ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟

...قلتُ: بلى. قال: (هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي"، قال: " إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله عز وجل أن يعافيك" قالت: أصبر، ثم قالت: "فإني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف" فدعا لها).

هذه القصة روايتها في البخاري عن عطاء بن أبي رباح, قال: قال لي ابن عباس -رضي الله عنهما- "ألا أُريك امرأة من أهل الجنة" ؟ ......... الحديث.

عزيزتي المرأة المسلمة: لنا مع هذه المرأة السوداء وقفة تأمل.


إنها كانت مريضة بالصرع وبالتالي عندما كانت تأتيها هذه الحالة كانت تتكشف رغماً عنها ولكنها كانت حريصة على التستر حتى في حال العذر (( ليس على المريض حرج )) وهذا حياء فطري طبيعي, وأيضاً يدل على الإيمان الذي يملأ القلب فتأملي معي قول رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم-: (( الحياء والإيمان قرناء جميعاً فإذا رفُع أحدهما رُفع الآخر )) رواه الحاكم وصححه الشيخين.


إن العفة والحياء من أسمى وأرقى وأجمل ما تتزين به المرأة الصالحة فالأنوثة حياء وعفة، والمسلمة عفيفة حيية، والحياء خلق لها.


وجاء في الحديث ما يؤكد أن الحياء من الإيمان والإيمان عقيدة المسلمة وقوام حياتها، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
(( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان )) رواه مسلم.

لماذا الحياء من الإيمان ؟

وسر كون الحياء من الإيمان أن كل منها داعٍ إلي الخير، صارف عن الشر؛
فالإيمان يحث المؤمن على فعل الطاعات وترك المعاصي؛
والحياء يمنع صاحبه من التقصير في الشكر للمنعم، ومن التفريط في حق ذي الحق؛
كما يمنع الحياء من فعل القبيح أو قوله اتقاءً للذم والملامة...
ومن هنا كان الحياء خيراً ولا يأتي إلا بالخير، كما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (( الحياء لا يأتي إلا بخير )) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم (( الحياء خير كله )).
و في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يعظ أخاه في الحياء كأنه أضر به الحياء، فقال صلى الله عليه وسلم (( دعه فإن الحياء من الإيمان )).
تمشي على استحياء
لقد أشار لنا القرآن الكريم إلي خلق العفة بصورة واقعية حينما وصف إحدى المرأتين اللتين وجدهما سيدنا موسى عليه السلام عندما ورد ماء مدين وسقى لهما فقال: (( فجاءته أحداهما تمشي على استحياء )) ( القصص / 25 )


جاء في تفسير القرآن "في ظلال القرآن" لسيد قطب:
(مشية الفتاة الطاهرة الفاضلة العفيفة النظيفة حين تلقى الرجال (( على استحياء )) في غير تبذل ولا تبرج ولا تبجح ولا إغواء .. جاءته لتنهى إليه دعوة في أقصر لفظ وأخصره وأدله يحكيه القرآن بقوله: (( إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا )) فمع الحياء الإبانة والدقة والوضوح، لا التلجلج والتعثر والربكة، وذلك من إيحاء الفطرة النظيفة السليمة المستقيمة، فالفتاة القويمة تستحي بفطرتها عند لقاء الرجال والحديث معهم، ولكنها لثقتها بطهارتها واستقامتها لا تضطرب الاضطراب الذي يطمع ويغري ويهيج، إنما تتحدث في وضوح بالقدر المطلوب ولا تزيد) ...... إذن هذا المعنى ينقلنا إلى الفقرة التالية.
الحياء لا يمنعك من .....
إن خلق الحياء عند المرأة لا يمنعها أن:
تقول حقاً أو تطلب علماً أو تأمر بمعروف أو تنهى عن منكر..


• فلم يمنع الحياء أم سليم الأنصارية أن تقول: "يا رسول الله؛ إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟"، فيقول لها الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يمنعه الحياء: ((نعم، إذا رأت الماء)) رواه البخاري.


• وخطب عمر مرة فاعترض على غلاة المهور، فقالت له امرأة: "أيعطينا الله وتمنعنا يا عمر ألم يقل الله ((وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً))" ( النساء / 20 )... فلم يمنعها الحياء أن تدافع عن حق نسائها، ولم يمنع عمر أن يقول معتذراً: "كل الناس أفقه منك يا عمر، أصابت امرأة وأخطأ عمر".
هذا وصفه
أسوة المرأة المسلمة في هذا الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم, إذ كان أشد حياءً من العذراء في خضرها كما روى ذلك البخاري عن أبي سعيد الخدري وقال فيه: "فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه".


وخلاصة القول:

إن العاقل إذا سمع لفظ الأنثى لابد أن يتوارد إلي ذهنه خلق الحياء والعفة، والمرأة المسلمة هي التي تتمتع بالحياء والعفة.

والحياء كما عرفه علماء الشريعة: "هو خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق"؛


والحياء أيضاً: "هو نهي النفس عن القبيح (وهو كل ما يغضب الله تعالى)"؛
وعن أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه قال: "الحياء رؤية الآلاء -أي النعم- ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء".

وتذكري معنى ما ورد في صحيح سنن النسائي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل حليم حيي ستير يحب الحياء والستر)).

وهذا إشارة إلى أنه حيث وجد الحياء وجُد الستر والعفاف، وحيث تحل الجرأة على القبائح يحل معها التكشف والفضائح.
وترنمي قول الشاعر..

فلا والله ما في العيش خير ******* ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
يعيش المرء ما استحيا بخير ********* ويبقى العود ما بقى اللحاء



والمرأة المسلمة كما تستحي من الخلق،

فهي أيضاً تستحي من الخالق فلا تقصر في طاعته ولا في شكر نعمته، متمثلة قول ابن مسعود: "استحيوا من الله حق الحياء فاحفظوا الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، واذكروا الموت والبلى"،

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( فالله أحق أن يُستحيا منه من الناس )) رواه أبو داود والترمذي.
..وفق الله المرأة المسلمة إلى خلق الحياء لتفوز برضا الله وجناته..

منقولـــــــ للفائدة