التصريحات المثيرة التي أدلى بها بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر قبل أيام في محاضرته التي ألقاها بجامعة رتيسبون الألمانية ، والتي تعرض فيها بالإهانة للعقيدة الإسلامية وللنبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، بصورة غير مسبوقة من رمز ديني كبير ، بقدر ما تكشف عن غياب للحكمة واللياقة ، بقدر ما تكشف عن أزمة كبيرة في الكنيسة الكاثوليكية ، هناك انهيار في القناعات الدينية لدى الأجيال الجديدة في الغرب ، وفي أوربا تحديدا ، وهناك شكاوى من انصراف الناس عن الكنيسة وعن المسيحية إلى عقائد أخرى وخاصة إلى الإسلام .

كما أن التقارير المنشورة تفيد بأن عدد الداخلين في الإسلام في الغرب في تزايد مستمر ، بل إنه زاد بعد أحداث سبتمبر الأمريكية رغم أن المظنون كان العكس ، وذلك أن الأحداث حركت الفضول الغربي نحو معرفة الإسلام الذي أثار كل هذا الضجيج والجدل، والقاعدة المضطردة على مدار التاريخ أن كل اقتراب من دراسة الإسلام بروح منفتحة ينتهي بصاحبه إلى شهادة التوحيد.

وأعتقد أن هذه الحقائق كلها كانت حاضرة أمام بابا الفاتيكان وهو ينحرف بكلامه فجأة بدون أي داع أو معنى نحو هجاء الإسلام ونبي الإسلام .

أيضا هناك بعد شخصي في المسألة يتعلق بشخصية بنديكت نفسه ، لأنه يحمل حساسية خاصة ـ ولا أريد أن أقول كراهية ـ تجاه الإسلام والمسلمين تجلت في العديد من مواقفه السابقة حتى قبل توليه منصب البابوية ، فهو صاحب الموقف المتطرف الشهير الرافض لدخول تركيا إلى الاتحاد الأوربي حيث اعتبرها لا تتجانس مع "أوربا المسيحية" في إشارة إلى الديانة الإسلامية في تركيا ، كذلك حشر نفسه مرارا في التعليق على الفكر الإسلامي وتسييس الإسلام بدون أي معنى ، إضافة إلى تصريحاته الأخرى التي يعلن فيها عن تحالف الكنيسة الكاثوليكية مع الإدارة الأمريكية الحالية ، وهي المعروف عنها ميولها الأصولية المسيحية المتطرفة ، كذلك علاقاته الوثيقة مع الحركات اليهودية وحرصه الكبير على التودد لكل ما هو يهودي ، ديانة أو تاريخا أو ثقافة أو موقفا سياسيا.

اللافت للنظر أن البابا عندما أراد تجريح دين الإسلام لجأ إلى قراءة سطور من كتاب قديم بما يعني أن "أجواء التاريخ" بكل ثقله وصراعاته وسوداويته حاضرة في مشاعر البابا، وهذا مؤشر خطير يطرح أكثر من علامة استفهام حول فكرة الحوار بين الأديان التي يقودها الفاتيكان ويسهم فيها رجال دين مسلمون ، أيضا يستدعي ذلك التأمل في مسألة التستر بانتقاد الحركات المتشددة للطعن في الإسلام ، فالبابا كشف عن أن الكراهية متوجهه للإسلام ذاته ، بغض النظر عن المتطرفين فيه أو المعتدلين .

بالمقابل أعتقد أن ردود الفعل الإسلامية ينبغي أن لا تستدرج إلى مساحات العنف والخطاب غير العقلاني ، لأن الاعتدال والعقلانية في الموقف الإسلامي تكون أكثر بلاغا وإفحاما لرعونة رأس الكنيسة الكاثوليكية ، خاصة وأن موقف البابا مثل إساءة بل فضيحة للكنيسة الكاثوليكية أكثر منه إساءة للإسلام ، كذلك أتمنى أن تمتنع الحركات الإسلامية عن رد الفعل العنيف أو لغة التهديدات ، لأن هذا لا يليق في مثل هذه المواقف ، كما أنه سوف يسيئ حتما إلى الموقف الإسلامي لو حدث.

لقد ارتكب بابا الفاتيكان حماقة حقيقية ، ولكن دعوا أصحاب القلم والعلم والرأي يجيبونه ، وإن كان هذا بطبيعة الحال لا يحجر على الموقف الشعبي الإسلامي من أن يعبر عن غضبه بالتظاهر السلمي ، فهذا حق مشروع ، وفي المحصلة فإن القرآن الكريم يوجهنا بتوجيهه النبيل الكريم "خذ العفو ، وأمر بالعرف ، وأعرض عن الجاهلين ".