسيحيين، فقتلوا أزيد من سبعين ألفًا من المسلمين وجمعوا اليهود وأحرقوهم، ووجدوا في المساجد غنائم عظيمة) إظهار الحق ـ رحمة الله الهندي ـ ص489.

هذا بعض ما ارتكبه الصليبيون من مجازر تقشعر لهولها الأبدان، ودماء بريئة أهريقت، جرت أنهارًا، وكل ذلك فعلوه باسم المسيح، والمسيح منه براء، وبإرادة الرب! فأي رب هذا الذي يأمر بهذا الفجور؟! وأكرر لك عبارة الصوري: «ولذلك قاموا بقتل كل رجل وامرأة وطفل وجدوهم في المدينة بفرح وباطمئنان تامين، وهم يرون أنهم كانوا ينفذون إرادة الرب»، فتأمل!! لقد فتح المسلمون القدس في صدر الإسلام في عهد عمر بن الخطاب، وحرروها من أيدي الصليبيين في عهد الملك صلاح الدين الأيوبي، فهل قابلوهم السيئة بالسيئة؟! أرجو أن تقرأ التاريخ، لتوازن وتقارن، لتعرف من الذين ينفذون إرادة الرب الرحمن الرحيم! ومن الرحماء ومن الإرهابيون؟ ولا يخفى هذا على لبيب! والفظائع التي صدرت عن النصارى لليهود وعن النصارى بعضهم إلى بعض أدهى وأمر، ولولا خشية التطويل لسردتها، وما تزال هذه الروح العنصرية البغيضة هي التي تحكم تصرفات دول النصارى ومنها دولة الفاتيكان، رغم دعاواهم العريضة عن حقوق الإنسان وحوار الأديان وهذه الشعارات الجوفاء، ويؤكد ذلك مواقفهم السلبية بل العدوانية من قضايا المسلمين والمجازر المروعة في البوسنة وفلسطين والعراق وسواها من بلاد المسلمين. سلهم وسل هذا البابا: من أباد الهنود الحمر؟ المسمون أم النصارى؟ من الذين استرقوا الزنوج وساموهم سوء العذاب؟ من أحرق اليهود في أفران الغاز؟ من الذين أشعلوا الحربين العالميتين: الأولى والثانية؟ من الذين ألقوا القنبلة الذرية على هيروشيما وناجازاكي؟ من الذين يوقدون نار الحرب الآن في كل البقاع؟ ثم بعد كل هذا يتهم الإسلام بالإرهاب، ويوصف محمد نبي الرحمة بما وصفوه به!! وأكتفي بهذا القدر، ولكن أقول للقارئ الكريم: انظر إلى هؤلاء الطاعنين على محمد صلى الله عليه وسلم، المستهزئين به، هل قرءوا تاريخهم القديم منه والمعاصر المليء جورًا وظلمًا لأهل ملتهم وغير ملتهم أم يتعامون عنه.