( لا تستقيمُ الأمة، إلا بعد فتح جروحها، وقراءتها، وأخذ العِبَر منها، ومعرفة الخطأ، ومحاولة إصلاحه؛ كي لا تقع به مرة أخرى، وسيكتب التاريخ لكِ أو عليكِ يا "مفكرة الإسلام" فيما تكتبينه عن تاريخ مدينة، ذُبِحت بهدوء، وسط تخاذل وصمت الجميع! توكلوا على الله، وأنا في الخدمة) هذه كانت أولى كلمات الحاج "محمد عارف" أحد الأشخاص الذين شهدوا واقعة الفلوجة، حيث حطت "مفكرة الإسلام" رحلها في بيته، وسط الفلوجة لسؤاله وغيره من أهالي الفلوجة ، لكتابة تقريرٍ عما بعد معركة الفلوجة الثانية.
بعد انتهاء معركة الفلوجة -التي دامت لأشهر-، وليس كما روّج لها في وسائل الإعلام أنها استمرت أقل من شهر واحد، وانسحاب ثلّة من المقاومة من جنوب المدينة إلى خارجها، عبر طريق "سدة الفلوجة الجنوبية"، والخطبة المؤثرة التي ألقاها أحد قادة المقاومة في المدينة قبل الانسحاب، والتي طلب فيها من المقاومة التراجع إلى خارج المدينة، وإعادة ترتيب صفوفهم من جديد، وإنقاذ مخازن العتاد الباقية في الفلوجة إلى خارجها، وبعد استشهاد عدد من قادة المقاومة، حتى بلغ عدد شهداء المقاومة في تلك المعركة المئات
بدأ فصل الرافضة
فكما هو معروف في الفلوجة أن معركتها الأخيرة مرّت بمرحلتين: الأولى هجوم الاحتلال، والثانية هجوم الرافضة عليهم.
وهجوم الاحتلال على الفلوجة معروف بكل ما تضمنته معنى الوحشية، والهمجية، من استخدام الكيميائي، والفسفور، إلى القنابل العنقودية، إلى التمثيل بجثث الشهداء، وسحلهم بحبال الدبابات.
إلا أن الغائب عن أعين الناس هو الفصل الثاني في الفلوجة، وهجوم الرافضة عليها.
فبعد أن حطت الحرب أوزارها! وسيطر أكثر من 15 ألف جندي من المارينز والكوماندوز، وقوات عراقية خاصة -تم تدريبها في أمريكا قبل احتلال العراق تدعى الفرقة السرية A1- إضافة إلى الحرس الوطني العراقي، دخلت إلى مدينة المساجد في اليوم الثاني أكثر من سبعين سيارة، وآلية، تحمل عشرات العناصر من العصابات الشيعية المنضوية، تحت تسميات مختلفة، حاملة على زجاج السيارات الأمامي صور السفير الإيراني في العراق "علي السيستاني"، وصور "عبد العزيز الحكيم" وأعلام الحوزة.
دخلت إلى الفلوجة عبر البوابة الشمالية، قادمة من بغداد، وقامت في اليوم الأول بقتل ثلاثة وأربعين مقاومًا جريحًا، وجدتهم في أزقة وشوارع وبيوتات الفلوجة، وهنا نترك الحديث للحاج "المعاق" "محمد عارف" يكمل لنا ما بدأه في أول اللقاء:
بعد انتهاء المعركة، وسيطرة الاحتلال، وأعوانه على الفلوجة، دخل العشرات من عناصر العصابات الشيعية في سيارات، تحمل على زجاجها الأمامي صور السيستاني والحكيم إلى الفلوجة.
وانقسموا إلى قسمين: فالقسم الأول بدأ بقتل الجرحى العرب والعراقيين في المساجد، والمنازل، والشوارع، عن طريق إطلاق ما أسموه (رصاصة الرحمة)، أو الدهس بالسيارات، أو كما حدث عند الشيخ الجريح "نواف العنزي" -وهو سعودي الجنسية- حيث كان جرحُه ينزف في حي الشرطة، ومُمدد بلا حراك، عندما قام أحد عناصر تلك العصابات بضربه بصخرة كبيرة على رأسه، هشمته بالكامل قائلاً له: الرصاصة كثيرة في حقك، واستشهد ـ رحمه الله ـ بعد أن تهشّم رأسه، وحدثت مثل تلك الحالة حالات كثيرة.
أما القسم الثاني فكان مخصصا للسرقة، فقد سرقوا بيوت المسلمين السنُّة في المدينة، ولم يبقوا على شيء يذكر من ذهب، وأموال، وكهربائيات، وتحف، وكان الأمر كله تحت إشراف السفاح "جلال الصغير" إمام حسينية براثا في بغداد، والقيادي في فيلق بدر.
حتى كونت تلك العصابات سوقًا، عُرف باسم سوق الفلوجة، فيه ممتلكات منازل أهل الفلوجة، يباع فيها بسعر زهيد كل ما تمّت سرقته من الفلوجة، وقد صدرت فتوى من "الصغير" أحلّت فيها أموال أهل السنّة، بعد أن أحلّ دمائهم، حيث أكد لأتباعه أن السيستاني أقر تلك الأعمال، كونهم نواصب، حتى وصل الأمر بهم إلى سرقة ملابس نساء السنُّة في الفلوجة، وبيعها إلى الشيعة بأسعار زهيدة، من قبل تلك العصابات، وأنا لم آت بجديد، فالأمر معروف عند أهل المدينة.
بعد يوم واحد من دخول تلك العصابات الرافضية إلى الفلوجة، وقتلِهم للجرحى، وغير الجرحى، بدم بارد، وسرقة منازل أهل السنُّة في الفلوجة، كما سرقوا هم منازل الكويتيين في الغزو العراقي لهم، والكل يعلم أن أيدي أهل السنُّة بيضاء من أيّ اعتداء على الكويتيين، فكل ما فُعِل بهم، وبمنازلهم، هو فعل الشيعة.
قامت تلك العصابات بعد يوم واحد باختراع فكرة جديدة، وهي تسليم الجرحى العرب، خاصة للاحتلال، تحت زعم أنهم هم من ألقوا القبض عليه وأصابوه، بعد أن حاول الهروب، وكانوا يأخذون من الصليبين الأموال، مقابل تسليمهم المسلمين الجرحى، وهو أمر معروف أيضًا للجميع.
وشهادةً لله وللتاريخ، فإن اليهود -الذين اقتحموا الفلوجة- كانوا أرحم من الروافض في فصل الفلوجة الثاني، وأقصد به ما بعد هجوم الجيش الأمريكي.
حيث رأيت أمام عيني أربعة من تلك العصابات، يرفعون طفلاً عمره سنة ونصف، وهو ابن الشهيد "محمد أبو خديجة" ـ أحد قادة المقاومة ـ، ويقومون بينهم برمي الطفل، فتارة يركلونه مثل بأرجلهم، وتارة يقذفه الأول للثاني والثالث للرابع وهكذا... والدم يسيل من أنفه وفمه وتمنيت أني لست عجوزا حتى أهجم عليهم، لكن كما ترى عجوز ، ومعاق، ولا شيء عندي سوى النظر بعيني، والدعاء عليهم، ثم البكاء على الذل، الذي رأيناه منهم، إلا أن أحد جنود الاحتلال شاهدهم وهم يركلون الطفل "خطاب" بالأرجل، فركض إليهم وخلص الطفل من بين أقدامهم، ووبخهم، وطردهم من المكان الذي كانوا يقفون فيه، وعندما سَئَل عن أهله، أخبرتُه أن والده استًشهد، ووالدته أيضًا استشهدت!! فأخذه، ولم أعرف ما مصيره حتى الآن؟
أستطيع أن أُجزم وأقول: إن الرافضة ارتكبوا أعظم جرائمهم المعروفة على التاريخ في الفلوجة، بمباركة من مرجعيات النجف.
تركنا الحاج "محمد عارف"، وتوجهنا إلى مستشفى الفلوجة، حيث وجدنا أحد أطباء الفلوجة ـ الذين شهدوا أحداثها كاملة ـ وهناك قال: (90% من شهداء الفلوجة قتلوا بالكيماوي، والفسفور، ولو لم يستخدم الاحتلال الأسلحة المحرمة والفتاكة، لما دخلها أبدًا، ولبقيت الفلوجة عاصية عليهم حتى الآن.
استخدم الاحتلال أول الأمر القنابل العنقودية في الفلوجة، وألقى في الأسبوع الأول على الفلوجة أكثر من 170 حاوية عنقودية، ومع ذلك فشلت!! فقد وجد مقاتلو الفلوجة الحل بمواجهتها عن طريق "حفر خنادق شقية ضيقة"، تحوي "سواتر ترابية في مقدمة الشق، تفجر عندها القنبلة، كي لا تنزل عليهم، وقد حفظ الله رجال المقاومة بتلك الخطة، ثم استخدموا الغاز الخانق، وقد وجدت المقاومة حلاً أيضًا، حيث وضعوا على وجوههم "شماغ" فيه سكر مذاب، منع من دخول الغاز على رئتيهم، ثم استخدموا آخر المطاف الفسفور الحارق، واستشهد الكثير منهم بفعله، واحترقوا بالكامل، إلا أنهم لا زالوا غير قادرين على كسر المقاومة، فعمدوا في نهاية الأمر إلى استخدام الكيماوي مع الفسفور، وهو ما أحرق الأخضر واليابس، فقد استشهد في يوم واحد أكثر من 200 مقاوم حرقًا، حيث أذاب الفسفور والكيماوي حتى العظم، فلم تبق حياة في الفلوجة -حتى الكلاب والقطط نفقت-، والأشجار يبست.
وعندها تمكنوا من الفلوجة، فقد دخلوا إليها أرضًا سوداء جرداء، بلا حياة على الإطلاق، وأعلنوا نصرهم المزعوم، على جثث متفحمة منصهرة، تتعدى 400 جثة.
لا تزال حتى يومنا هذا جثثًا موجودة تحت الأنقاض، تصلنا بين فترة وأخرى، واحدة أو اثنتان، يعثر عليها أهل المدينة، تحت أنقاض المنازل، والمحال التجارية، والعمارات السكنية، على الرغم من مرور قرابة العامين على تلك المعركة، وقد وصلتنا جثثٌ بعضها يوحي إليك كأنه قتل قبل يوم أو يومين، فوالله وصلتنا جثة سوري وجدت تحت أنقاض عمارة الفلوجة القديمة، كأن صاحبها قد مات أمس أو أول أمس، وتم دفنه في جنازة مهيبة في مقبرة شهداء المدينة.