عن مفهوم (الأمة) في الإسلام ! .
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه .
أما بعد .
تقوم الليبرالية على مبدأ منع المنع .. ومن مبادئها أيضاً أنها لاتمنع أي دين ، ولا تدعو إلى أي عقيدة .. إذ عقيدتها الوحيدة هو الحياد تجاه كل العقائد .
ولأنهم دائماً يقولون مالا يفعلون ، وفي أوهام تبعيتهم للغرب غارقون ، فإ ن الليبراليين العرب لم يكونوا يوماً (حياديين) ، مع (الإسلام) وعقيدته ، بل وضعوه دائما ً في خانة (العدو اللدود) .
غير أنه ثمة كاتب (ليبرالي) ، وصاحب قلم رشيق .. شذ عن هذه القاعدة ، وكتب في فهم عميق وشفاف ؛ وفي حالة من الصفاء الذهني ، والتجرد للحق ، والصدق مع النفس . قائلاً :

( في كل مكان شهد تكوين دولة لجماعة من الناس ، كانت الفكرة أن يستمد المرء قوانينه من إسقاطاته ورغباته الشخصية ، حتى يصبح العدل نفسه بالنسبة إليه هو فقط .
أحياناً كانت تبدو هذه القوانين حكيمة إلى حد ما ، وأحياناً ساذجة وقصيرة النظر ، لكنها دائماً وفي جميع العصور ، كانت قوانين شخصية تنحاز إلى جانب طبقة معينة ، وتنطلق من مفاهيم نفعية محدودة لمعنى العدالة نفسها .

في عصر تصاعدت خلاله ملامح الصراع الإنساني إلى حروب عالمية واسعة النطاق ، وانقادت فيه مجتمعات الإنسان وراء أهوائها وقوانينها النسبية إلى هاوية سحيقة من العدوان والبربرية واليأس والوحشية .

وفي رحلة تأثرت خلالها جميع القيم الإنسانية بأحداث الصراع ؛ بين نظام الدولة وبين نظام القبيلة .. فأصبحت القيم الأخلاقية لدى القبائل ؛ هي القدرة على السطو والحيلة .. وأصبحت القيم نفسها لدى الدول هي القدرة على التوسع والسيطرة .
... فمجتمع المدن يستمد هويته من الدولة التي يخضع لها ، ويعيش من أجلها ويموت من أجلها .. ومجتمع الصحراء يستمد هويته من أسلافه وأجداده ، ويعيش بتقاليدهم وأفكارهم ، ويموت عادة من أجلهم أيضاً .

.. وبين هذين الطرفين الغارقين حتى السآمة واليأس والقنوط ، في ظلمة الحماقة والفساد والجهالة ، لم يكن ثمة أمل في أن يولد مجتمع إنساني جديد ، يعيش حقاً بهويته الإنسانية وحدها ، أو يدرك عالمية الإنسان ووحدة قوانينه .. لقد كان ذلك عملاً يحتاج إلى نذير إلهي من ملكوت الله .

وفجأة ارتفع صوت النذير من مكة ؛ لكنه لم يكن موجهاً إلى أهل مكة وحدهم ، بل إلى كافة أهل الأرض ، وكانت الأرض نفسها قد أصبحت من ذلك اليوم بلداً واحداً لأمة واحدة .
وإذا كان أي نظام اجتماعي آخر عرفه تاريخ البشرية ، قام على مبدأ الصراع بين الأنواع من أجل البقاء .. فإن تشريع الأمة جاء أولاً لإرساء قواعد تعايش الأنواع والتعاون فيما بينها على البر والتقوى وكل مافيه صلاح وخير وإعمار للأرض .
قال تعالى : ((وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان )) .
ومن هنا فإن هذا التشريع الإلهي لم يكن يوماً مجرد شكل من أشكال الإصلاح الإجتماعي العابر ، بل جاء لإعادة ترتيب وتركيب واقع جديد .

.. كل نظام اجتماعي آخر عرفه تاريخ البشرية ، كان يستمد هويته من تحريض إنسانه على عزل نفسه عن بقية أبناء جنسه البشري ، بحجة أنه أفضل منهم مولداً وجنساً وديناً وعرقاً .
..أما في نظام ( الأمة) ، أصبحت التفرقة بين الناس جريمة لايمكن غفرانها ، قال ــ عز وجل ــ : (( قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم ، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون )) . وقال : ــ سبحانه ــ (( يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى ، وجعلنكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقكم إن الله عليم خبير )) . وقال (ص) : (( لافرق بين أعجمي وعربي إلا بالتقوى)) .

في كل نظام آخر عرفه العالم ، كانت العصبية هي السبيل الوحيد إلى تطويق الإنسان واستغلاله باسم ( مجد الدولة أو القبيلة أو الشعب ) ، وكانت الفكرة أن يلجأ كل نظام إلى شحن مواطنيه بأساطير خارقة عن أصلهم ومنشئهم بمعزل عن بقية الجنس البشري .
أما في نظام (الأمة) ، أصبحت العصبية بالذات عملاً يبرأ منه الله ورسوله . قال ــ تعالى ــ : (( ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور )) ، وقال ــ سبحانه ــ : (( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادً والعاقبة للمتقين )) .

في كل نظام آخر عرفه العالم ، كانت الأنساب هي الأساس في تكوين الجماعة ، وكان مصير الإنسان نفسه محدداً سلفا على قدر ما تملكه أسرته ــ أو لا تملكه ــ من الجاه والسطوة .. فالملوك يولدون في الأسرة المالكة ، والأثرياء يولدون في الأسر الثرية ، والمختارون يولدون في الشعوب المختارة .. وبقية الناس في العالم لا يملكون من الفرص سوى ما تتيحه أمامهم المغامرة والفرصة .
..أما في نظام (الأمة) ، أصبحت الأنساب فكرة عقيمة لا تعني شيء أبداً ، فقد قال ــ عز وجل ــ : (( كل نفس بما كسبت رهينة )) ، وقال : (( يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ، ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً ، إن وعد الله ، حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور )) ، وقال سبحانه : ((فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)) . وقال (ص) ، في خطبة حجة الوداع : ( يا معشر قريش ، اشتروا أنفسكم من الله ، لأنني لا أغني عنكم من الله شيئاً . يا بني عبدا لمطلب ، لا أغني عنكم من الله شيئاً . يا عباس بن عبدا لمطلب ، لا أغني عنك من الله شيئاً . يا صفية عمة الرسول ، لا أغني عنك من الله شيئاً . يا فاطمة بنت رسول الله ، اعملي ، لا أغني عنك من الله شيئاً ) .
هذه هي يد الإسلام البيضاء التي امتدت فجأة عبر القرن السابع لكي ترفع الحواجز بين الشعوب والأفراد على حد سواء ، وتعيد ترتيب الأشياء ، وتحطم الأصنام الحية والميتة معاً ، وتسترجع الإنسان إلى ربه ونفسه ، وتحرره من قبضة الخوف ومن قبضة الجهل في آن .
وما أشبه الليلة بالبارحة ، فالصراع بين ( الأكاسرة) و ( القياصرة) ، اليوم على أشده ؛ كما كان بالأمس تماماً ؛ على التوسع والسيطرة والسلب والنهب .
وليس ثمة مانستطيع أن نقوله في مثل هذا الموقف ؛ لأنفسنا ولكل مسلم غيور.. إلا ماقالته (الأميرة عائشة) لابنها الأمير عند تسليمه لمفاتيح مدينة (غرناطة) :
ابك مثل النساء على ملك مضاع ، لم تحافظ عليه مثل الرجال .
تحياتي للجميع . محمد شقلوف . email: shagloufe***********