الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

محرقة هتلر لليهود ليست الأكبر ، وإن كانت الأشهر في تاريخهم المعاصر، وقد مر القوم بمحاولات إبادة جماعية كثيرة في تاريخهم، حتى أصبحت الذلة والصغار هي شعارهم كما قال تعالى(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ)(آل عمران: من الآية112).

فالأصل في بني اسرائيل الذلة إلا بحبل من الله، وهذا يشمل فترات إيمانهم ورجوعهم إلى الله تعالى، كفترة نبي الله موسى –عليه السلام- وإن كان الذين معه ليسوا بالمؤمنين الكمل، لذلك أنجاهم الله من فرعون، ولكنه لم يكتب لهم دخول بيت المقدس، بعد تقاعصهم عن الجهاد في سبيل الله.

ثم جاء بعد موسى –عليه السلام- زمن يوشع بن نون الذي فتح الله على يديه بيت المقدس، لما وجد الجيل المؤمن المحب للجهاد،ولكن اليهود سرعان ما عادوا إلى بغيهم وظلمهم، فسلط الله عليهم عدوهم، حتى جاء زمن القائد طالوت، ثم نبي الله داود ومن بعده ابنه سليمان –عليهما السلام- الذي يمثل أزهى عصور بني اسرائيل.

الحاصل أن بني اسرائيل لا ينجون من الذلة إلا بحبل من الله، أو بحبل من الناس، وحبل الله يكون بسبب طاعتهم، وحبل الناس يكون بسبب الدخول معهم في أحلاف.

وإذا كان الحال كذلك، فما الذي جعل الذلة هي السمة البارزة في تاريخهم؟

ذلك أن طبيعتهم تغلب عليهم، فبعد فترات العزة الإيمانية التي يكونون فيها أعزة بحبل من الله، يأتي الكفر والفسوق والعصيان بل وقتل الأنبياء، ولذلك كانت أشد حالات الذلة في تاريخ بني اسرائيل تلك الحالات التي أعقبت قتلهم لأنبيائهم، على يد بختنصر البابلي، وعلى يد طينوس الروماني.

وهذان على الراجح هما المرتان اللتان ذكرهما الله في قوله تعالى(وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً) (الاسراء:4).

وإن كانت سائر المرات قد ذكرها الله مجملة في قوله تعالى (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا)(الاسراء: من الآية8) وأما عندما يتعزز بنو اسرائيل بحبل من الناس عن طريق التحالفات، فإن الغدر الذي يجري في دمائهم، يجعلهم يغدرون بحلفائهم عند أول عارض.

وقد قيل إن سبب انقلاب الفراعنة على هم هو دعمهم للهكسوس ضد الفراعنة، وكذا كانت من آخر مذابحهم تحريق هتلر لهم في أفران الغاز، وقوله تلك المقوله المشهورة "لقد أحرقت نصف يهود العالم، وتركت النصف الثاني، ليعلم العالم لماذا أحرقت النصف الأول؟"

ولقد أبى اليهود أن يعترفوا بأن محارقهم كانت نتيجة لانقطاع الحبل الذي بينهم وبين الله بكفرهم، وانقطاع الحبل الذي بينهم وبين الناس بسبب غدرهم.

وأبوا إلا أن يعيشوا دور الضحية، ذلك حتى يتسنى لهم القيام بالدور الآخر، وهو العلو في الأرض والفساد، حتى تمكنوا ولسان حالهم ومقالهم "دعونا ننتقم مما فعل فينا".

ولقد ورث الروم -من الأوربيين و الأمريكيين- هذا الأمر عن اليهود، على الرغم من أنهم لم يتعرضوا عبر تاريخهم لمحاولة إبادة جماعية، بل هم الذين أبادوا شعوبا كثيرة غيرهم، ولم يتعرض الروم عبر تاريخهم لهزائم عسكرية فادحة، إلا على أيدي المسلمين، ومع هذا فالمعلوم أن حروب المسلمين هي حروب نشر عقيدة، لا حروب إبادة شعوب، هذا بالإضافة إلا أن قلب أوربا بقى حصينا شرق بأسوار القسطنطينية، وغربا بجبال الألب، فبقى للروم قلب بلادهم نصرانيا خالصا.

ولكن لما كان الروم في زماننا يريدون ممارسة دور من العلو في الأرض والفساد، تأباه النفوس البشرية، حتى الكافرة منها، فقد وجدوا في فلسفة المحرقة ضالتهم المنشودة، لتدبير همجيتهم وبربريتهم، وكانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر هي المحرقة، التي اتخذتها أمريكا ذريعة لاشعال العالم الإسلامي كله نارا، ولا بأس باستنساخ محاولات فاشلة منها في كل عام، كمحاولة لتنشيط الذاكرة، ولتبرير استمرار العدوان.

بل حتى الشيعة الذين ورثوا عن اليهود أمورا عقدية كثيرة، من أبرزها اعتقاد أن عليا –رضي الله عنه- هو وصي النبي –صلى الله عليه وسلم- كما كان يوشع بن نون هو وصي موسى –عليه السلام- لم يفتهم أن يرثوا عنهم فلسفة المحرقة، ووجد القوم ضالتهم في كربلاء تلك الواقعة التي دميت لها قلوب أهل السنة حقيقة لا ادعاء، وأصبح هؤلاء يريدون في كل زمان ومكان أن ينتقموا من أهل السنة، بدعوى أنهم قتلة الحسين –رضي الله عنه- مع أن الشيعة يتحملون جزء كبيرا من دم الحسين –رضي الله عنه- حينما أغروه بالخروج، ثم قعدوا وجبنوا، إلا أن الشيعة قد وجدوا في تلك الواقعة تبريرا لكل جرائمهم، التي منها تلك الجرائم الشنيعة التي يقومون بها ضد أهل السنة في العراق بمساعدة الأمريكان.

و السؤال إذا كانت كل الفرق والطوائف قد بحثت لها عن محرقة تبرر بها عدوانها وطغيانها، فهل سيبحث أهل السنة لهم عن محرقة؟

والجواب: إن المحرقة التي في قلوب أهل السنة هي حبهم للخير، وحرصهم على نشره.

إن أهل السنة لا يعادون شخصا ما لشخصه، مهما بلغ ظلمه وطغيانه، وهذا نبينا –صلى الله عليه وسلم- يعفو عن قاتلي عمه حمزة أسد الله مع أنهم قتلوه شر قتلة ومثلوا به -رضي الله عنه-.

إن أهل السنة حينما يعادون الكافر، يعادونه لكفره، ومع ذلك يرحبون بمن أسلم منهم، وأقلع عن الكفر(عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً)(الممتحنة: من الآية7).

وكذلك كان سلوك أهل السنة مع الخوارج عليهم على مر التاريخ، لم يمنعوهم من المساجد، ولم يبدأهم بقتال، وعندما يبدأ هؤلاء الخوارج من الخوارج أو الشيعة أو غيرهم بالقتال، يقاتلهم أهل السنة ردا على قتالهم فحسب.

هذه هي محرقة أهل السنة، وصية النبي –صلى الله عليه وسلم- للخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- "لإن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" ووصية سادس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز –رحمه الله تعالى- لابنه "يا بني وددت لو أن هؤلاء القوم قد أطاعوا ربهم، وأن جسمي قد قرض بالمقاريض.".
www.salafvoice.com
موقع صوت السلف